مقالات
غزة ما بعد اليوم التالي
في حملته الانتخابية عام 2024، كَرَّرَ ترامب الوعد بوقف الحرب على غزة سريعًا. وبعد ترؤسه أثبت مقدرته على وقفها لشهرين، لكنه الآن وبعد ثمانية أشهر يعد بالحل نهاية العام.
يعد ترامب بالكارثة الفاجعة؛ وهي الإبادة الجماعية للمتبقين في غزة، وإرغام الغالبية على الرحيل.
يعطي ترامب المهلة لنتنياهو لإنجاز المهمة. الفارق بين بايدين - الرئيس الديمقراطي؛ وهو صهيوني شديد التعصب، وبين ترامب السمسار الدولي الشعبوي ودينه وعقيدته السمسمرة- هو أنَّ بايدن الداعم الأول لحرب الإبادة في غزة كان يقف وراء نتنياهو؛ وربما قدّم نصائح سلامية كاذبة، أمَّا السمسار ترامب فيتصدر مشهد إطالة حرب الإبادة، ولا يقل تشددًا عن نتنياهو أو بن غفير أو سموترتش.
اليوم التالي لدى ترامب ونتنياهو هو إرغام المتبقين من الغزيين على الرحيل غالبًا إلى مصر المهددة، وإجبار فلسطينيي الضفة على النزوح إلى الوطن البديل (الأردن).
اليوم التالي لكليهما يعني الاستيلاء على غزة، وتحقيق الشرق الأوسط الجديد، وقيام إسرائيل الكبرى؛ التي تعني شرق النيل، وكل فلسطين، والأردن، ولبنان، وسوريا، والعراق، وأجزاء من السعودية وبعض الدول الخليجية واليمن.
تصريح نتنياهو عن الرسالة الدينية والروحية، التي يقوم بها متضمنة بالتفصيل في كتابه «مكان تحت الشمس»، ودعاوى التوراتيين في مصر والسعودية واليمن أكبر من دعاواهم في فلسطين.
وإذا كانت الخرافة هي الأساس لبناء الكيان الصهيوني (إسرائيل)، فإن الخرافة ممتدة، والتوظيف السياسي حاضر، والقوة العسكرية هي القول الفصل، والمكنة الإعلامية العالمية مُسخَّرَة لخدمة المشروع الصهيوني، والخذلان العربي قوي.
وعد ترامب ناخبيه بالانسحاب من بعض المناطق العربية، وهدد دولاً عربية بدفع أتعاب الحماية؛ فهل يوكل مهمة الحماية للجيش الإسرائيلي؟
تصر إسرائيل أن تكون هي القوة الأقوى في مواجهة الدول العربية مجتمعة، وفي مواجهة دول الإقليم. والحروب التي دارت وتدور منذ 1948 وحتى اليوم تدلل على ذلك.
تبحث أمريكا وإسرائيل عن ملاجئ للفلسطينيين في العديد من البلدان، ولكن حكومة نتنياهو حريصة على التهجير إلى مصر - سينا، وإلى الوطن البديل (الأردن)؛ لاستمرار المواجهة، وتحقيق خرافة إسرائيل الكبرى.
ضُعف الموقف العربي، والتنازلات المتكررة من الوسيطين: المصري، والقطري، ومن حماس تغري ضِبَاع اليمين التوراتي والسياسي الصهيوني بالمزيد والمزيد من التشدد.
في الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء الأمني (الكابينت)، لم يلتفت إلى المبادرة المقدمة من مصر وقطر، والموافق عليها من قِبل حماس، وكان الرد الإسرائيلي على مصر: إنهم لم يعودوا معنيين بالحلول الجزئية، ويريدون الحل الشامل. وليس الحل الشامل سوى التهجير، والاستيلاء على غزة، ومَدِّ الاستيطان إلى كل مناطق الضفة الغربية بما فيها مناطق السلطة الفلسطينية والقدس الشرقية؛ وهو ما يقوم به المستوطنون.
