مقالات

الاعتراف العربي بحدود (إسرائيل) المتغيرة باستمرار

17/07/2026, 16:47:16

يُمثّل الإصرار الأمريكي المستميت على دفع جميع الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة نحو تطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل أحد أكثر جوانب العلاقات الأمريكية المعاصرة مع العالمين العربي والإسلامي ترويعاً لهذه الدول؛ إذ يأتي هذا المسعى بمثابة مكافأة صريحة لإسرائيل على جهودها في حرب الإبادة الجماعية التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني. وقد بلغت هذه المطالب ذروتها منذ شباط/فبراير الماضي، في أعقاب العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران.

وفي هذا السياق، لم يتوقف السعي الأمريكي المحموم لإنجاز التطبيع السعودي -وهو هدف طالما سعت إليه واشنطن- وذلك بالتوازي مع ضغوط مكثفة تمارسها واشنطن على دول أخرى كقطر والعراق وليبيا وتونس وسوريا وإندونيسيا وغيرها لتحذو حذو الدول التي طبّعت علاقاتها. ولم تقتصر الضغوط عند هذا الحد، بل توجت مؤخراً بتنصيب حكومة لبنانية جديدة ذهبت بعيداً في التماهي مع المطالب الأمريكية وصولا إلى دعم إسرائيل في احتلال أراضيها، وتوقيع اتفاقية الشهر الماضي تعترف بـ"سيادة" دولة الإبادة الجماعية على حدود جغرافية مبهمة لم يُكشف عنها.

غير أنه حتى قبل أن تبدأ إسرائيل حرب الإبادة الجماعية الراهنة، كان اعتراف الأنظمة العربية بإسرائيل يصطدم دوماً بمعضلة حدود المستعمرة-الاستيطانية. فأي "إسرائيل" وأي حدود تلك التي يُطلب من الدول العربية وتلك ذات الأغلبية المسلمة الاعتراف بها؟ وما هي الحدود التي اعترفت بها كل من مصر والأردن -ناهيك عن منظمة التحرير الفلسطينية- عند تطبيعها العلاقات في عامي 1978/1979 و1993/1994 على التوالي؟ وماذا عن الدول العربية التي انخرطت في "اتفاقيات أبراهام" في عامي 2020/2021؟ تظل الإجابة عن هذه التساؤلات الجيوسياسية جوهرية في ظل قوة إمبريالية عظمى هي نفسها مستعمرة استيطانية، تضغط على دول ناضلت للتحرر من الاستعمار وعلى شعوب ما زالت تقاومه، للاعتراف بشرعية دولتها الاستيطانية-الاستعمارية الوكيلة في المنطقة.

لطالما تمثلت السمة الجوهرية للمشاريع الاستيطانية-الاستعمارية الأوروبية، منذ نشأتها، في السطو الممنهج على أراضي السكان الأصليين والتوسع المستمر في الحدود. فمن الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا، إلى كندا وأستراليا ونيوزيلندا وصولاً إلى إسرائيل، يُعد النهم الاستيطاني للاستيلاء على المزيد من الأراضي وتوسيع الحدود سمة رئيسة للمستوطنين. وغالباً ما تسوّغ هذه الدول الاستيطانية-الاستعمارية نهمها الذي لا يشبع للأراضي، بضرورات الأمن القومي وأيديولوجيا التفوق العرقي.

منذ بواكير الاستعمار الاستيطاني الأوروبي في فلسطين إبان الحروب الصليبية، كانت الأطماع التوسّعية متأصلة؛ إذ قسّم فرسان الفرنجة الأراضي المغتصبة في فلسطين وجوارها إلى ممالك وإمارات، وظلت حدودها متغيرة لأكثر من قرنين من الزمان بفعل المقاومة والهجمات المضادة للأهالي. وكما شكلت "مملكة القدس اللاتينية" الصليبية (وغيرها) مصدر إلهام للمشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأوروبية اللاحقة في الأمريكتين، فإن الهوس ذاته بالتوسع في الأراضي والحدود طبع الاستعمار الاستيطاني الأبيض بعد ثلاثة قرون في كل من أمريكا الشمالية والجنوبية؛ سواء قبل استقلال المستوطنين الأوروبيين عن بلدانهم الأم أو بعده.

