مقالات

الشرعية: صراع على الهامش

07/04/2026, 06:12:04

* غرب تعز يكشف كيف تبددت أولويات الشرعية، وكيف صارت المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين ساحة مفتوحة للنفوذ والارتهان وتنازع القوى.

تبدو الشرعية اليمنية اليوم بعيدة عن قلب المعركة التي يفترض أن تخوضها. فبدلًا من أن توجّه طاقتها إلى استعادة الدولة، وترميم المؤسسات، وتوحيد الجبهة المناهضة للانقلاب، انزلقت إلى صراعات جانبية على النفوذ والمواقع، وتوزعت قواها بين ولاءات متنافسة، وتشكيلات مسلحة متجاورة، ورعاة خارجيين يضبطون الإيقاع ويحددون حدود الحركة. وعلى امتداد هذا المشهد، تتآكل فكرة الدولة تدريجيًا، ويتحول ما تبقى من الجغرافيا الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وإعادة توزيع القوة، وإدارة المجتمعات المحلية بأدوات الغلبة.

 

ويتجسد هذا الانزلاق بوضوح في غرب تعز، حيث لا يظهر المأزق بوصفه خللًا محليًا عابرًا، وإنما بوصفه صورة مكثفة لأزمة الشرعية نفسها. هناك تتجاور التشكيلات المسلحة، وتتنازع الولاءات، وتتعاقب المظلات الإقليمية، فيما تتراجع الدولة إلى خلفية بعيدة. القوات المتمركزة في تلك المديريات لم تتخلق من سياق وطني متماسك، ولم تتأسس على تصور جامع لمعركة استعادة الدولة. نشأ معظمها في ظل عمليات وأطماع خارجية قادتها الإمارات، داخل هندسة أمنية وعسكرية ارتبطت بحسابات النفوذ أكثر مما ارتبطت بحاجة اليمن إلى مؤسسة وطنية موحدة. ولهذا بدت، منذ البداية، أقرب إلى مليشيات وظيفية جرى إعدادها لخدمة أدوار محددة، ضمن ترتيبات تتجاوز تعز نفسها، بل وتتجاوز اليمن في بعض أبعادها.

 

وحين تراجع الحضور الإماراتي المباشر، ظهر الأثر سريعًا في عمق هذه القوى. تراجع التمويل والدعم غيّر بيئة الحركة، وكشف هشاشة البنية، وفتح الباب أمام إعادة اصطفاف مرتبكة. المجلس الانتقالي تلقى ضربة أوضح، وخصوصًا جناحه المرتبط بعيدروس الزبيدي، فيما اتجه المحرمي وطارق صالح إلى التموضع داخل المسرح السعودي، في محاولة للتكيف مع التحول الجديد في خرائط الرعاية والدعم. غير أن هذا التموضع لم يخلق استقرارًا سياسيًا، ولم يفتح طريقًا نحو مراجعة وطنية تعيد تعريف الدور والوجهة. الذي حدث أقرب إلى انتقال اضطراري من مظلة إلى أخرى، فرضته الحاجة، وحكمته مقتضيات البقاء، من دون أن يلامس جوهر الأزمة أو يبدل طبيعة التكوين.

 

لهذا بقيت الولاءات رخوة، قابلة للاهتزاز مع أي تغير إقليمي جديد. القوى التي تنشأ في كنف الرعاة، وتتوسع داخل حدود مصالحهم، تعجز عن إنتاج ثبات وطني حقيقي. علاقتها بالراعي تسبق علاقتها بالدولة، وحساباتها تتشكل وفق اتجاهات الدعم قبل أن تتشكل وفق احتياجات المجتمع أو متطلبات المعركة الكبرى. ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثير من الارتباك الذي يحكم المشهد في غرب تعز وفي غيرها من المناطق الواقعة خارج سيطرة الحوثيين. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تنافس محلي بين تشكيلات متجاورة، وإنما ببنية أوسع من الارتهان والتفكك، تجعل أي تبدل خارجي كفيلًا بإعادة خلط الأوراق من جديد.

 

وفي قلب هذا المشهد يقف مجلس القيادة الرئاسي عاجزًا عن إنتاج مركز سياسي وعسكري واضح. كان يفترض بهذا المجلس أن يشكل نقطة تجميع للقوى المناهضة للحوثي، وأن يقود عملية إعادة بناء للمؤسسة العسكرية والأمنية، وأن يفرض أولويات المعركة على القوى المتناثرة تحت مظلة الشرعية. الذي جرى سار في اتجاه مختلف. المجلس تحول إلى سقف هش لتعايش التناقضات، ومساحة لتجميد الخلافات لا لحسمها، وإطار يتسع للمشاريع المتنافرة من دون أن ينجح في صهرها داخل مشروع وطني جامع. ومع الوقت، بدا أكثر ميلًا إلى إدارة العجز من مواجهته، وأكثر استعدادًا للتكيف مع موازين القوى القائمة من السعي إلى تغييرها.

 

هذا الضعف لم يبقَ محصورًا في الأداء السياسي، بل امتد إلى المعنى نفسه. الشرعية فقدت كثيرًا من مضمونها حين تحولت، في نظر قطاع واسع من اليمنيين، إلى عنوان فارغ من الفعل. الاسم ما يزال قائمًا، لكن الأثر على الأرض يتراجع، والثقة تتآكل، والمسافة تكبر بين الخطاب الرسمي وبين حياة الناس اليومية. الداخل يواجه الغلاء، وانهيار الخدمات، وتفكك المؤسسات، وسلطة السلاح، فيما تقيم الطبقة السياسية في الخارج، وتطل على البلاد من مسافة آمنة، وتدير الشأن العام ببطء لا يوازي حجم الانهيار، ولا يستجيب لسرعة التحولات من حولها.

