مقالات
القومية المسيحية في أمريكا وتأثيرها في السياسة الخارجية
تعيد القومية المسيحية صياغة المشهد الأمريكي إلى ما هو أبعد من مجرد السياسة الانتخابية. فهذه الحركة تجمع بين منظمات اليمين الديني الراسخة، والشبكات "الكاريزماتية" الحديثة، والمدافعين عن أحكام الشريعة التوراتية، والدعاة الكاثوليك الساعين لنظام عام طائفي، فضلا عن الكنائس المحلية النشطة سياسيا.
وترسم هذه المقالة معالم خريطة لهؤلاء الفاعلين المتنوعين، وتحدد الأفكار التي تجمعهم، كما تدرس كيف يمكن لنفوذهم المتنامي أن يلقي بظلاله على الديمقراطية الأمريكية، والدبلوماسية، والعلاقات مع الدول غير المسيحية، وصولا إلى دعم إسرائيل والحرب على إيران.
لا تمثل القومية المسيحية تنظيما بعينه أو لاهوتا موحدا، بل تعد بيئة أيديولوجية يتشارك المنضوون تحت لوائها قناعة راسخة بأن أمريكا أمة مسيحية بامتياز، أو هكذا ينبغي لها أن تكون، وبأن قوانينها ومؤسساتها وهويتها العامة لا بد أن تعكس التفسير الذي يفضلونه للمسيحية.
ولا يعد هذا مرادفا للديانة المسيحية في حد ذاتها، أو للانخراط السياسي المسيحي، أو حتى للتيار المحافظ دينيا. فلطالما شارك المسيحيون في حركات متباينة، بدءا من الدعوة لإلغاء العبودية ودعم الحقوق المدنية، وصولا إلى الأنشطة المناهضة للحرب وحملات العدالة الاقتصادية.
بيد أن القومية المسيحية تبدأ حين تتجاوز المسيحية كونها مجرد مصدر للضمير الشخصي؛ لتصبح معيارا يحدد من يمثل أمريكا الحقيقية، وتعين القيم التي يجدر بالحكومة تفضيلها، وتصنف من يستحق الانتماء الكامل للأمة.
لا تعد هذه الحركة وليدة اللحظة، إذ تمتد جذورها لتشمل أفكار التطهيريين حول "الأمة المختارة"، واللغة الدينية لمفهوم "القدر المتجلي"، والدفاع التوراتي عن الفصل العنصري، وصولا إلى صعود اليمين الديني في أواخر القرن الـ 20.
غير أن الجديد اليوم يكمن في التنوع المؤسسي والسرعة الفائقة التي تنتقل بها أفكار الحركة عبر الكنائس، والحملات، والمنصات الرقمية، ومجالس الإدارات المدرسية، وحتى أروقة الحكومة.
من اليمين الديني إلى فضاء أوسع
لا يزال الوجه الأكثر حضورا واعتيادا هو المؤسسة الإنجيلية المحافظة، التي تحولت إلى قوة سياسية عاتية في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الـ20.
إذ تسعى منظمات مثل "مجلس أبحاث الأسرة" و"ائتلاف الإيمان والحرية" إلى تعبئة الناخبين حول قضايا كالإجهاض، والجنسانية، والجندر، والتعليم، ومطالب الحرية الدينية. ومع ذلك، لا يشكل الإنجيليون المحافظون كتلة متجانسة؛ إذ تبرز نقطة الخلاف حين تتجاوز الدعوة لسياسات معينة حدها، لتتحول إلى ادعاء بأن الولايات المتحدة تمتلك هوية مسيحية أصيلة يجب على الحكومة الدفاع عنها رسميا.
لقد اعتمد اليمين الديني التقليدي بشكل كبير على المنظمات الوطنية، وجماعات الضغط، وحملات تسجيل الناخبين، والتحالفات المتينة مع الحزب الجمهوري. أما الفضاء الأحدث، فيضم أيضا كنائس (وزارات) مستقلة، وجماعات سياسية محلية، ورواد أعمال في مجال الإعلام، وشبكات للتعليم المنزلي، ومدافعين قانونيين، ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، يعمل الكثير منهم بمعزل عن أي إشراف طائفي تقليدي.
