مقالات

فصفصة عوامل النّصر والهزيمة

03/09/2021, 17:39:27

في كل حروب الدنيا، ينضم ناس عاديون لجيوش الظالمين من أبناء بلادهم ليقتلوا ناسا عاديين آخرين، بدون أي سبب. وحتى قد ينضم ناس عاديون لجيوش الاحتلال وجيوش الأعداء لقهر أهل بلادهم وإخوانهم. وقد ينضم ناس عاديون لجيوش أجنبية استعمرتهم وقهرتهم، لغزو بلاد أخرى وشعوب أخرى قد تكون غريبة عليهم، أو حتى صديقة تاريخية لبلادهم.

الأمثلة، بلا عدد على هذه الظاهرة، على مدى التاريخ وفي كل البلدان والقارات.

هذه محاولة لمعرفة كيف يستطيع الحوثيون ضمّ الناس العاديين من اليمنيين ليخدموا الحركة الحوثية وإيران بقتل ناس عاديين من اليمنيين "الآخرين" الرافضين للحوثية.

أسباب انضمام اليمني العادي لمليشيات الحوثي ليقتل اليمنيين العاديين الآخرين:

أولا: أسباب في المناطق تحت سيطرة الحوثي

١- الفقر والفقراء

أنا أقول: إن الحوثيين، غريزيا وتاريخيا وسلاليا وفئويا، معهم قدرات لتسخير الفقراء والجهلاء لأغراضه.

وفي الحالة الراهنة هذا هو ما عمله الحوثيون:

أ- السلة الغذائية الإنسانية:

هذه مساعدات غذائية من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والمعونات الدولية، تجد طريقها بحِرفية حوثية، وبتدجين وترويض وترهيب للموظفين الدوليين، ومن معهم من مقاولي توزيع المساعدات الإنسانية على المحتاجين لتصل إلى أُسر المجنّدين، فيبقى المجنّد خادماً لأغراض الحوثي.

وترسل الأُسرة أخاه الأصغر ليخدم الحوثي، ويتحرق الأهل والجيران للسلة الغذائية المنتظمة، ولخدمة الحوثي.

الطريف بالنسبة للحوثي، والمفجع بالنسبة للشرعية، أن معظم هذه السلال الغذائية معونات من المملكة السعودية للأمم المتحدة.

السعودية، تدفع ٥٠٠ مليون دولار سنويا للأمم المتحدة لتصرفها على الفقراء في اليمن، ويتم استغلال معظمها لتجنيد فقراء ليقتل بهم الحوثي اليمنيين والسعوديين.

ب- علاقي القات:

كيس علاقي لأفراد مليشيات الحوثي أينما كانوا في تبَّة أو جبل أو صحراء أو ساحل.

لا تستهينوا بالقدرات اللوجيستية لتوزيع كل هذا 'القات' لكل هؤلاء المحاربين في كل هذه الأماكن، ولا تستهينوا بدور كيس علاقي 'القات' هذا، فالذي سيستهين بهذا الكيس، لا يعرف اليمن.

ج- المُشرف:

هذا مقتبس من التراتبيات الهرمية في نظام حكم إيران، وهو يشبه دور القوميسار الشيوعي الروسي أيام الاتحاد السوفييتي، والجستابو النازي أيام ألمانيا الهتلرية.

دور "المُشرِفْ"- بجانب الأدوار الأخرى- كبير وهام للغاية في غرس روح الشلَّة والرفقة بين أفراد مليشيا الحوثي الفقراء البائسين.

هذه الثلاثة العوامل: معونة أممية - كيس القات - المشرف، من أكبر عوامل نجاح الحوثيين، ثلاثة عوامل لاستعباد الفقراء، وتسخيرهم للخدمة، ثلاثة عوامل مجهولة ولا يتطرّق لها أحد.

٢- روح القطيع

روح القطيع والتفكير الجمعي في الحشود الحوثية، التي يختلق لها المناسبات النبوية، أو الإسلامية أو الزيدية أو الهاشمية أو السلالية أو الإمامية أو الشيعية أو الفلسطينية، يستعملها الحوثيون بطريقة مكثفة لا تهدأ.