وفي الواقع، لا يدور تاريخ الولايات المتحدة وجغرافيتها -منذ الاستقلال وحتى اليوم- إلا حول التوسع الإقليمي وتغيير الحدود، وهي ممارسات جرى تبريرها تاريخيّاً بمبدأ تفوق العرق الأبيض والعقيدة المسيحية. وتأتي مساعي الرئيس دونالد ترامب الحالية لضم كندا وغرينلاند وفنزويلا استمراراً للنهج ذاته القائم على توسيع الأراضي والحدود الأمريكية. وقد شهدت مستعمرات استيطانية أخرى تاريخاً مشابهاً، وإن كان أقل صخباً.

أما إسرائيل، فقد كانت دائماً الأكثر صراحة في نهمها وجشعها التوسعي، مبررة ذلك بمبدأ التفوق العرقي لليهود الأوروبيين أولاً، ثم بتفوق العرق اليهودي عامة لاحقاً. فمنذ تأسيسها القائم على التطهير العرقي والإرهاب، رفضت المستعمرة الاستيطانية اليهودية الأوروبية الناشئة تحديد أي حدود رسمية لدولتها. ومع انطلاق الغزو الصهيوني لفلسطين في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، أصر زعيم المستوطنين اليهود ديفيد بن غوريون على أن المليشيات الصهيونية "لا ينبغي أن تتقيد بالحدود المحددة" في قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين -الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 بضغط من الولايات المتحدة، والذي منح المستوطنين اليهود (الذين كانوا يشكلون 30 في المئة من السكان) 55 في المئة من مساحة البلاد- بل أصر على وجوب تجاوزها، قائلا: "وعندما يحين وقت إعلان الاستقلال، لا ينبغي الإشارة إلى الحدود". حين أثار بنحاس روزن (الذي أصبح لاحقاً وزيراً للعدل في إسرائيل) المسألة القانونية المتعلقة بتحديد حدود الدولة الجديدة، كان رد بن غوريون: "عندما نعلن قيام الدولة، لسنا ملزمين بتحديد الحدود، ولا نحن ملزمون بالسعي للحصول على اعتراف دولي".

ولاستبعاد أي إشارة إلى الحدود في "إعلان قيام الدولة اليهودية" هندس بن غوريون عملية التصويت داخل لجنة "إدارة الشعب" الصهيونية (التي كانت تمثل حكومة انتقالية للمستوطنين مكونة من ثلاثة عشر عضواً)، حيث صوّت خمسة أعضاء ضد الأربعة الآخرين الذين حضروا الاجتماع لإسقاط أي ذكر للحدود في الإعلان الصادر في 14 أيار/مايو 1948. وعندما أُثيرت الاعتراضات، رد بن غوريون -مستلهماً السابقة الأمريكية- قائلاً: "هذا إعلان استقلال؛ فإعلان الاستقلال الأمريكي، على سبيل المثال، لا يتضمن أي ذكر لحدود إقليمية أو جغرافية". وبالطبع، كان بن غوريون محقاً، وكانت مقارنته في محلها تماماً.

وبعد فترة وجيزة من اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل في أيار/مايو 1949 -والذي اشترط التزامها بالحدود التي حددها قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والقرار رقم 194 الذي طالبها بالسماح للاجئين الفلسطينيين الذين طردتهم بالعودة إلى ديارهم- رفضت إسرائيل هذه الشروط بالكامل. بل ذهب رئيس وزرائها ديفيد بن غوريون إلى أبعد من ذلك؛ إذ أقدم في 5 كانون الأول/ديسمبر 1949 على ضم القدس الغربية -التي كان من المفترض أن تخضع لولاية الأمم المتحدة- 

من جانب واحد، معلناً تحلل إسرائيل من قرار التقسيم فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية التي احتلتها أو بمسألة سيطرة الأمم المتحدة على القدس الغربية. واعتبرت إسرائيل الأراضي التي انتزعتها من الدولة الفلسطينية المقترحة، وكذلك منطقة القدس الخاضعة للأمم المتحدة، جزءاً منها، وذلك رغم أن الوثيقة الدولية الوحيدة التي منحت إسرائيل أي شكل من أشكال الشرعية كانت "قرار التقسيم" -غير الملزم- الذي حدد حدودها.