وباتت الدراسات الأكاديمية تتعاطى على نحو متزايد مع هذه التيارات بوصفها "قوميات مسيحية" متعددة؛ أي تيارات لاهوتية متباينة، لكنها قادرة على التقارب والالتحام سياسيا.
لاهوت الهيمنة "الكاريزماتي" و"تفويض الجبال الـ7″
وينبثق تيار آخذ في الاتساع من رحم الشبكات "الكاريزماتية" والخمسينية المستقلة، التي تشدد على مفاهيم النبوة، والحرب الروحية، والشفاء الإلهي، والتدخل المباشر للإله في شؤون السياسة. وفي هذا الإطار، قد لا تستمد السلطة شرعيتها من الطوائف التقليدية، بقدر ما تستمدها من الرعاة المؤثرين، والرسل، والأنبياء، والمؤسسات الدينية المترابطة رقميا.
ويروج مبدأ "تفويض الجبال الـ7″، في أوساط هذا التيار، لفكرة مفادها أن المسيحيين مطالبون بالتأثير على 7 مجالات حيوية، أو الهيمنة عليها وفقا للتفسيرات الأكثر تشددا، وهي: الحكومة، والتعليم، والإعلام، والأعمال، والأسرة، والدين، والفنون والترفيه.
وهو توجه يتجاوز مجرد الحث على المشاركة المدنية، لتتحول معه الانتخابات، والمنافسات على عضوية مجالس الإدارات المدرسية، والحملات الإعلامية، إلى ساحات لصراع روحي. بل قد لا ينظر إلى المعارضين السياسيين كمواطنين شركاء يتبنون آراء مغايرة، بل كأعداء لإرادة السماء. وحين يصبح الهدف تكليفا إلهيا، فإن أي تسوية تعد عصيانا، والهزيمة الانتخابية ترادف الاضطهاد أو الفساد.
القومية الكالفينية وإعادة البناء المسيحي
ويبرز تيار ثان من رحم بعض أقسام التقليد الإصلاحي. إذ يرى هذا التيار، في نسخته الأكثر تصلبا (إعادة البناء المسيحي أو الثيوقراطية)، أن الحياة برمتها، بما في ذلك الحكومة المدنية، يجب أن تخضع للقانون الإلهي. ويطرح هذا التوجه، المرتبط تاريخيا بـ"روساس جون راشدوني"، حجة منهجية ترمي إلى إعادة تنظيم المؤسسات العامة وفقا لأحكام الشريعة التوراتية.
ورغم أن أغلب الكالفينيين والمسيحيين الإصلاحيين يرفضون حركة "إعادة البناء"، فإن بعض أطروحاتها باتت تحظى بانتشار أوسع اليوم، كفكرة استحالة الحياد الديني، والقول بأن التعددية الليبرالية تمنح العلمانية امتيازات غير مستحقة، وضرورة أن يستعيد المسيحيون زمام المؤسسات الوطنية.
وفي حين يتحدث دعاة الهيمنة الكاريزماتية بلغة النبوة والحرب الروحية، يميل القوميون الكالفينيون غالبا إلى استدعاء مفاهيم النظام، والعهد، والتسلسل الهرمي، والقانون. ورغم تباين مساراتهما، إلا أن كلا التيارين يتصوران دولة ترعى شكلا واحدا من المسيحية، وتقيد الممارسات التي تعد منافية لنظامها الأخلاقي.
