مقالات

حضرموت .. أزمة واحدة وسرديتان

11/08/2025, 15:49:05

هذا نصٌّ تحذيريٌّ يحاول قراءة مسارٍ يتشكّل أمام أعيننا لا مجرّد سرد أخبارٍ متفرّقة. خلال الأيام الأخيرة تمدّد الغضب المعيشي في حضرموت من انقطاعات الكهرباء والوقود إلى ساحاتٍ أوسع، فيما تصاعد الجدل حول معنى “النظام والقانون” وحدود القوة. في الوادي، خصوصًا تريم وسيئون، بدأت الحكاية من مطالب خدميةٍ واضحة ثم انزلقت إلى احتكاكاتٍ وتفريقٍ بالقوة وتوقيفات. ظهرت تعبيراتٌ قبليةٌ رمزيةٌ تؤشّر إلى أن المجتمع يرفع سقف حمايته الذاتية حين يشعر بأن القنوات المؤسسية لا تُنصفه. هذا لا يحوّل الاحتجاج إلى فعلٍ قبليٍّ خالص، لكنه يذكّر بأن الفراغ السياسي يُملأ سريعًا بأطرٍ اجتماعيةٍ تقليدية عندما تغيب الاستجابة الجادّة.

على الساحل، وبالأخص في المكلا والشحر، تواصلت الاحتجاجات على إيقاعٍ متقطّع، لكن اللغة المقابلة لها تميل إلى مفردات “المندسّين” و”الاختراقات”. هذه اللغة توفّر تفسيرًا سريعًا للاضطراب لكنها لا تقدّم جوابًا على السؤال الأبسط: لماذا لا تصل الخدمة كما ينبغي؟ حين يتقدّم الشكّ الأمنيّ على الحلّ الخدميّ تتسع فجوة الثقة، وتغدو كلّ خطوةٍ رسميةٍ قابلةً لسوء الفهم، وتتحوّل إدارة الأزمة إلى إدارة صورةٍ لا إدارةَ أسباب.

في هذا السياق برزت مواد دعائية منسوبة إلى تنظيم القاعدة صدرت على دفعتين متعاقبتين—فيديو ثم بيان مطوّل—تركّز كلاهما على الساحل وتجاهل الوادي. اللافت ليس المحتوى وحسب بل مصدره؛ فهذه المواد لم تصدر، وفق ما توافر من رصد، عن القنوات الرسمية المعروفة للتنظيم. ومع ذلك تزامن ظهورها مع تحذيرات السلطات في الساحل من “اختراقات” و”مندسين”. هذا التطابق في التوقيت والخطاب يصنع انطباعًا قويًّا بتخادمٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ بين السرديتين: حتى مع التشكيك في أصالة المواد ومصدرها، فإن مضمونها وتركيزها الجغرافي يتكفّلان بوضع الاحتجاج في قالبٍ أمنيٍّ جاهز، ويُيسّران تسويغ إجراءاتٍ أشدّ صرامة، ويُضعفان شرعية المطالب المدنية، بل ويمهّدان لوسم خصومٍ اجتماعيين وسياسيين—ومنهم حلف حضرموت وقواته—بشبهاتٍ أمنية دون حاجةٍ إلى تصنيفاتٍ رسميةٍ صريحة. لا يعني ذلك الجزم بوجود تنسيقٍ أو صناعةٍ مشتركة؛ لكنه يكشف تلاقي مصالحٍ سرديٍّ يرفع كلفة الفضاء المدني ويُقرّب الأزمة المعيشية من منطق الاشتباك الأمني–السياسي المفتوح.

