مقالات

تدمير اليمن لا تعميره..

14/05/2022, 07:37:30
المصدر : خاص

تعوّدت المجتمعات الضعيفة أن تُلقي اللوم على الآخرين، أو على "الظروف"، بعد كل هزيمة سياسية تُمنى بها.

وبدَهيٌ أن انتصار أي طرف يعود إلى أنه امتلك مقوّمات النصر، بيد أن ما حدث في القضية اليمنية خلاف ذلك تماماً، نظراً إلى ما شهدته من انكسارات بسبب الانقسامات التي أحدثها المجتمع الدولي في الأوساط السياسية اليمنية، وحالة الإحباط التي خلقتها مراكز السطوة، التي أسفرت عن خلط الغث بالسمين، وقد تبيّن ذلك في "الدراما" التشاورية ث، التي عُقدت مؤخراً في الرياض.. حيث لم يواجه فيها المتشاورون أنفسهم بالأسئلة الحقيقية بتاتاً، ولا بحثوا عن أجوبة شافية لها، بل تهرّبوا من الحقائق، وخرجوا بما سمّوه مجازاً "الانتصار السياسي"، الذي تمخّض عنه استبعاد رئيس البلاد ونائبه من منصبيهما، وتقاسم القيادة وفق برنامج مُعدّ سلفاً، وبديباجة ركيكة للغاية.

لا أظنّ أن ساسة محترفين قد عكفوا على صياغة تلك الديباجة بكيفية تبدو مقبولة في الأعراف السياسية، ولكن رئيس البلاد الشرعي جُبل على التنازل عن صلاحياته الرئاسية لمجلس قيادي بأسلوب تراجيدي بحت، بُغية إظهار أن هذا الإعلان ضروري لحلّ نزاع قائم وليس وسيلة لتقسيم المُقسّم وتجزيء المُجزّأ، والهزيمة الحقيقية تمثلت في تنازل رئيس منتخب خلال الفترة الانتقالية، التي تم الانقلاب عليه خلالها داخل الوطن وخارجه، مما يعدّ جريمة سياسية وأخلاقية بكل المقاييس، ولا يمكن أن يكون حلاً لرأب الصّدع الذي أوجدته مراكز القوى العالمية في المنطقة، وليس في اليمن لوحدها، فمشكلة اليمن دولية أكثر مما هي شأنٌ داخلي محض.

إن ما جرى هو اجتثاث للخيار الديمقراطي من جذوره، بعد تدمير العملية السياسية وزرع كيانات جديدة لها طابع عسكري غير نظامي في تربة غير ملائمة.
وعملية كهذه لن تؤدي إلا إلى نشوء بنيان مسخ لا يحمل مزايا النظام الشرعي الذي انتزع. ولا ينطبق عليها توصيف النظام الغوغائي الذي زرع، لأنه يُدمِّر أكثر ممّا يُعمّر ويقود إلى نتائج مأساوية وخطيرة.

فالرئيس الشرعي ونائبه، اللذين تم إضعافهما، لم يستطيعا الحصول على أي مكاسب سياسية تضاف إلى رصيديهما بسبب الضغوطات الخارجية.
 وفي المقابل، فإن جماعة الحوثي هي الوحيدة التي حصلت على ذلك، مُدّعية أن تراجع التحالف العربي كان نتاج هجماتها الصاروخية. وعليه، فإن التحرّكات، التي أعقبت مشاورات الرياض، لا يمكنها أن تأتي بمجتمع ودولة مدنية مُسالمَين، لأنها تحوّلت إلى انتصار للجماعة الانقلابية؛ ما دفع إلى جولة جديدة من الأحادية الدولية، أو بالأحرى الأمريكية، ولكنْ على حساب المال الخليجي هذه المرّة.

لم تضق خيارات التحالف العربي خلال السنوات الماضية، التي أعقبت اندلاع المعارك، إلا بسبب الاستهانة بعامل الوقت، كما أنه لم يستغلّ الظروف من أجل تأهيل نفسه لتحدث اللغة الدبلوماسية ببراعة أكبر، أو بالأحرى لم يتعلمها.
 وقد فقد الثقة بشعوره الغريزي (كتحالف) في التحكم في زمام الأمور بطريقة تجعل الآخرين يتبعونه، بل اختار أن يُراكم إخفاقاته؛ ومن يدري فقد يكون هذا أسلوبا جديدا في التنصل، بدلاً من الاعتراف بأنه خسر معركته أمام مليشيا الحوثي المسلحة.

ولم تعُد الدبلوماسية بالنسبة إلى التحالف عملا سياسيا احترافيا، وإنما تحوّلت إلى عملية مساومة لتحاشي مزالق الواقع والاتجاه إلى عملية تفاوض هي إلى الخسارة أقرب، أو بالأخرى طريقة للوصول إلى حيث تريد جماعة الحوثي، على الرغم من أن البدائل الأخرى موجودة ومتاحة أمام تحالف دولي يمتلك من الإمكانيات ما يُمكّنه من الانتصار سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

بينما كانت الأزمة اليمنية تتشعّب، كان يجب على الشرعية اليمنية ومنتقدي سياسات الأمم المتحدة أن يتساءلوا عن مدى عمق التزام الأمم المتحدة ومبعوثيها بالدبلوماسية.
وهل استخدمت الأمم المتحدة ومجلس الأمن العملية الدبلوماسية البطيئة لربح بعض الوقت للحوثيين ليُسقطوا حتى محافظة مأرب نفسَها.

