مقالات
لماذا التربة؟
التُّربَة التي قصفها الحوثيُّون بثلاثة صواريخ باليستية هي شكليًا مركز لمديريّة الشَّمايَتَيْن الريفيّة التي تنتمي لما كان يعرف بقضاء الحُجَريّة.. مجرد مركز ريفي مكتظ بالسكان.
هذه النقطة الصغيرة في جغرافيا اليمن الكبيرة لها تاريخ أكبر مع حجمها. كانت قبل ثورة 62 موئل كبار الأعيان في المنطقة، عائلة النُّعمان، التي خرج منها كما هو معهود في الدولة العثمانيّة عمومًا القائمقام المعين من السلطان العثماني فأضحت مركزًا بيروقراطيًا حتى يومنا. أخرجت التربة بواكير التنوير في المملكة المتوكليّة كما فعلت طبقة الأعيان في المجال العربي عمومًا آنذاك، ثم مع ثورة سبتمبر أنجبت الحجرية بعض رموز الجيل الذي أراد دفن الإمامة بنظامها ومعارضتها معًا متسلحًا بأيديولوجيات جديدة؛ أي أولئك الفقراء الذين تمردوا على أعيان منطقتهم بل وحتى أهلهم وأرادوا بناء جمهورية حديثة بمضامين قومية واشتراكية. وحتى وقتٍ قريب قُبيل اجتياح الحوثيّة صنعاء كانت التربة تستقبلك بلوحة تُخلّد أحد أبنائها عند مدخلها؛ قائد قوات الصاعقة وقائد معركة السبعين يومًا عبد الرقيب عبد الوهّاب. التمرُّد التقدّمي لم يكن على صُعد السلاح والسياسة بل والأدب أيضًا؛ من عائلة النعمان بل وابن كبير أعيانها الذي أعدمه الإمام أحمد خرج من رَمنَس الوطنيّة اليمنيّة وعبر عن مضامينها الحداثيّة وكتب نشيدها الوطني، وأسس للصحافة الساخرة المُرّة، كما ألحق زلزالًا في الشعر، الفصيح والعامي والغنائي، في الثقافة اليمنية
الطابع الهجين للتربة مركزًا مدينيًا صغيرًا لمحيط ريفي ملفت؛ أقيمت فيها واحدة من أولى دور السينما في اليمن كلها! كان شيوخ العُزَل حول التربة يحكون لنا كيف لعبت تلك السينما دورًا في التنوير الاجتماعي بعد الثورة. أقيم فيها فرع لجامعة تعز فترسّخ أكثر طابعها المديني لأنها شدّت إليها ريفيّين من نواحٍ كثيرة للدراسة وخاصة الفتيات اللواتي لا يتمكن اجتماعيًا من الذهاب للمدينة لاستكمال الدراسة الجامعيّة، وأقيم فيها مستشفى حمد بن خليفة (مشروع قطري) فلعبت التربة وظيفة المدينة الأوليّة: بيروقراطية ودمج اجتماعي وصحة وتعليم.
بعد اندلاع الحرب وحصار الحوثيين مدينةَ تعز نزح كثيرون إلى قراهم، وهذا يعني أن التربة أضحت المدينة البديلة للقادمين الجدد فتضخمت وشهدت عصرها الجديد بعد أن طرد الأهالي القوات الحوثيّة من التربة وسقط منهم شهداء فكانت أول مدينة تتحرر من الحوثيين في اليمن كلها بالسلاح كما قال العميد عدنان الحمادي في مقابلة صحفية معه قبل اغتياله.
في هذا السياق التاريخي يصبح مفهومًا لماذا يقصف الحوثيون بصواريخ باليستية مركزًا ريفيًا..
نقلا عن حساب الكاتب على منصة 'إكس'