مقالات
بعد أحداث الخميس المروعة.. هل لا يزال على الحوثيين مراجعة حساباتهم؟
تقاطعت نهاية الأسبوع الماضي، وخلال ساعاتٍ 24 فقط، أحداثٌ خطيرةٌ في العاصمة اليمنية صنعاء، منها ما هو عسكريٌ استراتيجيٌ إقليمي ذو طابعٍ دولي، وآخر سياسيٌ داخلي معقد، ما يؤشر على بلوغ الصراع ذروته بين جماعة الحوثيين وخصومها في الداخل والخارج على حدٍ سواء وإن تباينت حسابات وغايات هؤلاء الخصوم.
ما يحدث في اليمن، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، هو مسرحٌ سورياليٌ أقرب إلى العدمية والعبث منه إلى المنطق التاريخي للنزاعات والحروب حتى في أدنى حدوده، فجماعة الحوثيين المتحالفة بشكلٍ أعمى مع إيران والمنقادة عقائدياً تبعاً للولي الفقيه في طهران تريد تقديم نفسها كممثلٍ عنه في مواجهة العالم، وهذا أمرٌ تدفع الجماعة ومعها اليمن ثمنه أكثر من إيران.
تحاول الجماعة العمل في وقت واحد على مهمتين متضاربتين، أولاهما، خدمة للأجندة الإيرانية ضد إسرائيل تحت شعار نصرة الفلسطينيين في قطاع غزة من ناحية، وثانيهما، فرض نفسها دون حق كنظام حكمٍ وطني يمثل كل اليمنيين من ناحيةٍ أخرى ، وقد فشلت في كلا المهمتين بشكلٍ ذريع، وللإخفاق على كلا الجبهتين أسبابه.
على الجانب العسكري مع إسرائيل لا يمكن للجماعة أن تمثل نداً للآلة العسكرية الإسرائيلية المدججة بأحدث أنواع الأسلحة مهما كانت نوعية الصواريخ الإيرانية المتوفرة بحوزتها، لا سيما أنه كلما زاد استخدام الحوثيين لصواريخ إيرانيةٍ متطورة يكون رد الفعل الإسرائيلي أكثر قوةً وعنفاً وأوسع نطاقاً وفتكاً لا يطال الحوثيين خاصة قدر ما يلحق المزيد من الأذى بالمدنيين والمنشآت الخدمية المتبقية لاستخدامها من قبل سكان البلاد.
أما على المستوى الداخلي، فرغم البطش الذي تمارسه الجماعة بكل أشكاله ووسائله، لإخضاع البلاد والعباد لسيطرتها، إلاّ أنها تفقد الثقة والتأييد الشعبي لها حتى من طرف أنصارها بما فيهم أتباعها في المنطقة (الزيدية) سواءٌ من أبناء طائفتها الهاشمية أو غيرهم من رجال القبائل الذين لم يعودوا يرون أي جدوى من البقاء إلى جانبها في ظل المغامرات السياسية والعسكرية التي تُقدم عليها الجماعة في كل اتجاه دون أدنى اعتبارٍ للنتائج وانعكاسات ذلك على حياتهم وأمنهم الاجتماعي والمعيشي ومستقبل أبنائهم.
بالتأكيد أن الحل يكمن في قليلٍ من المراجعة من قبل الحوثيين لحساب الربح والخسارة لمحصلة سياساتهم خلال السنوات العشر الماضية من الحرب، منذ انقلابهم على الدولة والتغريد خارج الإجماع الوطني خدمةً لإيران على حساب المصلحة الوطنية العليا، حيث لم ينكر عليهم أحدٌ مظلوميتهم وأن يكونوا جزءاً من مكونات الدولة ونسيج المجتمع، بل تم الاعتراف بـ (مظلوميتهم) خلال ست حروبٍ من تمردهم على الدولة، والاعتذار منهم.
الظاهر في الأمر الآن أن (المتحوثين) صاروا أكثر عدداً وغلواً من (الحوثيين) أنفسهم لأسبابٍ عدة، مناطقية وطائفية مقيتة ونفعية جشعة، فيما يبدو أن عائلة الحوثي وحدها سوف تتحمل في النهاية، ودون جدال، تبعات كل ذلك سياسياً وقانونياً وأخلاقياً طال الزمن أم قصر.
ما يتعين على أبناء عائلة الحوثيين تحديداً، أصحاب الشأن والمسؤولية، إدراكه هو أن حسابهم مع العالم والتاريخ، بعد عقدٍ من الطيش والمغامرة واللامبالاة، لا يزال (يسيراً) لتتم مراجعته الآن قبل أن يصبح في المستقبل (عسيراً) تستحيل مراجعته!