الدعاة الكاثوليك لنظام عام طائفي
ويبرز وجه ثالث ضمن مجتمع صغير، بيد أنه مؤثر فكريا، من المفكرين الكاثوليك (غالبا ما يطلق عليهم التكامليون)، الذين يترافعون عن نظام عام طائفي. فهؤلاء يرفضون افتراض ضرورة بقاء السلطة السياسية على الحياد الديني، مجادلين بأن المؤسسات العامة ملزمة بدعم الحقيقة الأخلاقية والدينية الكاثوليكية، مع إخضاع السلطة الزمنية، في جوانب معينة، لتوجيهات السلطة الروحية.
ولا يمثل هؤلاء الكاثوليكية ككل؛ إذ يظل العديد من الكاثوليك أوفياء للتعددية الدستورية، والحرية الدينية، والفصل المؤسسي بين الكنيسة والدولة. وما يميز هذا التيار هو تشكيكه في قدرة الديمقراطية الليبرالية، بالتزاماتها نحو الحياد الديني والاستقلالية الفردية، على استدامة الصالح العام.
وعلى الرغم من الهوة العميقة التي تفصله عن البروتستانتية الكاريزماتية، فإنهما قادران على التلاقي والتعاون في معارضة العلمانية، والإجهاض، والحقوق الجندرية والجنسية، والتفسيرات الفضفاضة للحرية الفردية.
الكنيسة المحلية كآلة سياسية
ولعل الوجه الجديد الأشد تأثيرا يتمثل في الكنيسة ذات الجذور المحلية، التي تعمل في آن واحد كمجتمع للعبادة، ومنصة للإنتاج الإعلامي، ومركز ثقافي، وشبكة سياسية. ويجلي تقرير "راشيل مونرو" الصادر عام 2026 حول "كنيسة ميرسي كالتشر" في فورت وورث، معالم هذا النموذج. فذراعها السياسي "من أجل الحرية والعدالة" يدعم المرشحين الملتزمين برؤية حكومية مشبعة بالدين، وقد أسهمت، بحسب مجلة "نيويوركر"، في مساعدة أكثر من 100 مرشح على الفوز بمناصب عامة.
وتخلق العبادة في هذا السياق هوية مجتمعية متماسكة، في حين تتولى العظات تقديم التفسيرات السياسية، وتتكفل المنصات الرقمية بنشر الرسالة، بينما تنهض المنظمات التابعة بمهمة تجنيد المرشحين ودعمهم. وهكذا، تتحول الكنيسة إلى بنية تحتية مدنية بديلة، تؤطر ضمنها المشاركة السياسية بوصفها واجبا دينيا مقدسا.
وتبقى الحدود القانونية في هذا المضمار محط نزاع؛ إذ يحظر "تعديل جونسون" على المنظمات المعفاة من الضرائب، بما فيها الكنائس، تأييد المرشحين أو معارضتهم. وفي عام 2025، اقترحت دائرة الإيرادات الداخلية معاملة بعض أشكال التأييد خلال الطقوس الدينية بوصفها اتصالات داخلية محمية، غير أن قاضيا فدراليا رفض إقرار هذه التسوية في مارس/آذار 2026. ولا يزال القانون ساريا، رغم أن التراخي في إنفاذه والضغوط السياسية قد نالا من أثره الرادع.
الأفكار التي توحد صفوف الحركة
تتشارك هذه الحركات، على الرغم من تبايناتها، في جملة من الالتزامات. يتجلى أولها في سردية الأصول الوطنية: إذ يعتقد أن أمريكا تأسست كأمة مسيحية، غير أن هدفها الأصيل تعرض للطمس أو المصادرة. وتعمل هذه الرؤية على إخضاع التنوع الديني للمؤسسين الأوائل، والرفض الدستوري لإرساء دين رسمي، وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم، وتاريخ العبودية، وإشكاليات المواطنة المتنازع عليها، لسردية شاملة تتمحور حول فقدان البوصلة المسيحية.