يزيد المشهد التباسًا ظهور رجلٍ أمنيٍّ غامض يُشار إليه باسم “أبو علي الحضرمي” (صالح بن الشيخ أبوبكر). تُتداول عنه رواياتٌ قديمة تصفه ضابطَ ارتباطٍ سابقًا بين مكتب علي سالم البيض وحزب الله، ورفيقَ عيدروس الزبيدي في تأسيس حركة “حتم” الانفصالية المسلحة في التسعينات. اليوم يعود إلى السطح بذراعٍ أمنيٍّ إماراتيٍّ غير مُعلن رسميًّا، بلا قرارٍ منشور، سوى ما جرى تناقله بأنه “قائد الدعم الأمني لقوات النخبة”. سيرةٌ متشابكة وظهورٌ بلا صفةٍ موثّقة، وفي التوقيت ذاته الذي ارتفع فيه منسوب التحذير من “الاختراق” وظهرت مواد دعائية منسوبة للقاعدة، ما يجعل الانطباعَ العامّ أن ثمة هندسةً لسرديةٍ تساوي تدريجيًا بين الاحتجاج والخطر، وتُمهّد لضربِ خصومٍ محليين تحت لافتات “الأمن” دون حاجةٍ إلى إعلانِ تصنيفاتٍ قصوى.

بالتوازي عاد المحافظ مبخوت بن ماضي إلى المكلا بعد غيابٍ أثار تأويلاتٍ واسعة، وجاءت عودته بعد ظهور “أبي علي الحضرمي” بيوم واحد. في خطابه الأخير بدت الأولوية واضحة لاستعادة “النظام” وفتح الطرق ومنع الفوضى، مع إشاراتٍ عامة إلى حقّ التظاهر. لكن تفكيك الخطاب يُظهر اختلالًا مألوفًا: غابت خارطةٌ خدميةٌ ملموسةٌ بمواعيد ملزمة، ولم تتقدّم تعهّداتٌ شفافةٌ بالمحاسبة على الاستخدام المفرط للقوة أو بضبط أداء الأجهزة. حين تتقدّم الرسالة الأمنية على الرسالة الخدمية، تتزايد الشكوك بسرعة، ويصبح كلّ استدعاءٍ لـ”النظام” مدينًا بإجابةٍ مسبقةٍ عن سؤال العدالة والشفافية.

خلاصة ما يتكوّن أن حضرموت تقف عند عتبةِ مفترقٍ لا يحتاج إلى كثيرٍ من الخطوات الخاطئة كي يتحوّل إلى انزلاقٍ طويل. استمرار التعويل على خطابِ “المندسّين” مع مواد دعائيةٍ مشكوكٍ فيها، وظهورُ أذرعٍ أمنيةٍ بلا تعريفٍ مؤسسيٍّ واضح، وغيابُ خرائط طريقٍ خدميةٍ محدّدة، كلها عناصر تصنع موجةً ثانية من الأزمة أشدَّ من الأولى. ما يزال بالإمكان إعادة ضبط الإيقاع: الاعتراف بأنّ الجذر خدميّ، والكفُّ عن تحويل الأزمة إلى اختبارِ ولاء، وضبطُ اللغة الرسمية بحيث تفرّق بدقةٍ بين السلميّ والمُجرَّم، هو الطريق الأقصر لخفض التوتر وردّ السرديات المتشددة إلى حجمها.

إذا تقدّمت الإجابةُ الخدمية على الاحتكام الأمني، عاد الاحتجاج إلى حجمه الطبيعي وتراجعت سطوةُ الخطابات

 المشبوهة. وإذا تُركت الأزمة بلا علاجٍ حقيقيّ، ستتغذّى السرديات من بعضها بعضًا، وسنصحو على واقعٍ 

أشدّ تعقيدًا من أن تُصلحه قوّةٌ أو بيان. 

هذا جرسُ إنذارٍ مبكّرٌ لا أكثر؛ تجاهله قد يجعل كلفة الغد أعلى بكثيرٍ من كلفة اليوم.

مقالات

المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم!

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع بشري – القدرة على جمع ما فرّقته السياسة، والحدود، والحروب، والأسواق.

مقالات

استعادة المناعة الوطنية.. كيف يمكن إعادة بناء التربية والمجتمع بعد سنوات التعبئة؟ (4-5)

إذا كانت الحلقات السابقة قد سعت إلى تفكيك الآليات التي أُعيد من خلالها توظيف المدرسة والمعلم والمناهج والرموز الثقافية في خدمة مشروع تعبوي ذي طبيعة أيديولوجية، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بفهم ما جرى، بل بكيفية التعامل مع نتائجه.

مقالات

أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

مقالات

سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة

بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.