مقالات

الشراكة على المحك.. الانتقالي من شريك ملزَم إلى مشكلة شرعية

11/09/2025, 09:19:12

يُظهر التصعيد الأحادي الذي أقدم عليه المجلس الانتقالي الجنوبي – بيانات تعبوية وتعيينات خارج إطار مجلس القيادة – تحوّلًا من منطق الشراكة المشروطة إلى سياسات الأمر الواقع.

هذه الخطوة لا تُقرأ تكتيكًا تفاوضيًا فحسب، بل نسفًا لبنية التوافق التي أنتجها اتفاق الرياض، ومخالفة لإعلان نقل السلطة، وإضعافًا متعمدًا لمرجعية “الشرعية” بوصفها الإطار الوحيد الذي يملك اعترافًا دوليًا وغطاءً إقليميًا لإدارة المرحلة.

وبذلك، يستهدف التصعيد ركيزتين في آن: الشرعية التي تملك اعترافًا ودعمًا، والتحالف الذي هندس الشراكة بالصيغة الموجودة اليوم.

اختار الانتقالي تعزيز النفوذ المؤسسي عبر قرارات أحادية ورسائل تعبئة شعبية، مستندًا إلى حجة “تعثّر تنفيذ اتفاق الرياض” و”تأجيل الملف الجنوبي”.

غير أن هذا التموضع يخلق معادلة خاسرة: إما توكيل كامل يفضي إلى احتكار التمثيل، أو تفكك لمسار الشراكة.

والنتيجة المباشرة هي إحراج الداعمين الإقليميين، وفتح ثغرة لسردية خصوم الشرعية – وفي مقدمتهم الحوثيون – عن تفكك معسكر الدولة وتهافت مظلتها.

من زاوية المشروعية، تبدو القرارات باطلة من حيث الأساس الدستوري، فالدستور اليمني وأي تفويض قانوني نافذ لا يمنح المجلس الانتقالي صفة “ممثل لمحافظات الجنوب والشرق”، ولا يعطيه حتى صلاحية الإسناد الوظيفي في أجهزة الدولة.

التمثيل الشعبي يُكتسب عبر صناديق الاقتراع أو تفويض دستوري واضح، لا عبر الغلبة الأمنية. وعليه، فالقفز فوق مرجعية القانون يرقى إلى التفاف على الإرادة العامة في اليمن، والجنوب بشكل خاص، بالتالي نحن أمام إعادة إنتاج لمنطق الانقلاب الذي يُفترض أن الدولة والتحالف يناهضانه.

لماذا إذن اتُّخذ هذا الخيار الآن؟ حسابات اللحظة تقترح ثلاثة دوافع متداخلة: إما رغبة في تحصين أوراق التفاوض قبل أي اختراق محتمل في مسار السلام مع الحوثي قد يُهمّش تعريف القضية الجنوبية؛ أو سعيٌ إلى تثبيت تمكين داخلي يسبق أي دمج أمني أو إصلاح مؤسسي قد يقصّ الأجنحة؛ أو استثمارٌ رمزي تعبوي لـ(مواسم أكتوبر/نوفمبر) يمنح غطاءً جماهيريًا للتحوّل من شريك إلى صاحب قرار.

لكن هذه الدوافع – وإن بدت مفهومة سياسيًا – تخطئ تقدير الكلفة الاستراتيجية؛ وتدفع بالمجلس الانتقالي إلى مقامرة في لحظة حرجة وسياق إقليمي معقّد، بما يستوجب تحجيمه إقليميًا لا مكافأته، وتحويل وضعه من شريك في الشرعية إلى ملفٍّ قانوني–سياسي يتطلّب معالجة.

إن اختبار قدرة الحكومة على الرد في جغرافيا يهيمن الانتقالي على أمنها لا يعني قبولًا بالأمر الواقع؛ بل يراكم فاتورة ثقة على صاحب التصعيد، ترددٌ إقليمي، تزايد التحفّظ الدولي، وتآكل قدرة الحلفاء على تسويق القضية الجنوبية بوصفها جزءًا من حلّ دستوري لا قطيعة معه.

المخرج السياسي يكمن في إعادة الشراكة إلى عقد واضح: التزاماتٌ محددة زمنيًا وقابلة للقياس في الخدمات والتمثيل والإدارة، تحت سقف اتفاق الرياض وآلياته الضامنة.

عندها فقط يتحول الضغط المشروع إلى رافعة إصلاح داخل الشرعية، لا إلى معولٍ يهدم مظلتها ويُهدي الحوثي مكسبًا مجانيًا في لحظة إقليمية دقيقة.

الخلاصة: ما يبدو مكسبًا سريعًا قد يكون فخًا استراتيجيًا بعائد عكسي — محليًا وإقليميًا. الحصافة السياسية تقتضي العودة إلى المرجعيات الحاكمة للبلد، وترسيم الخلاف في أروقة الشراكة لا على هوامشها، وتثبيت الحقوق بآليات محاسبة لا بقرارات أحادية.

القضية الجنوبية لا تُعالج بهدم السقف الذي يظلّلها. أصلح الشرعية ومنظومتها، وكافح الفساد، وإلا فأنت تمنح الحوثي ما لم يأخذه بالحرب: شرعية مثقوبة وخصمًا ممزقًا.

مقالات

المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم!

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع بشري – القدرة على جمع ما فرّقته السياسة، والحدود، والحروب، والأسواق.

مقالات

استعادة المناعة الوطنية.. كيف يمكن إعادة بناء التربية والمجتمع بعد سنوات التعبئة؟ (4-5)

إذا كانت الحلقات السابقة قد سعت إلى تفكيك الآليات التي أُعيد من خلالها توظيف المدرسة والمعلم والمناهج والرموز الثقافية في خدمة مشروع تعبوي ذي طبيعة أيديولوجية، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بفهم ما جرى، بل بكيفية التعامل مع نتائجه.

مقالات

أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

مقالات

سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة

بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.