ويبدو أنه يلمس منها فوائد جمَّة بين الفقراء والجهلاء في الأوساط المحيطة به، وإلا لما داوم عليها بهذه الصورة المنتظمة، بالرَّغم من أنها كلها دخيلة على اليمنيين والهُوية اليمنية.

٣- الترهيب والتخويف والتفجير

هذا الرّعب المصحوب بعجز من الشرعية والتحالف على معاقبة الحوثيين، أو مجرد الرد عليهم، يبث اليأس في قلوب الناس من التخلّص من الحوثي.

ويزيل القلق عند البسطاء من أي عواقب سلبية قد تقع عليهم مستقبلاً إذا هم انضموا للحوثيين.

٤- الاهتمام بضحاياهم، متابعة المشرفين والقيادات الحوثية لأمور الأفراد والجرحى، وأُسر المفقودين ومساعدتهم، هذا يولّد شعورا بالاطمئنان لمن يخدم الحوثي.

٥- العصبيات

•العصبية الهاشمية

•العصبية القبلية

•العصبية المناطقية

هذه العصبيات الثلاث، محرك لا يتوقّف لبسبسة وفلفلة المخزون البشري الواقع تحت الحوثي بالتشنج والعناد والرغبة، بإمداد مجهوده الحربي بالمقاتلين.

٦-التناقضات المحلية: فالمنافسات بين الوجاهات المحلية تجعل بعض الأعيان في منطقة حوثية يخدمون الحوثي نكاية في بني عمومتهم الذين انضموا للشرعية.

ويمكن تهديد الأعيان المحليين وأصحاب الملكيات الزراعية والتجار بإلحاق الضرر بأملاكهم ونفوذهم إذا لم يسخروا وجاهتهم لخدمة الحوثي، وتبجيله، والخنوع والخدمة.

٧- خذلان المقاومين للحوثية 

انعدام دعم الشرعية والتحالف لمن يرغب بمقاومة الحوثي، حتى إنهم خذلوا من بادر فعلا بالمقاومة، كما حدث في 'الحيمة' و'ريمة' و'حجور' وغيرها.

٨- خبرة الحوثي العسكرية

أداء الحوثي العسكري أفضل من الشرعية، وهذا يجذب الصغار، ويبعث اليأس في الكبار.

٩- خبرة إيران العسكرية، فأداء إيران العسكري واللوجستي والإمداد والتسليح للحوثيين أفضل من التحالف الداعم للشرعية، وهذا يجذب الصغار، ويروّض الكبار.

ثانيا: أسباب في المناطق تحت سيطرة الشرعية:

١- فقدان الأغلبية الصامتة

 

٢- الفقر

الفقر والفقراء موجودون في كل اليمن، فقد استطاع الحوثي استغلال الفقر والفقراء في تجنيد مقاتلين لمليشياته.

وبالرغم من أن التحالف أغنى بكثير من الحوثيين، إلا أنه لم يستعمل الفقر ولم يحشد الفقراء كمقاتلين في صفوف الدولة والشرعية التي جاء ليدعمها.

حشد التحالف الفقراء الذين وقعوا تحت أيديهم كبيادق للتفريق بين اليمنيين على شكل قوات نُخب وأحزمة أمنية، وقوات انتقالية، ومقاومة عفاشية، ومقاومة تهامية، وعمالقة وسلفيين، الخ.

٣-الانفلات الأمني

يجلب الاحتقار لأماكن الشرعية، ويعطي انطباعا لأهلنا المساكين تحت يد الحوثيين بأن وضعهم أفضل، وأنهم سيكسبون، فينضمون للحوثي.

٤- انعدام النموذج

لم تخلق الشرعية ولا التحالف النموذج المغري والجاذب، ولو كانت الشرعية أمّنت -بمساعدة التحالف- المناطق المحررة، وجعلتها مناطق مزدهرة اقتصاديا، وجالبة للأرزاق ومستقرة، لتم تفريغ المناطق التي تحت سيطرة الحوثي من الإمداد البشري للمقاتلين.

ولو كان النموذج في مناطق الشرعية ناجحا، لحفّز أهلنا الخاضعين لاحتلال الحوثي على التمرّد والقضاء على الحركة الحوثية.

والأدهى والأكثر مرارة أن مناطق الشرعية في الجنوب، طاردة لليمنيين.

