مقالات

الشرعية بين الاستمرار والسقوط

06/06/2026, 20:58:04

بعد عشر سنوات من الأزمة والحرب، لم تعد الشرعية في اليمن حقيقة سياسية وقانونية مستقرة، بل أصبحت سؤالاً مفتوحاً على الفهم والمراجعة وإعادة التعريف.
فالشرعية التي دخلت الحرب باعتبارها مرجعية سياسية وقانونية واضحة، لم تعد كما كانت، بل تبدلت وظائفها وتغيرت صورتها، وأصبحت بحاجة إلى إعادة فحص وتعريف قبل الدفاع عنها أو معارضتها.

وهنا يمكن صياغة السؤال التأسيسي على النحو التالي:
هل ما تزال الشرعية في اليمن سلطة سيادية مكتملة، أم صارت إلى حكومة منفى، أم صيغة ثالثة هجينة قائمة على الاعتراف الخارجي ومجتزأة الحضور الداخلي وغير مكتملة السيادة، وكيف يمكن فهم مسارها وإلى أين تتجه؟

تبدو الشرعية في الحالة الراهنة أقرب إلى الصيغة الثالثة، لا بوصفها صيغة مُكتملة ومُحكمة ومستقرة، بل باعتبارها نتاجاً لمسار تراكمي أنتجه الصراع أكثر مما أنتجته النصوص الدستورية.
فهي لم تعد سلطة سيادية مكتملة تنتج القرار من داخلها، ولا هي حكومة منفى بالمعنى الكلاسيكي، إذ لم تنقطع تماماً عن الداخل ولم تفقد أثرها فيه. لكنها في الوقت ذاته لم تعد قادرة على تجسيد نفسها كسلطة موحدة تحتكر القرار وتمارس وظائف الدولة بصورة كاملة.
وهكذا نشأت حالة هجينة: شرعية قائمة على اعتراف خارجي يمنحها الاستمرار، مقابل حضور داخلي مجتزأ تتقاسمه سلطات متعددة وسلطات أمر واقع تتوسع مع الزمن.

غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في هذا الوضع بحد ذاته، بل في قابليته للتحول من حالة استثنائية إلى بنية مستقرة. فمع امتداد الزمن، تتآكل الحدود بين الاستثناء والقاعدة، ويتحول البقاء نفسه إلى معيار للشرعية، بدلاً من الفعل السياسي الذي يُفترض أن يمنحها معناها.

ومع هذا المسار يتراجع مفهوم الشرعية بوصفها مركزاً سيادياً جامعاً، لصالح تعدد مراكز الفعل على الأرض، حيث تنشأ سلطات مختلفة تمارس الحكم فعلياً، وتستمد مشروعيتها من السيطرة لا من النص الدستوري المؤسس.
وفي هذه اللحظة تتحول الشرعية من مصدر للسلطة إلى غطاء لها، ومن أصل للحكم إلى إطار يجاوره لا يهيمن عليه، وتتحول الدولة إلى مظلة لتوازنات معقدة تنال من وحدتها ووظيفتها السيادية، بدلاً من أن تكون مركزاً لسلطة واحدة جامعة.
ومع مرور الوقت لا يعود السؤال: من يمثل الشرعية؟
بل: أين تتمثل الشرعية فعلياً؟ في نصوص لم تعد تحتكم إليها، أم في واقع لم تعد تديره؟ في الاعتراف الدولي أم في السيطرة على الأرض؟ في المركز أم في الأطراف
وفي هذا الانزياح يبدأ تفكك المفهوم من داخله، إذ تفقد الشرعية قدرتها على تعريف نفسها قبل أن تفقد قدرتها على ممارسة السلطة.

وفي هذا السياق، لا يكون المستقبل استمراراً بسيطاً للوضع القائم، بل اتجاهاً نحو إعادة تشكيل مراكز القوة الفعلية على الأرض، بالتوازي مع تآكل مركز الشرعية بوصفها مرجعية جامعة.
وتُعدّ هذه النتيجة امتداداً منطقياً لهذا التكوين الهجين، الذي يتراجع فيه مركز القرار داخل الشرعية المركزية، لصالح سلطات أمر واقع تفرض حضورها الفعلي على الأرض.
فكلما ضعفت قدرة الشرعية على إنتاج قرار موحد ونافذ، وكلما ازداد اعتمادها على الخارج لضمان استمرارها، تقلص دورها كمرجعية عليا، لصالح مراكز فعل تتشكل من الواقع ذاته وتكتسب شرعيتها من السيطرة لا من التفويض.

ومع الوقت، لا يعود الخارج مجرد داعم، بل يصبح جزءاً من تعريف الشرعية واستمرارها، ومصدر قرارها، وتتحول هي إلى إطار رمزي أكثر منها سلطة فعلية.

وإذا استمر هذا المسار دون إعادة إنتاج حقيقية لمعنى الشرعية ووظيفتها، فإن النهاية لن تكون انهياراً مفاجئاً، بل تفريغاً تدريجياً لمضمونها السيادي، بحيث تبقى قائمة في الخطاب والاعتراف، لكنها تفقد قدرتها على احتكار القرار أو توجيه الواقع، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً.

