مقالات

12 عاماً من حلم فبراير.. ماذا تبقى منه؟

17/02/2023, 05:58:29

بعد 12 عاما من خروج الشباب اليمني، بحثاً عن حلمهم بدولة تُلحقهم بالعالم، وفي كل ذكرى سنوية للثورة، يتجدد الجدل حولها، ويتخذ مسارات متعددة ونقاشات قديمة جديدة دون الوصول لأي خلاصات حاسمة.، غير أن كل هذا -بقدر أهميته- يظل نقاشاً له علاقة بالتاريخ أكثر من علاقته بالفكرة الجذرية للثورة. 

أما الفكرة الأساسية فهي "الحلم"، خرج الناس لدوافع كثيرة مختلطة، وكان الحلم العريض هو المحرض والدافع. لكن، ماذا عن هذا الحلم؟ هل ما يزال حاضراً؟ يصعب إطلاق وصف نيابة عن الناس.

 لكن ما هو مؤكد هو أن الوضع الآن أسوأ من زمن قيام الثورة. وإذا ما كان وضعهم السيئ آنذاك هو الدافع الذي خلق حلمهم بغد أفضل، فهذا يمنحنا مؤشراً على أن الحلم ما يزال كامناً، ربما حزيناً، وقد يكون محبطاً، وحتى لو كان قد تجاوز الإحباط نحو الكفر بالأحلام. 

ففي كل الحالات، حتى كُفر الناس بالحلم، هو تعبير عن خيبة أمل، خيبة متولدة من نقيضها، ذلك أنه لا يشعر بالخيبة إلا شخص كان لديه أمل أو رجاء بمستقبل أفضل. 

ما يعني أن حلم فبراير ما يزال هو الدافع والموجِّه، فمثلما كان الحلم بغد أفضل هو المحرك لخروج الناس في الثورة، فالحلم هو، أيضاً سبب شعورهم بالخيبة. بهذا يكون من هو كافر بالحلم يكاد يتماثل مع من لا يزال مؤمنا به؛ من حيث إن الطرفين (الكافر والمؤمن) دوافع موقفهم واحد: هو الحلم بمستقبل يليق بالإنسان اليمني، مثل بقية شعوب الأرض. 

ما فبراير؟ إنها حركة تاريخية، احتجاج عام.. هذا كلام عادي ومكرر؛ لكن ما خلاصة هذه الحركة؟ إنها خلاصة قيمية؛ نداء لتصحيح اختلال تاريخي وأخلاقي في مسار الحياة. ففي النهاية ذلك الغضب والجهد والرفض هو تعبير عن وجود خلل في طريقة تنظيم وإدارة المجتمع، ولهذا كانت فبراير. 

هل زال الخلل؟ بالطبع لا. فمسار الثورة تجمَّد، واتخذت الأحداث أبعادا جديدة؛ أحداثا ليست مفصولة عن حدث فبراير كواقعة سياسية؛ لكنها منفصلة عن فبراير كنداء أخلاقي، ولا علاقة لها بدوافع الحراك الشعبي، ولا محركه القيمي. 

لهذا يكون الاحتفاء بفبراير كل عام هو تأكيد على تلك الصرخة الأخلاقية الرافضة لتشوُّهات الواقع. فثورة فبراير لم تكن من نمط الثورات الجذرية، بمعنى أنها لم تتحوَّل لقطيعة شاملة مع النظام. بل اتخذت طابعا إصلاحيا، وحتى مع عجزها عن مواصلة خيارها هذا ظلت في جوهرها أشبه بحزمة تأكيدات أخلاقية وسياسية، يصعب صناعة أي مستقبل دون وضع اعتبار لها. 

يقول البعض: إن ثوار فبراير مجرد شباب حالمين، رومانسيين وخياليين، يفتقدون للواقعية. وهذا الوصف صحيح في شقه الأول، وباطل في شقه الثاني. هم حالمون، نعم؛ لكن الأحلام ليست نقيضاً للواقعية، بل رفض لها، أي رفض للواقع المشوّه. وما دامت التشوُّهات سارية، فإن فبراير ونهجها ما يزال هو الشفرة لمدافعة هذا السُّوء بكل الطُّرق الممكنة. 

الخلاصة: الثورة كحدث شعبي وتاريخي هائل هي أرضية تُفجر كل التصورات السارية في الواقع، لا تحدث هزة في الجانب السياسي فحسب، بل وتفتح فضاءً جدلياً في كل المجالات، دينياً وأخلاقياً وفلسفياً، أشبه بانشطار نووي، حتى بعد أن يتلاشى ظاهرياً تظل آثاره حاضرة، تُحدث شرخاً هنا وهناك، وتتواصل التفاعلات بما ينفي أي قدرة على تجاوزها. 

فبراير خلقت أفقاً جديداً في مسار التاريخ اليمني، في الذاكرة المعنوية للبلاد. وحتى بعد أن صارت الثورة شبه متلاشية، لكنها تظل كفكرة وكحلم، كحدث مركزي في الواقع السياسي اليمني تظل أشبه بلافتة خلفية تؤثر في الوعي واللاوعي السياسي، وتوجهه بطُرق خفيَّة. ومن يظنها مجرد تظاهرة عابرة حدثت وانتهت سوف يتفاجأ بها حين تنبثق مجدداً من ألف جدار وجدار.

مقالات

السياسة التربوية والتعبوية للحوثيين.. سوسيولوجيا إعادة تشكيل الوعي والهوية (1-5)

في علم الاجتماع السياسي لا تُفهم المدرسة بوصفها فضاءً محايداً لنقل المعرفة... بل باعتبارها إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. فهي الموقع الذي تتقاطع فيه السلطة بالثقافة والمعرفة بالانتماء، حيث يتم صياغة علاقة الفرد بذاته ومجتمعه ووطنه... ومن هذا المنظور؛ يصبح التعليم مجالاً حاسما في أي مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الاجتماعية، سواء عبر ترسيخ قيم جامعة أو عبر إعادة تعريفه

مقالات

مشهد ما بعد الانتقالي وحجم التغيير العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية .. شبوة نموذجاً

في السياسة يمكن تأجيل الاستحقاقات، وفي الإعلام يمكن إعادة تدوير السرديات، لكن في الميدان لا مكان للوهم. هناك، تُقاس التحولات بالانتشار والتحرك، والانسحاب، والمعسكرات التي تُسلَّم، والقيادات التي تُستبدل، والخرائط التي يُعاد رسمها بهدوء.

مقالات

الأمم المتحدة في اليمن تآكل أدوات التأثير

جاءت إحاطة هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن امس الثلاثاء بلهجة حذرة وروتينية، أعادت تدوير المفردات التي صارت ملازمة للخطاب الأممي حول اليمن على شاكلة خفض التصعيد وحماية الملاحة، ودعم الاقتصاد والإفراج عن المحتجزين، والحفاظ على مسار السلام.

مقالات

ماذا تصنع قوات طارق في الوازعية؟

كل المؤشرات المرتبطة بالتصعيد غير المنضبط في مديرية الوازعية تبرهن على أن قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله صالح، ترتكب أخطاء قاتلة في هذه المديرية التي يُعرف أهلها بقدر كبير من الصلابة في الدفاع عن كرامتهم وحريتهم، وقد أثبتوا خلال السنوات العشر الماضية جدارة في القتال ضمن المقاومة الشعبية في مواجهة جماعة الحوثي الانقلابية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.