مقالات

قحطان.. رمز لمعاناة وطن وجريمة لن تسقط بالتقادم

10/07/2026, 05:43:31
بقلم : علي عشال

لم تكن جماعة الحوثي مجرد طرفٍ في صراعٍ سياسي، بل مثلت انقلابًا على مجمل المكتسبات الوطنية التي راكمها اليمنيون عبر عقود من النضال والتضحيات. فمنذ أن اختارت العنف طريقًا، والسلاح وسيلة، والإقصاء منهجًا، دخل اليمن مرحلةً من التراجع العميق، تراجعت فيها قيم الدولة والقانون، وحلّت محلها ثقافة القوة، وغابت السياسة أمام منطق القهر، وأصبحت حياة الإنسان وكرامته رهينة مشروعٍ لا يتردد في استخدام كل وسائل البطش لإخضاع مخالفيه.

لقد اتخذت هذه الجماعة من العنف عقيدةً في إدارة الخلاف، ومن القتل وتصفية الخصوم والإخفاء القسري أدواتٍ لترسيخ سلطتها. ولم يكن استهدافها لخصومها السياسيين مجرد رد فعلٍ عابر، بل ممارسةً ممنهجة هدفت إلى إخماد كل صوتٍ يؤمن بالدولة، وإرهاب كل من يتمسك بحق اليمنيين في الحرية والتعددية والشراكة الوطنية.

وتبقى قضية الأستاذ محمد قحطان واحدةً من أكثر الشواهد إيلامًا على هذا النهج. فمنذ أكثر من اثني عشر عاماً، وهو مغيبٌ قسراً في سجون الجماعة، فيما عاشت أسرته بين الرجاء واليأس، تنتظر خبراً يبدد قسوة الغياب، أو إجابةً تنهي سنوات العذاب. لكن الجماعة لم تكتفِ بحرمانه من حريته، بل منعت حتى السؤال عنه، وكأنها أرادت أن تجعل من الإخفاء القسري عقوبةً تمتد إلى أسرته ووطنه وكل من يعرفه.

وإذا كانت الأنباء الأخيرة قد أثارت الحديث عن جثمانٍ يُزعم أنه يعود إليه، فإن الحقيقة لا تُبنى على الظنون، ولا تُغلق القضايا الإنسانية الكبرى برواياتٍ يكتنفها الغموض. فقضية محمد قحطان أكبر من أن تُختزل في جثمانٍ مشكوكٍ في هويته، وأعمق من أن تُطوى دون كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من خطط وأمر ونفذ وسكت عن هذه الجريمة.

لقد تجاوزت قضية قحطان حدود الشخص، لتصبح عنواناً لمعاناة وطنٍ بأكمله، ورمزاً لجريمة الإخفاء القسري التي لا تسقط بالتقادم. وستظل قضيةً عادلة ما بقيت الحقيقة غائبة، وما بقي مرتكبو هذه الانتهاكات بمنأى عن العدالة. فالمصالحات الحقيقية لا تقوم على طمس الجرائم، والسلام المستدام لا يُبنى على النسيان، وإنما على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة الجناة.

إن العدالة التي ينشدها اليمنيون في قضية الأستاذ محمد قحطان وكل قضايا الاختطاف والإخفاء والقتل، ليست دعوةً إلى الكشف عن الجرائم والانتهاكات فحسب، وإنما هي حقٌ أصيل لكل مظلومٍ أن ينتصف ممن ظلمه، وهي عدالة نرجو أن تتحقق اليوم وليس غداً، وأن نعيش الإنصاف من الظلمة حقيقةً في عرصات الحياة الدنيا، فيقف المسؤولون عن الدماء والانتهاكات أمام قضاءٍ عادلٍ ينصف الضحايا، ويرد الاعتبار للمظلومين، ويؤكد أن الجرائم الكبرى لا يمكن أن تمر بلا حساب.

مع إيماننا المطلق بأن الظالم، وإن أفلت من حساب الدنيا، فلن يفلت من عدالة السماء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.

وسيقف الجميع بين يدي الله، حيث لا سلطان إلا للحق، ولا مكان للمراوغة أو التهرب من المسؤولية. وحينها تجتمع الخصوم، ويُقتص لكل مظلومٍ ممن ظلمه، وعندها سيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.

ستظل قضية محمد قحطان، كما ستظل كل قضية ظلمٍ في اليمن، شاهداً على مرحلةٍ سوداء من تاريخ البلاد، لكنها ستبقى أيضاً تذكيراً بأن الحق لا يموت، وأن ذاكرة الشعوب لا تُمحى، وأن العدالة، وإن تأخرت، تظل الوعد الذي لا يسقط بالتقادم.

_______________________________
* عضو البرلمان اليمني
** من صفحة الكاتب على فيسبوكـ

مقالات

رغم مسار التهدئة هذه الدول لن تعرف الراحة قريبا

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.