 

ومن هذه الزاوية تبدو الإقامة الطويلة خارج البلاد أكثر من مجرد خلل في أسلوب الإدارة. إنها تعبير عن انفصال متزايد بين السلطة والمجتمع، بين من يحملون اسم الدولة وبين الناس الذين ينتظرون حضورها في أبسط صورها: أمنًا، وخدمة، ورواتب، وقضاء، وإدارة، وقدرة على ضبط المجال العام. هذا الغياب أفسح المجال أمام التشكيلات المسلحة لكي تملأ الفراغ بطريقتها، وأمام الزعامات المحلية لكي تتصرف باعتبارها مراكز قوة مستقلة، وأمام الرعاة الخارجيين لكي يوسعوا حضورهم في القرار وفي تشكيل التوازنات.

 

في هذا المناخ، لم تعد المديريات الخارجة عن سيطرة الحوثيين تقدم نموذجًا مختلفًا أو جاذبًا. كثير منها يعيش اليوم تحت سلطة مركبة من السلاح والوساطة والجباية وشبكات الولاء. الإدارة المحلية تختلط فيها الخدمة بالمصلحة، والأمن بالنفوذ، والوظيفة العامة بحسابات القوة. وكان يفترض بهذه المناطق أن تكون البرهان العملي على معنى الدولة التي تقول الشرعية إنها تمثلها، لكن صورتها الراهنة تمضي في اتجاه آخر، وتكشف عجزًا عميقًا عن إنتاج فارق ملموس بين خطاب الدولة وواقع السيطرة المسلحة.

 

وسط هذا التشتت تجد المليشيا الحوثية مجالًا أوسع للحركة. خصومها موزعون بين صراعات الهامش، ومنشغلون بإدارة معاركهم الصغيرة وشؤون مناطقهم، وعاجزون عن تشكيل ضغط متماسك يربك حساباتها أو يرفع عليها الكلفة. وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات المشهد قسوة: فالمليشيا الحوثية تجني جزءًا مهمًا من مكاسبها من ضعف خصومها، ومن عجزهم عن توحيد الأولويات، ومن استهلاك طاقتهم في نزاعات جانبية تبقي المعركة الكبرى مؤجلة. هذا الواقع يمنح الحوثيين وقتًا إضافيًا، ويمنحهم أيضًا شعورًا مستمرًا بأن الجبهة المقابلة لم تحسم بعد علاقتها بنفسها، ولا بالدولة، ولا بالخارج.

 

العالم من حول اليمن يتغير بسرعة. التحالفات يعاد ترتيبها، والساحات الإقليمية تدخل طورًا جديدًا من المساومات والاشتباكات، وموازين النفوذ تتحرك باستمرار. ومع ذلك ما تزال الشرعية تتعامل مع هذه اللحظة بأدوات بطيئة، ورؤية مرتبكة، وحسابات قصيرة النفس. لم تلتقط الفرصة، ولم تعِد بناء خطابها، ولم تجمع قواها على هدف واضح، ولم تقدم للناس سردية مقنعة عن استعادة الدولة وكيفية الوصول إليها. وفي غياب هذا الأفق، تتقدم المشاريع الصغيرة، ويكبر تجار الحرب، وتتحول القضية الوطنية إلى مادة قابلة للتجزئة والتفاوض والتأجيل.

 

غرب تعز، بهذا المعنى، ليس مجرد ملف محلي، وإنما مرآة مكبرة لأزمة أعمق تضرب الشرعية كلها. هناك تظهر نتائج الارتهان في تكوين القوة، ونتائج الغياب في إدارة المجتمع، ونتائج التشتت في تحديد الأولويات. وهناك أيضًا يتضح كيف يمكن للهامش أن يبتلع المركز، وكيف يمكن لصراعات المواقع أن تطغى على معركة الدولة، وكيف يمكن لخصم كالمليشيا الحوثية أن يستفيد من مشهد لا يواجهه بقدر ما ينشغل بنفسه.

 

الشرعية تحتاج اليوم إلى أكثر من إعادة ترتيب خطابها. تحتاج إلى استعادة معناها من الجذر: حضور فعلي داخل البلاد، قرار وطني أقل ارتهانًا، مؤسسة عسكرية وأمنية يعاد بناؤها على قاعدة جامعة، وإدارة ترى في الناس أصل الشرعية لا عبئًا مؤجلًا على هوامشها. من دون ذلك سيبقى اليمن عالقًا في صراع طويل على الهامش، فيما يظل مركز المعركة شاغرًا، وتظل الدولة وعدًا مؤجلًا، وتظل البلاد تدفع كلفة هذا التيه في كل اتجاه.

مقالات

إيران.. ثبات الأهداف وتغيّر الأقنعة

حين ننظر إلى التاريخ الإيراني من زاوية ممتدة، لا كوقائع متفرقة بل كسلسلة متصلة من الأفكار والأنماط، يتبدّى لنا أن التحولات الكبرى التي عرفتها إيران لم تكن في جوهرها انقطاعات حادة، بقدر ما كانت إعادة تشكيل لمشروع

مقالات

هل السعودية لم تفهم اليمن بعد؟!… قراءة في مأزق السياسة والخيارات!

ليست المشكلة في أن السعودية لا ترى ما يحدث في اليمن، لكنها تقرأه بعدسة تختزل التعقيد في ظواهر سطحية، وتتعامل مع القوى الفاعلة باعتبارها أوراقاً قابلة للمساومة، لا تعبيرات عميقة عن بيئات اجتماعية ونفسية وتاريخية متجذّرة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.