ويتمثل الالتزام الثاني في سياسة الحدود الثقافية؛ حيث يربط مفهوم "الأمريكيين الحقيقيين" بالمسيحية المحافظة، والأدوار الجندرية التقليدية، والبناء الأسري القائم على المغايرة الجنسية، إلى جانب سردية محددة عن الحضارة الغربية. ووفق هذا المنظور، قد يحمل اليهود، والمسلمون، وغير المؤمنين، والمسيحيون التقدميون، والمهاجرون، وسائر الأقليات، جنسية رسمية، لكنهم يظلون قابعين على هوامش الأمة الأخلاقية المتخيلة.
أما الالتزام الثالث فيتجلى في مظلومية شعبوية؛ إذ يصوَر فقدان الهيمنة الثقافية على أنه اضطهاد ممنهج تمارسه النخب العلمانية، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمهاجرون، أو الأقليات الجنسية. وهكذا، يستحيل القلق إلى غاية جماعية، وتصبح مساعي استعادة السلطة السياسية بمنزلة استعادة دينية.
ويتجسد الالتزام الرابع في التماهي بين السلطة الدينية وسلطة الدولة. فلا ينحصر الهدف في مجرد حرية ممارسة الشعائر المسيحية والدعوة إليها، بل يتخطاه نحو اكتساب سلطة تفضيلية تتيح رسم معالم الهوية الوطنية، وترسيخ رؤية أخلاقية أحادية في نسيج القانون والتعليم والإدارة.
وأخيرا، طالما تميل هذه التيارات إلى تبني فكرة "القيادة العناية الإلهية"؛ حيث لا يعول كثيرا على سلوك القائد، بقدر ما يعول على الإيمان بأن العناية الإلهية قد اصطفته أو سخرته لاستعادة مجد الأمة. وهو ما يفسر ذلك الولاء السياسي العتيد الذي يصمد أمام سلوكيات تتناقض مع المعايير الأخلاقية المعلنة للحركة.
رسم خريطة النفوذ والسلطة، لا مجرد المعتقد
تقيس استطلاعات الرأي، من قبيل "أطلس القيم الأمريكية" الصادر عن مركز أبحاث الدين والحياة العامة ، مدى تبني الأمريكيين للقومية المسيحية أو استيعابهم لها، أو حتى مقاومتهم ورفضهم إياها. بيد أن هذه الاستطلاعات تقف قاصرة عن كشف المدى الحقيقي لتغلغلها.
فرسم خريطة السلطة يقتضي التساؤل عمن يتولى تدريب المرشحين، ويمول المعارك القضائية، وينتج المحتوى الإعلامي، ويتحكم في المناهج التعليمية، ويقدم المشورة للمسؤولين، ويترجم اللاهوت إلى سياسة. ففي وسع أقلية بالغة التنظيم أن تمارس نفوذا يفوق أعدادها بأشواط.
ولا ينبغي للاهتمام أن يقتصر على الشخصيات البارزة، بل يجب أن يمتد ليشمل التعيينات في مجالس الإدارات المدرسية، وصياغة المناهج الدراسية، وقواعد التصويت، والإستراتيجيات القضائية، فضلا عن المساعي الرامية إلى توسيع نطاق الإعفاءات الدينية لتشمل الرعاية الصحية العامة، أو سياسات التوظيف، أو متطلبات مكافحة التمييز.
ورغم أن التكيف الديني يعد حماية حيوية لحرية الضمير وعقائد الأقليات، فإن المخاوف تطل برأسها حين يصار إلى توسيع نطاقه، بما يخول المؤسسات فرض تبعات معتقداتها على الموظفين، أو المرضى، أو عموم الجمهور.
وعليه، فإن السؤال الديمقراطي المطروح لا يتعلق بما إذا كان يجدر بالمواطنين المتدينين الانخراط في المعترك السياسي؛ فهذا واجب عليهم بصفتهم مواطنين متساوين في مجتمع تعددي. بل يكمن السؤال الجوهري فيما إذا كان يحق لمجتمع بعينه أن يستأثر بحق مميز يخول له تحديد معايير الانتماء واحتكار سلطة الدولة.