ولهذا السبب، ورغم الضغوط الأمريكية المتزايدة، تمسكت بريطانيا بعدم الاعتراف بإسرائيل إلا بعد أن "تُحدد حدود الدولة بوضوح". وهنا، أثبتت الأيام صحة رؤية بن غوريون حين استشهد بالسوابق الأمريكية للمقارنة بينها وبين كيان المستوطنين اليهود الناشئ؛ فقد تصدى ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة للموقف، مجادلاً الجانب البريطاني بأنه عندما نالت بلاده استقلالها عام 1776، "لم تكن الأراضي قد استُكشفت بالكامل بعد، ولم يكن أحد يعلم أين تنتهي المطالبات الأمريكية وأين تبدأ مطالبات الدول الأوروبية".

وقد توسعت إسرائيل عدة مرات بعد ذلك؛ ففي الفترة ما بين عامي 1948 و1967، استولت على المنطقة منزوعة السلاح الواقعة على الحدود السورية وضمتها إليها. وفي عام 1956، تواطأت إسرائيل مع فرنسا وبريطانيا لغزو واحتلال قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية، ورفضت الانسحاب. وحين أصرت إدارة أيزنهاور على الانسحاب الإسرائيلي، صبّ بن غوريون جام غضبه، قائلاً: "حتى منتصف القرن السادس، ظل الاستقلال اليهودي قائماً في جزيرة "يوتفات" جنوب خليج إيلات، التي حررها الجيش الإسرائيلي بالأمس.. وتعتبر إسرائيل قطاع غزة جزءاً لا يتجزأ من الوطن. ولن تتمكن أي قوة -مهما كانت تسميتها- من إجبار إسرائيل على إخلاء سيناء. وهكذا تحققت نبوءة النبي إشعياء".

لكن بن غوريون كان مخطئاً هذه المرة؛ إذ أثار تعاون ربيبة واشنطن الصغرى مع بريطانيا وفرنسا غضب الإدارة الأمريكية، فعمدت إلى تعليق مساعداتها لإسرائيل، وشاركت السوفييت ضغوطهم في الأمم المتحدة لإجبار الكيان الاستيطاني على الانسحاب من الأراضي التي احتلها عام 1956. ورغم رضوخ الدولة الاستيطانية الناشئة، فإن انسحابها لم يكن إلا مؤقتاً؛ إذ عادت لتجتاح المنطقتين مجدداً في حرب عام 1967، بالتزامن مع احتلال الضفة الغربية بأكملها وهضبة الجولان، مضاعفةً بذلك مساحتها ثلاث مرات.

ولاحقا ضمت إسرائيل القدس الشرقية وهضبة الجولان رسمياً في عامي 1980 و1981 على التوالي، وباشرت بضم الضفة الغربية فعلياً منذ ذلك الحين. ورغم انسحابها اللاحق من سيناء، إلا أنها لم تسمح للمصريين بممارسة سيادة كاملة عليها حتى يومنا هذا، بينما واصلت احتلالها لقطاع غزة دون هوادة حتى شنت حرب الإبادة الجماعية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني في القطاع في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ولم تسلم الجبهة اللبنانية من هذا الجشع؛ إذ توغلت إسرائيل في لبنان عامي 1978 و1982 موسعةً رقعة سيطرتها، قبل أن تُرغم على الانسحاب عام 2000 بضربات المقاومة اللبنانية. ويتكرر المشهد اليوم، وتحديداً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024، باحتلالها نحو 2000 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية بمباركة ضمنية من حكومة بيروت المفروضة أمريكياً؛ وهي حكومة مطيعة كلياً للأوامر الغربية وتطالب بنزع سلاح المقاومة التي دحرت الاحتلال سابقاً. 
وينص الاتفاق الذي وقّعته هذه الحكومة مع إسرائيل الشهر الماضي على الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية -وهو اعتراف مفتوح بسيادة على أراض غير محددة قابلة للتوسع على حساب لبنان أو أي أراض تدعي إسرائيل أو قد تدعي ملكيتها مستقبلاً- دون أي تحفظات جغرافية أو تحديد واضح للحدود.

بالتوازي مع ذلك، احتلت إسرائيل مساحات شاسعة من الأراضي في جنوب وجنوب غرب سوريا منذ عام 2024، تجاوزت 600 كيلومتر مربع (تخضع حالياً لخطط عملية لإقامة مستوطنات يهودية عليها)، وذلك بموافقة ضمنية من النظام الذي خلف نظام الأسد في سوريا؛ إذ اكتفى هذا النظام بإطلاق دعوات خافتة لإسرائيل بالانسحاب، بينما ينخرط في الوقت ذاته بمفاوضات مباشرة مع دولة الإبادة الجماعية. وكان الرئيس السوري المنتشي بعشق ترامب قد أعلن هذا الأسبوع بأنه "ما دامت [إسرائيل] ترفض الانسحاب، فلماذا نُبرم اتفاقاً معها؟". 