وأن مفاتنات التحالف قد نبشت أحقاداً وثارات جنوبية كانت قد رقدت، ثم أشعلوها لتصبح المعارك جنوبية - جنوبية، والله وحده يعلم كم يستفيد الحوثيون منها؟

ومتى سنستطيع إطفاءها؟

٥- النفور من التحالف

تصرفات التحالف ولّدت نفوراً يمنيا شعبيا عارما، ولا يمني واحد معجب بأداء التحالف، وهذا يولّد رغبة بإيذاء التحالف.

٦- سُوء أداء الشرعية والتحالف أداء الشرعية والتحالف فشل على المستوى السياسي والتكتيك العسكري والإستراتيجي، مما أدى إلى هزائم، والهزائم لا تجلب شعبية، وتشجّع على انضمام الصغار للحوثي، وتجعل الكبار يسلّمون على مضض للحوثي.

٧-انعدام القيادة

غياب القيادات العلوية والوسطية والسفلية في أوساط الشرعية، سواء في الأمور السياسية أو الإستراتيجية أو التكتيكية العسكرية، لا يستطيع أي أحد أن ينتصر بدون قيادات.

٨- تناحر أحزاب الشرعية

تناحر الأحزاب يصيبنا -نحن- بالسخط وعدم الإعجاب، فما بالك بأهلنا الذين تحت سيطرة الحوثي، حتى داخل حزب الرئيس هادي (المؤتمر)، فإنهم متناحرون ويكرهون بعضهم البعض، حتى الذين من المنطقة الجغرافية نفسها.

أما إذا ابتدأنا بتفاصيل التناحر بين أحزاب: الإصلاح، والناصري، والاشتراكي، والمؤتمر، فسنغطس بين أكوام الاتهامات والتراشقات، ونذوب من الحياء والخجل.

كيف تستطيع أن تجذب شعبا وأغلبية صامتة للحرب في صفك، وأنت معك مثل هذه القيادات، وهذه النخب؟ 

ملاحظة: 

الفساد كبير عند الجانبين: الشرعية والحركة الحوثية. 

ثالثا: الخلاصة

كانت هذه محاولة لفصفصة عوامل قدرة الحوثيين على حشد المساكين والفقراء من أبناء الشعب اليمني الذين أوقعهم سُوء حظهم بين يديه، لقتل وغزو المساكين والفقراء "الآخرين"، الذين لم يقعوا بعد بين أظفاره وأنيابه، أو الذين تمكنوا من التخلّص منه.

فصفصة العيوب والمزايا تتيح المجال للتفكير بكيفية التخلص منها.

الجميل في الأمر:

هو أن المزايا، التي يتمتع بها الحوثيون، يمكن تعطيلها بسهولة، وأن العيوب التي ترزح تحتها الشرعية والتحالف يمكن التخلص منها بسهولة، وأن النصر ممكن أن يتحقق.

المصدر : خاص - بلقيس
مقالات

حياة السُفَّاري التي ملَّحتها الحكايات

بقي اسم "السُفَّاري" ملازماً لأذني، منذ كنت طفلاً صغيراً بمعية والدي في دكان الحاج سعيد عمرو غالب بمركزي تعز في سبعينات القرن الماضي، كون الاسم ارتبط بعديد علامات تجارية رائدة في السوق هو صاحبها، حتى إن الأحاديث عن تجارة "محمد سعيد غالب السفاري" الكبيرة، منذ أيام عدن الزاهية، كانت تأتي في سياق حديث أبي وغيره من الأشخاص، الذين عايشوا تلك الفترة، عن رموز التجارة الكبار، مثل: أنتوني بِس، وهائل سعيد.

مقالات

من الاجتهاد إلى الجمهورية(3)

استقى رجال حركة الأحرار، ورواد التنوير في شطري اليمن، ثقافتهم من مدرسة الاجتهاد اليمنية، وفكر مدرسة الاحياء العربية، اضافة إلى ما وصل إليهم من ترجمات لكتب مدرسة الأنوار الأوربية. وهذا ما يجعلهم بحق "ورثة ثقافة عقلية تحررية متعددة الحلقات" كما يقول الاستاذ عبدالودود سيف.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.