ولا يقل السؤال اللاهوتي خطورة عن نظيره الديمقراطي: فمتى ما غدت المسيحية أداة لفرض الهيمنة السياسية، فإن الشهادة الدينية قد تخلي مكانها للإكراه، والإيمان قد يتوارى لصالح الهوية الجماعية.
والمفارقة أن بعض أشرس منتقدي القومية المسيحية هم أنفسهم مسيحيون، ممن يرون في هذا الدمج إفسادا للدين، بل وانحرافا يصل حد الوثنية بالإنجيل. ومن هنا، فإن رجال الدين، وعلماء اللاهوت، والحركات العلمانية المنافحة عن التعددية، يعدون جزءا أصيلا من هذه الخريطة.
عندما تصوغ القومية المسيحية السياسة الخارجية
لا يقف تأثير القومية المسيحية عند الحدود الأمريكية؛ فكما أنها ترسم معايير الانتماء داخليا، فإنها تحدد أيضا هوية الدول التي تتبدى كحلفاء طبيعيين، وتلك التي ينظر إليها بعين الريبة، وتصنف النزاعات لتقرر أيها يعد مجرد خلاف سياسي، وأيها يرقى ليكون صراعا بين قوى الخير والشر.
بيد أن هذه القومية لا تتمخض عن سياسة خارجية أحادية يسهل التنبؤ بمساراتها. ففي حين يشجع أحد تياراتها فكرة التدخل الخارجي، منطلقا من إيمانه بأن أمريكا أمة استثنائية منوط بها الدفاع عن لواء الحرية؛ يدعم تيار آخر شعار "أمريكا أولا"، مبديا توجسه من التحالفات، والمنظمات الدولية، والالتزامات الخارجية. غير أن كلا التيارين يفترضان أن أمريكا تتبوأ مكانة خاصة في التاريخ، وأنه ينبغي لها التمتع بحرية استثنائية لتقرير متى وكيف، ووفق أي قواعد، تستخدم نفوذها وقوتها.
ويطرح كتاب ماثيو ماكولو الموسوم بـ"صليب الحرب: القومية المسيحية والتوسع الأمريكي في الحرب الإسبانية الأمريكية"، تحذيرا تاريخيا بليغا. إذ يبرز كيف سوغ القادة المسيحيون تدخل عام 1898 بوصفه تضحية وطنية بالنفس، مجادلين بأن أمريكا لم تكن تلهث وراء السلطة، بل نهضت لخدمة المظلومين. ويطلق ماكولو على هذا النهج مصطلح "التدخل المسيحاني"؛ أي الاعتقاد الراسخ بأن أمريكا قادرة، بل وملزمة، بالتدخل الإيثاري لصالح الدول الأخرى.
غير أن تلك الحرب، التي سوِغَت بتحرير كوبا، أفضت في نهاية المطاف إلى خضوع أقاليم ما وراء البحار، وفي طليعتها الفلبين، لحكم الولايات المتحدة. لقد ساعدت الثقة الدينية آنذاك في تقديم المصلحة الوطنية، والقوة العسكرية، والتوسع الإقليمي، في قالب من نكران الذات والخدمة الجليلة.
ولا يجزم هذا السرد التاريخي بأن القومية المسيحية المعاصرة ستعيد إنتاج السيناريو ذاته، بل يسلط الضوء على الخطر المتمثل في إضفاء طابع القداسة على العمل العسكري بوصفه مهمة إلهية؛ ففي ظله، يسهل التغاضي عن معاناة المدنيين، وتبرير الفشل الإستراتيجي، وتمرير المصلحة الذاتية. حينها، قد تبدو الدبلوماسية ضعفا، والتسوية استرضاء، والمعارضة مقاومة للبر والصلاح.
ولا تبتعد هذه السيناريوهات كثيرا عن لغة الخطاب الراهن لوزير الدفاع الأمريكي الحالي، "بيت هيغسيث"، فضلا عن الخطابات الرائجة عبر مختلف الأطياف السياسية الأمريكية إبان كتابة هذا المقال.
