مقالات
لماذا لم تتوحد الجبهات؟
تتكرر الدعوات إلى إطلاق المعركة في كل الجبهات، وهي دعوات تنطلق، في كثير منها، من إحساس وطني صادق ورغبة في إنهاء الحرب واستعادة الدولة. لكن الوطنية وحدها لا تكفي لصناعة معركة قابلة للانتصار.
المشكلة أن البلاد ليست موحدة، ولذلك لا يمكن أن يكون جيشها موحداً.
لقد قُسّمت اليمن خلال السنوات الماضية إلى كانتونات، لكل كانتون قيادته وتشكيلاته المسلحة وحساباته وأهدافه، وكثيراً ما تعارضت هذه الأهداف والمصالح بإختلاف الممولين. ولم يكن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي إلا انعكاساً سياسياً لهذا الواقع أكثر مما كان خطوة حقيقية لتجاوزه.
ولهذا فإن ما يروّجه بعض المستفيدين من الوضع القائم عن أن وحدة القرار قد تحققت بعد حل الانتقالي وإبعاد عيدروس، ليس دقيقاً. تغيير بعض القيادات العسكرية لا يعني تغيير بنية هذه التراكيب نفسها، فالكانتونات باقية، وتشكيلاتها باقية، ومصالحها المتباينة باقية.
فكيف يمكن خوض معركة وطنية واحدة بقوى لم تصبح بعد قوة وطنية واحدة؟
الحل لا يبدأ من الجبهة، بل من القيادة.
نحتاج أولاً إلى توحيد القرار السياسي عبر تعديل صيغة مجلس القيادة بما يجعل القرار الوطني واحداً، ثم يأتي بعد ذلك توحيد القرار العسكري، بإدماج جميع التشكيلات المسلحة في مؤسسة الجيش، تحت قيادة واحدة وسلسلة أوامر واحدة.
أما ما يجري اليوم، في كثير من جوانبه، فلا يشبه معركة وطنية شاملة لاستعادة الدولة، بقدر ما يشبه دفاع كل كانتون عن حدوده ومواقعه ومصالح تشكيلاته.
والحوثي يدرك هذه الحقيقة جيداً. لذلك لا يبدو أنه يخوض حرباً بهدف إسقاط هذه الكانتونات واحداً تلو الآخر، بقدر ما يستخدم الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض مع السعودية: رواتب، وفتح مطارات وموانئ، ثم أموال إعادة الإعمار.
لكن الحساب قد يتغير إذا أسقط المخا وما تبقى من تعز ومأرب، فحينها لن يكون الحوثي أمام مواجهة عسكرية مع الجنوب فحسب، بل قد يكون قد فتح الطريق عملياً أمام الانفصال، باعتباره أمراً واقعاً تفرضه الجغرافيا قبل السياسة.
وهذا خيار لم يسقط من حسابات بعض القوى الإقليمية والدولية الحليفة، وقد يجد في لحظة كهذه صدى دولياً، كما أشرنا في مقالتنا السابقة. والخطر هنا ليس فقط أن يخسر اليمنيون مزيداً من الأرض، بل أن تتحول نتائج الحرب إلى واقع سياسي جديد يصبح فيه تقسيم اليمن هو المخرج الذي يجد له الخارج مبرراته.
ولهذا فإن استعادة الدولة ليست مرحلة تالية للحرب، بل هي الشرط الذي يحول دون أن تتحول الحرب نفسها إلى مشروع لتقسيم البلاد.
لهذا نقول: قبل أن نطلق المعركة، علينا أن نصنع الطرف القادر على خوضها.
توحيد القرار السياسي أولاً، ثم توحيد القرار العسكري، وبعدها فقط تصبح المعركة معركة دولة في مواجهة الحوثي، لا معارك كانتونات متجاورة تتقاطع أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى.
هذه هي البداية الحقيقية لاستعادة الدولة، وما عداها قد يكون مجرد ضجيج معركة جديدة فوق الخراب القديم.
نقلا عن صفحة الكاتب على أكس.