معاناة الشعب الفلسطيني فوق الاحتمال. فجرائم الحرب وضد الإنسانية، والإبادة غير المسبوقة في التاريخ: قصف بري، وبحري، وجوي على مدى ما يقرب من عامين، وحصار كلي، وتجويع شامل؛ حتى حلفاء إسرائيل الأوروبيون بدأوا يضيقون بجرائم حربها، ويدينون هذه الجرائم تحت ضغوط شعوبهم، بينما الأمة العربية من الماء إلى الماء هامدة، والاستثناء الوحيد صنعاء، وما يقوم به "أنصار الله"، وتدفع صنعاء، والحديدة وصعدة، وإب، وعمران ثمن هذه المساندة.
الحكام العرب إمَّا متواطئون، أو ضعفاء لا يقدرون على شيء، أو خائفون ومتنظرون، وهم يقتتلون فيما بينهم، ويقتلون شعوبهم، ويتشاركون في قمع إرادتها وإذلالها وإهانتها، وجلهم يرى أنَّ عداوته لشعبه أهم من عداوته مع الاستعمار والصهيونية، أمَّا بعضهم فيرى أنَّ السند والحماية هي إسرائيل.
الإدارة الأمريكية منذ "طوفان الأقصى 2023"، وفي عهد بايدن ووزير خارجيته بلينكن، أو في عهد ترامب هي طرف أساس في الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي من توفر لها السلاح وتضمن لها الحماية من المساءلة الدولية.
العالم كله ضد حرب الإبادة، واستخدام الماء والدواء والغذاء سلاحًا في الحرب، وأمريكا طرف أساس في الحرب، والطرف المتحكم في الوساطة والتفاوض.
المستعمر هو مكتشف النفط ومستخرجه، ويعتقد السيد الأمريكي أنه الحامي؛ ومن يحمي يملك، هكذا يعتقد.
في الاتفاق الأخير الذي قبلت به إسرائيل، بل وصاغته، وتراجع عنه ترامب ومبعوثه ويتكوف؛ فقد كان ترامب الأكثر تشددًا وميلاً للحسم، وفرض القبول بكل شروط إسرائيل؛ وهي إعادة احتلال غزة، وتهجير الغزيين وفلسطينيي الضفة.
ترامب الأكثر تعطشًا للبريفيرا، وتوسيع مساحة إسرائيل الضيقة، وإخضاع الجوار على قبول ترحيل الغزيين الفارين من الجحيم، وإلزام الدول النفطية بتمويل التهجير، وإعادة بناء غزة وتحويلها إلى «جنة سياحية»، وفتح قناة "بن غوريون"، والتريليونات التي كسبها في بضعة أيام قد فتحت شهيته أكثر فأكثر؛ فهل يمكن المقارنة بين اجتياح هولاكو مدينة بغداد، وما يقوم به ترامب ونتنياهو في غزة وسوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان واليمن.
يذكر بعض المؤرخين أنَّ تتريًا أمسك عراقيًّا وأراد قتله، وحين لم يجد ما يقتله به، أمر العراقي بالانتظار حتى يأتي بسلاح يقتله به.
ويذكر ابن أبي الحديد أنَّ التتار لمَّا توجهوا إلى المراغة، وكان أمرها بيد امرأة تدبرها مع وزرائها، فنصبوا عليها المجانيق، وجعلوا أسارى من المسلمين بين أيديهم كتروس بشرية لهم، "فملكوها عنوة، ووضعوا السيف في أهلها، ونهبوا ما يصلح لهم، وأحرقوا ما لا يصلح لهم، وخذل الناس عنهم حتى كان الواحد منهم يقتل بيده مئة إنسان، والسيوف في أيديهم لا يقدر أحد منهم أن يحرك يده بسيفه نحو ذلك التتري؛ خذلان صب على الناس، وأمر سمائي اقتضاه".
ويذكر السيوطي في "تاريخ الخلفاء" أنَّ "القتال في بغداد استمر قرابة أربعين يومًا، فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقتل الخليفة رفسًا".
ورغم ذلك لا وجه للمقارنة بين تدمير التتار مدينة بغداد، وما فعله تحالف بوش الثلاثيني ببغداد، وما تفعله أمريكا وإسرائيل في غزة.