ويقدم بول دي ميلر تحذيرا ذا صلة في كتابه "دين العظمة الأمريكية"، حيث يصف "موقفا استملاكيا" ينظر من خلاله المسيحيون إلى أنفسهم بوصفهم المهندسين الأوائل والأوصياء الرئيسيين على أمريكا، مما يمنحهم الحق في تحديد مستقبلها. وفي موضع آخر، يعقد مقارنة بين أمريكا التي تعرَف بمبادئ سياسية مشتركة، وتلك التي تعرَف بموروث ثقافي وديني. إذ يميل النموذج الثاني إلى تبني منافسة صفرية، وإبداء شكوك عميقة إزاء التحالفات، والتعاون الدولي، والمؤسسات متعددة الأطراف.
ويثير إطار ميلر تساؤلا دبلوماسي بدلا من تقديم نتيجة مختبرة: إذا ما أصبح التقارب الديني مقياسا للانتماء في الداخل، فهل سينسحب ذلك على انتقاء الدول الموثوقة في الخارج؟ وفق هذا المنظور، قد تعامل الدول المصنفة ضمن ما يسمى "اليهودية المسيحية" كأعضاء في حضارة مشتركة، بينما ينظر إلى المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة في المقام الأول كبؤر تهديد.
والحال أن العمل الدبلوماسي الفعال يقتضي الإقرار بتواريخ الدول الأخرى، ومصالحها، ووكالتها الأخلاقية؛ غير أن القومية الدينية تخاطر بتقسيم العالم بين أولئك المنضوين داخل النظام الذي تفضله أمريكا، ومن يقبعون خارجه.
وتعزز الأبحاث التي أجراها كل من "أندرو وايتهيد"، و"صموئيل بيري"، و"جوزيف بيكر" من حدة هذا القلق؛ إذ يرتبط دعم القومية المسيحية بتنامي الشكوك تجاه المسلمين، والمهاجرين، واللاجئين في الشرق الأوسط. ورغم أنه لا يمكن إسقاط المواقف الفردية ببساطة على السياسة الحكومية، فإنها قادرة على تشكيل الدعم العام لسياسات تفسر الدول ذات الأغلبية المسلمة عبر عدسات التطرف، وعدم التوافق الثقافي، والخطر الدائم.
إسرائيل وإيران.. وإضفاء الطابع المقدس على الصراع
تتطلب علاقة أمريكا بإسرائيل رعاية خاصة. إذ لا تؤسس الأعمال المدروسة في هذا السياق لخط سببي مباشر يربط بين القومية المسيحية والسياسة الأمريكية، بل تدفعنا للتساؤل: ماذا يحدث عندما لا ينظر إلى إسرائيل كحليف إستراتيجي ودولة يحق لها الأمن فحسب، بل كجزء أصيل من تاريخ مسيحي مقدس؟ حينها، قد يصبح دعم الحكومة الإسرائيلية التزاما دينيا، وتغدو أي محاولة للنقد مشتبهة لاهوتيا. وفي غمرة ذلك، قد يتم الخلط بين الدولة الحديثة وإسرائيل التوراتية، في حين تتراجع حقوق الفلسطينيين، بمن فيهم المسيحيون الفلسطينيون، لتصبح ثانوية مقارنة بسرد مقدس ومحسوم سلفا.
ويوفر موقف "ميلر" نفسه تباينا لافتا؛ فرغم أنه يعتبر إيران وحلفاءها تهديدا خطيرا، ويصف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأنه مواجهة بالوكالة بين إسرائيل وإيران، فإنه يصر في المقابل على إخضاع إسرائيل لمتطلبات العدالة في الحرب، مؤكدا أن يشمل السلام كلا من "إسرائيل السيادية الآمنة والمستقلة" و"فلسطين السيادية الآمنة والمستقلة". فدعم الحليف لا يلغي واجب التدقيق في استخدامه للقوة، أو في التسوية التي يسعى لإبرامها.