من غير المعروف إن كان مطلبه يشمل المنطقة منزوعة السلاح التي ضمتها إسرائيل كشرط للتطبيع، أي أنه كباقي الدول العربية التي طبعت، يعلن استعداده للتطبيع بناء على حدود إسرائيل التي تشمل باقي الأراضي التي احتلتها وضمتها ما عدا الأراضي السورية.

تؤكد هذه الوقائع التاريخية أن ما يُطلب من الدول العربية والإسلامية الاعتراف به هو "إسرائيل" بكيان يتمدد ويهندس حدوده وفقاً لأطماع مستوطنيه؛ إذ أصبحت الأراضي التي رُسمت حدودها بموجب قرار التقسيم لعام 1947، والأراضي التي احتلتها إسرائيل بين 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 وكانون الثاني/يناير 1949 (حين وقعت اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية المجاورة)، وضم القدس الغربية في كانون الأول/ديسمبر 1949، كلها أراض وحدود غير قابلة للتفاوض، وكذلك الحال بالنسبة للمنطقة منزوعة السلاح مع سوريا التي احتلتها إسرائيل في مخالفة للقانون الدولي.

وإذا كانت إسرائيل قد تظاهرت لعقود بأن حدود ما بعد عام 1967 قابلة للتفاوض، فإن ضمها للقدس الشرقية وهضبة الجولان أخرج تلك المناطق من دائرة التفاوض. كما أن إصرار القادة الإسرائيليين، على مدى العقدين الماضيين، على عدم التخلي عن الضفة الغربية قد أخرجها هي الأخرى من فئة الأراضي والحدود القابلة للتفاوض.

واليوم، يُثار التساؤل الملحّ في ظل المفاوضات الهزلية التي تجريها إسرائيل مع لبنان الواقع تحت المطرقة الدبلوماسية الأمريكية: هل الألفا كيلومتر مربع المحتلة في لبنان، أو الستمئة كيلومتر مربع المقتطعة من سوريا منذ عام 2024، قابلة للاستعادة حقاً؟ لا سيما وأن إنهاء هذا الاحتلال (إن تم أصلاً) بات مرهوناً بشرط تعجيزي صاغته واشنطن وتتبناه الحكومة اللبنانية الحالية، وهو قيام الدولة اللبنانية بتصفية وتفكيك حركة المقاومة الوطنية.

عندما وقّع الرئيس المصري أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في آذار/مارس 1979، اعترف نظامه بحدود إسرائيل الموسعة لما بعد عام 1967 باستثناء سيناء؛ إذ أقرت المعاهدة بأن الحدود الدولية القائمة بين إسرائيل ومصر هي حدود عام 1906 الفاصلة بين مصر وفلسطين العثمانية، وذلك "دون المساس بمسألة وضع قطاع غزة". 
وظل هذا الحال قائماً على الرغم من أن الوضع القانوني والدولي للقطاع كان آنذاك -ولا يزال حتى اليوم- يُصنّف كأرض خاضعة لاحتلال عسكري غير قانوني.

وفي عام 1994، حذا الأردن حذو مصر في معاهدة السلام المبرمة مع إسرائيل، حيث اعترف بحدودها الدولية باعتبارها تلك المحددة في "مذكرة شرق الأردن" البريطانية لعام 1922؛ وهي المذكرة التي رسمت الحدود بين فلسطين وشرق الأردن الخاضعين للانتداب البريطاني، لتصبح بموجب المعاهدة "الحدود الدولية الدائمة والآمنة والمعترف بها بين إسرائيل والأردن، دون المساس بوضع أي أراضٍ خضعت لسيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967". 

وفي الجوهر، اعترفت كل من مصر والأردن بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي التي خصصها قرار التقسيم لعام 1947 لتكون جزءاً من الدولة الفلسطينية، فضلاً عن الضم الإسرائيلي غير القانوني للقدس الغربية عام 1949. 
ومما لا شك فيه أن عدم إشارة أي من البلدين إلى المنطقة منزوعة السلاح المحتلة على الحدود السورية -ناهيك عن هضبة الجولان (التي كانت إسرائيل قد ضمتها رسمياً قبل توقيع الأردن معاهدته بعقد ونصف)- كان بمثابة تسليم واعتراف ضمني بضم تلك المناطق.