وقد بدأ هذا التفريغ عملياً مع الانقلاب على الدولة لصالح المليشيا في أغسطس 2019، حين أُعيدت صياغة موازين القوة على الأرض خارج الإطار المفترض للشرعية، ولم يعد ذلك الحدث مجرد تطور سياسي عابر، بل لحظة تأسيس لمسار جديد أعاد تشكيل العلاقة بين الشرعية وسلطات الأمر الواقع على نحوٍ قاد إلى تفريغ الشرعية من مضمونها وتحويلها تدريجياً إلى هيكل قائم في المبنى، فارغ في المعنى.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد التحولات اللاحقة سوى امتداد لهذا الانكسار الأول، حيث جرى تثبيت وقائع سياسية وميدانية متتابعة، جعلت من الاستثناء قاعدة، ومن إعادة الترتيب واقعاً مستمراً، حتى أصبح التباعد بين الشرعية ومجالها السيادي جزءاً من البنية لا مجرد طارئ عليها.
وهكذا، فإن ما امتد لعشر سنوات، وربما يُراد له أن يمتد لسنوات أخرى، قد ينتهي إلى لحظة يصبح فيها الاعتراف الدولي أقرب إلى التماهي مع سلطات الأمر الواقع، لا بوصفها بديلاً معلناً، بل بوصفها واقعاً مستقراً فرض نفسه عبر الزمن.
‎وربما يكون هذا، في جوهره، هو الاتجاه الذي يُراد لهذا الوضع أن يستقر إليه. فالمحصلة النهائية لهذا المسار تتمثل في تشكل مراكز قوة متعددة على الأرض، تتداخل فيها الاعتبارات المحلية والإقليمية، من المخاء إلى عدن، ثم إلى حضرموت والمهرة ومأرب وتعز، بما يعكس إعادة توزيع للنفوذ داخل الإطار الرمزي الجامع للشرعية، لا بوصفه إطاراً موحداً للسلطة، بل كوعاء يتسع لتعدد مراكز القوة دون أن يدمجها في سلطة سيادية واحدة.

وفي المقابل، يظل الطرف الحوثي مركز قوة مستقراً بذاته، ومقابلاً لهذا التعدد الذي يشترك معه، وإن اختلفت أدواته، في تقويض الشرعية وتفريغها من مضمونها السيادي، فالفرق أن الحوثي انقلب عليها من خارجها، بينما هنا جرى تفكيكها من داخلها. وهكذا يكتمل مشهد سياسي غير متجانس، تتراجع فيه الشرعية إلى موقع “الظل الرمزي” الذي يمنح غطاءً شكلياً للتعدد، دون أن يملك القدرة على تحويله إلى وحدة سياسية أو سيادية فعلية

وكل هذا يجري أمام أعيننا، وما نقوم به هنا ليس إلا تشخيصاً لمرض قائم فعلاً في بنية الواقع السياسي. أما المعنيون بالأمر، فهم نخبة استهلكتها السياسة في هذا المسار الخاطئ، حتى فقدت قدرتها على الفعل والمبادرة ، وأختارت أن تمارس السلطة بالوكالة لا بالأصالة، وأن تبقى داخل دائرة التمثيل الشكلي أكثر من انخراطها في فعل المسؤولية.

وهذا النمط لم يعد حالة محلية معزولة، بل يمكن تتبع مآلاته في تجارب دول مثل: الصومال، ليبيا، السودان، أفغانستان.

وفي النهاية، فإن مسؤولية هذا الوضع لا يمكن أن تُترك في العموميات، بل تقع على البنية السياسية القائمة، وفي القلب منها مجلس القيادة بأشخاصه الثمانية، بوصفه الإطار التنفيذي الأعلى المعترف به دولياً، بما يترتب على ذلك من مسؤولية سياسية وتاريخية وأخلاقية عن المآلات التي تُدفع إليها الشرعية والدولة، وعن أي مساس قد يطال الكيان القانوني للجمهورية اليمنية نتيجة استمرار هذا المسار.

مقالات

حين يتحول النقد السياسي إلى تنمر جماعي

في العادة لا أشارك في المواضيع التي تشتعل بها مواقع التواصل، ولا أجد نفسي معنيًا بالركض خلف الترندات اليومية، ليس تجاهلًا لها، بل لأن ضجيج الحشود غالبًا ما يطغى على الجوانب الأكثر أهمية فيها.

مقالات

كيف استفادت إيران من حرب ترامب عليها؟

في عملية "الأسد الغاضب" التي اختارها ترامب تسميةً لحربه على إيران، وهي تسمية منتفخة تحيلنا إلى رئيس أقرب إلى قائد لصوص منه إلى قائد أعلى للولايات المتحدة الأمريكية، حسب وصف الكاتب الأمريكي الأشهر توماس فريدمان في آخر مقال له، أفلح ترامب في فعل أشياء كثيرة، كلها لصالح النظام الإيراني، لم يكن يحلم بها حتى المفرطون منهم في الخيال والتفاؤل.

مقالات

المصالحة وتأسيس الدولة والعقد الوطني

لا تكاد تمر فترة في اليمن إلا وتتجدد الدعوات إلى المصالحة الوطنية بوصفها مخرجًا ممكنًا من الحرب والانقسام. غير أن المتأمل في مسار السنوات الماضية يلاحظ أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويلها إلى مشروع وطني جامع.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.