وتجعل احتمالات الحرب على إيران هذا الخطر أكثر إلحاحا. ورغم أن هؤلاء المؤلفين لا يقدمون تفسيرا جماعيا للحرب، فإن إسهاماتهم تساعد في كشف خطر تصوير صراع جيوسياسي على أنه صراع ديني ضار بين أمريكا المسيحية، وإسرائيل ذات الأهمية التوراتية، وعدو إسلامي. وفي كنف سردية أبوكاليبسية (نهاية العالم) أو عناية إلهية، تصبح المفاوضات خيانة، وضبط النفس فشلا في مواجهة الشر، والتصعيد طاعة لغاية أسمى. وتختفي حكومة إيران، ومجتمعها المعقد، وسكانها المتنوعون خلف ستار من التهديد الديني غير المتمايز.
ولعل العاقبة الدولية الأخطر للقومية المسيحية تكمن في قدرتها على جعل الخيارات السياسية تبدو وكأنها مقدرة إلهيا. لكن الحرب على إيران تكشف عن أمر أكبر: وهو التحول الجذري في كيفية فهم الجغرافيا السياسية المعاصرة الآن.
"يحدد أمن أي دولة في نهاية المطاف من خلال الخيارات الإستراتيجية لقادتها، وليس بواسطة قوى هيكلية عمياء. ويسمح لنا فحص أمن الخليج عبر عدسة الواقعية الأخلاقية بتطوير صورة أوضح للمشهد الجيوسياسي المعاصر، وهو مشهد يتشكل بشكل حاسم من قبل صناع القرار الأفراد". [البروفيسور جان شياوتونغ في الجزيرة]
وكما يوضح البروفيسور شياوتونغ، يمثل هذا الطرح جوهر ادعاء "الواقعية الأخلاقية". فالجغرافيا، والقدرات العسكرية، والتحالفات، والمؤسسات مجتمعة تمهد الظروف التي تعمل الدول في فلكها، لكنها لا تحدد خيارات القادة. فقد استمرت الظروف المحيطة بإيران وإسرائيل والخليج لعقود طويلة دون أن تنتج هذه الحرب. وما تغير حقا هو قيادة "دونالد ترمب" و"بنيامين نتنياهو". ويجادل بأن الواقعية الأخلاقية تفسر الحاضر بشكل أكثر إقناعا من النظريات التي تعامل القادة كأدوات طيعة في يد هياكل غير شخصية.
وتحمل الواقعية الأخلاقية مضامين واقعية تدعو للتأمل. فإذا كان القادة الأفراد يقررون الآن مصائر الحرب والسلام بشكل أكثر حسما من المعاهدات، أو المؤسسات، أو المحظورات القانونية، فإننا إذن نشهد نهاية حقبة القانون الدولي؛ ليس لاختفاء نصوصه، بل لأن ادعاءه بتقييد الدول القوية قد أفرغ من مضمونه. لتستحيل القوانين مفردات تستدعى ضد الخصوم وتعلق لإرضاء الحلفاء، بدلا من أن تكون التزاما مشتركا.
وتسرع القومية المسيحية وتيرة هذا التمزق؛ إذ من خلال دمجها للاستثنائية الوطنية بالغاية الإلهية، يمكنها تحرير القادة من أعباء المساءلة الأخلاقية والقانونية العادية، لتصبح الدبلوماسية ضعفا، والتسوية خيانة، والعنف دعوة أسمى.
بيد أن الحروب تبقى قرارات بشرية، والأعداء بشرا. وإلى أن يتمكن القانون الدولي من تقييد الأقوياء بالقدر ذاته الذي يقيد به الضعفاء، فإن الواقعية الأخلاقية ليست مجرد طريقة واحدة لتفسير الجغرافيا السياسية العالمية، بل إنها التفسير الأوضح لعالم يحكمه طابع القادة وخياراتهم، وتحذير جلي من أن عصر النظام الدولي الذي تحكمه القوانين ربما يكون قد أفل بالفعل.
نقلاً عن الجزيرة نت