أما في حالة منظمة التحرير الفلسطينية، فلم تتضمن اتفاقية أوسلو مع إسرائيل اعترافاً بأي حدود محددة -رغم اعتراف المنظمة بما سُمي "حق إسرائيل في الوجود في سلام وأمن"- إذ أُرجئت مسألة الحدود إلى ما كان يُعرف آنذاك بـ"مفاوضات الوضع الدائم"، وهي مفاوضات لم ترَ النور قط. 
ومع ذلك، يظل من المريب والمبهم تحديد أي حدود لإسرائيل تلك التي اعترفت بها المنظمة كنطاق جغرافي تتمتع فيه إسرائيل بـ"حق الوجود".

وعلى النقيض من مصر والأردن اللتين أشارتا في معاهدتيهما إلى الحدود، تمكنت كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان من تجنب مسألة الحدود كلياً عند توقيع "اتفاقيات أبراهام" لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في عامي 2020 و2021، نظراً لعدم وجود حدود مشتركة بين أي منها وإسرائيل.

يتعين اليوم على الدول العربية وتلك ذات الأغلبية المسلمة أن تدرك بوضوح أن قرارها بالاعتراف بـ "إسرائيل" -بصفتها كياناً استيطانياً استعمارياً يمارس الإبادة الجماعية- إنما يمثل مكافأةً لهذا الكيان على جرائم الإبادة التي يواصل ارتكابها بحق الفلسطينيين، وذلك بمنحه المزيد من الأراضي العربية المسلوبة. ففي عام 2025، أفصح بنيامين نتنياهو بوضوح عن أطماع نظامه والمستوطنين اليهود في أراضي دول الجوار -الأردن ومصر والعراق والسعودية، فضلاً عن سوريا ولبنان- وهي رؤية قوبلت بإدانة من تلك الدول العربية والإسلامية ذاتها التي تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً عليها لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" مكافأةً لها على حرب الإبادة المستمرة.

ونظراً لأن كافة عمليات التوسع الإقليمي التي نفذتها "إسرائيل" والحدود الجديدة التي رسمتها -باستثناء سيناء- قد أصبحت أمراً واقعاً لا رجعة فيه بمرور الوقت (رغم دعوة أحد وزراء حكومة نتنياهو في عام 2024 إلى إعادة احتلال سيناء)، فإن هذه الأراضي الجديدة ستصبح هي الأخرى قريباً جزءاً دائماً من "إسرائيل". وفي ضوء هذا السجل التوسعي المفتوح، يبرز تساؤل يفرض نفسه: كم دولة ستتبقى في هذه المنطقة لتمنح اعترافها بـ"إسرائيل"، بعد أن تفرغ الأخيرة من التهام أراضي تلك الدول ذاتها وضمها إلى حدودها التي لا تكف عن التمدد والاتساع؟

____________________________
* العربي21
** أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث بجامعة كولومبيا في نيويورك

مقالات

السعودية بين هاجس النفوذ وهاجس الأمن في اليمن

تبدو السعودية اليوم أمام واحدة من أكثر المعضلات الاستراتيجية تعقيدًا في تاريخ علاقتها باليمن؛ معضلة لم تنشأ بفعل صعود الحوثيين وحده، بل بفعل التناقض المتزايد بين هدفين سعت الرياض إلى تحقيقهما على مدى عقود: الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي في اليمن، وضمان أمنها الوطني في مواجهة أي تهديد قادم من الجنوب.

مقالات

عندما يتغير الهدف.. لماذا أصبح مضيق هرمز مركز ثقل الصراع؟

عندما وُقعت مذكرة التفاهم، تركزت النقاشات الدائرة حول الصراع، على برنامج إيران النووي؛ وتمحورت الجهود الدبلوماسية حول مستويات التخصيب، وعمليات التفتيش، وتخفيف العقوبات، ومدى قبول طهران بفرض قيود جديدة على برنامجها.

مقالات

لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟

منذ سنوات تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟ ولماذا تبدو الجبهات وكأنها تدور في حلقة مفرغة، فلا سلام يتحقق ولا معركة فاصلة تقع؟ تذهب أغلب التفسيرات إلى أن السبب يكمن في ارتهان القرار السيادي للخارج، أو في اختلال موازين القوة العسكرية، أو في الحسابات الإقليمية والدولية. ولا شك أن هذه العوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر المشهد كله.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.