رأي

الحرب كما يراها البردوني

الحرب كما يراها البردوني

في كتابه «الثقافة والثورة»، يستوقفنا عبدالله البردوني، ذلك البصير الذي يرى بعمق التاريخ ما نراه نحن اليوم في جحيم الحرب مع الجائحة الحوثية عند حقيقة سياسية بالغة الأهمية، تتجلى بوضوح في تجربتنا الراهنة بعد ظهور المشروع الحوثي المعادي لثقافة التعددية الحزبية والمواطنة المتساوية.

يشير البردوني إلى أن الصراعات الحزبية، بما فيها الصراعات الدموية، تظل أقصر أمداً وأكثر قابلية للتسوية من الصراعات السلالية الطائفية. ويستشهد بتقاتل الأحزاب في عدن عام 1966، وفي صنعاء عام 1968، موضحاً أن تلك المواجهات كانت أقصر زمناً من الحروب العشائرية والطائفية.

ويعزو البردوني ذلك إلى إدراك التنظيمات السياسية حقيقتين من بديهيات علم السياسة: الأولى أن السياسة فن الممكن، والثانية أنه لا مستحيل في السياسة. ولذلك تستطيع الأحزاب مراجعة مواقفها، وتعديل تحالفاتها، وقبول التنازلات، والتخلي عن التفرد بالسلطة، حتى عندما تمتلك القوة التي تمكنها من الاستمرار في الصراع.

ويستحضر البردوني أيضاً أحداث يناير 1986 في عدن، التي انتهت مواجهاتها المسلحة خلال اثني عشر يوماً، ويربط ذلك بقدرة الحزب الاشتراكي على حسم الصراع وتأكيد حضوره السياسي، رغم ما تأثر به من نزعات قروية.

أما الفارق الجوهري بين طبيعة الحروب الحزبية والحروب الطائفية، فيرده البردوني إلى طبيعة الغاية التي يحملها كل طرف. فالحزب يتشكل حول قاعدة سياسية واضحة الغاية؛ يستطيع مواصلة السير نحوها، أو التوقف، أو التراجع خطوتين ليتقدم ثلاثاً، أو تغيير الطريق متى اقتضت المصلحة ذلك. فالسياسة تقبل التعرجات والالتواءات، لأن طريق الأحزاب في أقدامها لا على الأرض.

أما الطائفة، فيرى البردوني أنها قد تدخل الصراع دون غاية سياسية محددة وقابلة للتفاوض، فتظل الحرب مفتوحة على احتمالات ممتدة، خصوصاً عندما تتداخل العقيدة المذهبية مع ادعاء الحق الحصري في الحكم.
وهنا تكمن أهمية استعادة هذه الرؤية البصيرة لفهم ما يجري في اليمن اليوم.

فالحروب السياسية، مهما بلغت حدتها ودمويتها، تظل في جوهرها صراعاً على السلطة وإدارة الدولة وتوزيع النفوذ. أما الحروب التي تخوضها الإمامة تاريخياً، ويعيد المشروع الحوثي إنتاج منطقها اليوم، فتحمل قضية مختلفة تماماً: من يمتلك الحق في الحكم؟ ومن يملك حق السيادة؟ ومن الذي يُفترض أن يحكم، ومن الذي كُتب عليه أن يظل تابعاً؟
ومن يريد أن يستوعب هذه الرؤية البردونية عليه أن يتذكر فقط كيف انتهت معركة  اليمنيين مع نظام علي عبدالله صالح بتكلفة سهلة رغم امتلاك صالح  لكل أدوات القوة التي لا يملتكها الحوثيون باستثناء عقيدة الحق الإلهي، ومع ذلك كان على صالح  لكي ينتقم  أن يستعين بجماعة الحق الإلهي. 

لهذا ينبغي أن نفهم الفرق بين حروب اليمنيين السياسية، وبين صراعاتهم التاريخية مع الإمامة، وبين الحرب الراهنة مع المشروع الحوثي. فالتجربة الجمهورية شهدت صراعات حزبية ومناطقية وقبلية دامية، ولها أسبابها ومسؤولياتها وتاريخها، لكن طبيعة الصراع على الدولة تظل مختلفة عن الصراع الذي يستند إلى ادعاء حق إلهي موروث في امتلاكها.
إن استدعاء الحروب السابقة لتسوية جميع الصراعات في طبيعة واحدة يحجب عنا فهم جذور الأزمة الراهنة، ويجعلنا عاجزين عن إدراك طبيعة المشروع الذي نواجهه. 
رحم الله البردوني؛ فقد ترك لنا في قراءته للتاريخ مفاتيح لفهم حاضرنا، وكأنه كان يرى بعين بصيرته بعضاً مما نراه اليوم بأعيننا.

نقلا عن صفحة الكاتب في الفيسبوك 

رأي

‏عليكم القرآن وعلينا التفسير

المسيرة القرآنية بلا قرآن ليست اختراعاً حوثيّاً، لكنه الابتكار الأكثر وحشية في العالم، فليس هناك في تاريخ الجماعات والتنظيمات كياناً بالغ التوحش ضد "الدين" كما هو مع الحوثي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.