ترتكز طريقة تفكير رؤساء أمريكا في الغالب على إنشاء التحالفات باعتبارها أنجح السياسات الخارجية التي تخدم الأصدقاء والحلفاء في حل الإشكالات، إلا أن المعضلة اليمنية كانت وما زالت قائمة، وسيستمر أثرها عقودا على مستوى اليمن بعد شرعنة جماعة الحوثي بإشراف أممي؛ ناهيك عن الضرر الذي سيلحق بالجزيرة والخليج كنتيجة منطقية لهذا المخطط الدولي الذي يستهدف المنطقة بأسرها.

إن أسلوبا أحاديا كهذا هو ما يميّز المرحلة السياسية الدولية، فردّاً على صمود محافظة "مأرب" الأسطوري، دمّرت مراكز القوى العالمية تقريبا كل السلطة الشرعية اليمنية، بمباركة أممية، وانسحب التحالف مبدئياً من المعركة، معتقِدا أن قبول الضجة الإعلامية التي حظي بها المُعينون محل الرئيس اليمني ونائبه يعدّ قبول كافة أطياف الشعب بما عُرض عليها، بينما الحقيقة خلاف ذلك تماماً.

أوحال الأزمة اليمنية ما هي إلا أحدُ الأدلة على تلك الأحادية. وقد فقدت بعض الدول النافذة الكثير من نفوذها في بقية العواصم العربية بسبب أنه لا قادة دول الجوار ولا حتى شعوبها يرون أي علامة، ولو خافتة، على أي موقف عالمي نزيه لمراكز النفوذ العالمية. فمنذ بداية الحرب اليمنية، قضت الإدارة الأمريكية على دورها التقليدي. وقد أصبحت منحازة بصورة سافرة في النزاع، وهي تصمّ آذانها عن سماع وجهات نظر الشرعية اليمنية، وهي ترفض شطط الحوثيين فيما البلاد تسير نحو الفوضى.

بدون تفكير نقدي، لا يمكن أن توجد ديمقراطية. وإذا فقد المجتمع القدرة على النقد وإثارة التساؤل حول ما يسمعه، فسيصدّق كل ما يقال له؛ وهذا أمر في غاية الخطورة.
 وإذا ما اقتنع الشعب اليمني بأن عملية التحول الغوغائية، التي حصلت، إيجابية فبإمكاننا الجزم بأننا نعيش في عصر المراهقة السياسية.

ومن غير المنطقي أن تتسلل إلى عقول الشعب الأفكار الخاطئة ذاتها، في ظلّ وجود معتقلات الفكر السياسي ذاتها، التي تقمع الناس بمبرر إحكام قبضة الدولة، فجماعة الحوثي تمارس ذلك، وكل جماعة انسلخت عن النظام وحصلت على أي نوع من التأييد تقوم بذلك، وبالمبرّر نفسه.

ما عاد من الصّعب علينا قراءة أو فهم أفكار ما يدور حالياً في الساحة اليمنية حول كون الأحداث والمتغيّرات الحالية أسهلَ في الاستيعاب بالنسبة إلى عموم الناس أكثرَ من ذي قبل، فالدول النافذة لم تعد تمتلك أي مصداقية بخصوص تعاطيها مع القضية اليمنية. وعلى الساسة اليمنيين العمل على تحويل الاستجابة للمتغيّرات الجيو - سياسية إلى مكاسب بالنسبة إلى العامة؛ والابتعاد عن الاهتمام بأمزجة البعض على حساب القضايا الجوهرية الحساسة؛ وإرساء قنوات تواصل تساعد المواطنين في تعزيز ثقتهم بأنفسهم وبالنظام الجمهوري والشرعية الحقيقية.

وصار لزاما على أي شخص في المناصب القيادية أن يتعلم طرق الفصل بين العواطف والأفكار، وأن يعي أن كل كلمة محسوبة ومرصودة؛ ومعرفة متى وكيف يتكلم ويُصرّح؛ وكيف يُفرّق بين رأيه وآمال الشعب، باعتبار ذلك أصلاً من أصول القيادة، أمّا الكلام فجُلّ الناس يتقنونه.

مقالات

بلاد تلبسنا مثل جلد فنهرب منها إليها!! (1-2)

أي قارئ لتاريخ اليمن القريب - خلال المائة العام الماضية على وجه التحديد- لا بُد أن تستوقفه عديد أحداث تُحيل بمجملها إلى مصائر واحدة ربطت اليمنيين في شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها، ومنها أن الكثير، والكثير جداً، من الشخصيات - في أزمنة التقسيم السياسي المتعاقبة - حينما كانت تضيق بهم البقعة التي يقيمون عليها ينتقلون إلى بقعة مجاورة على الجغرافيا ذاتها من منطلق واحدية الأرض والإنسان.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.