مقالات
اليمن ليس بديلًا لهرمز: ممرات الطاقة لا تُبنى فوق فراغ السيادة
يفتح مقال السفير البريطاني السابق لدى اليمن نقاشًا مهمًا حول أمن المضائق وبدائل هرمز، لكنه ينزلق إلى رؤية تختزل اليمن في وظيفته الجغرافية. فالسؤال ليس ما إذا كان الخليج يحتاج إلى منافذ بديلة، فهذا أمر مفهوم في ظل هشاشة المضائق، بل ما إذا كان يمكن تمرير مشروع بهذا الحجم عبر بلد لم يستعد دولته بعد. أي ممر طاقة عبر المهرة أو حضرموت لن يكون خطًا هندسيًا على الخريطة، بل ترتيبًا سياديًا وأمنيًا واقتصاديًا يعيد توزيع القوة داخل اليمن. ومن دون دولة يمنية ضامنة، وتوافق محلي، وتسوية سياسية شاملة، قد يتحول المشروع من فرصة للتكامل إلى بؤرة نزاع جديدة.
في مقاله عن إمكانية أن يساعد اليمن في تجاوز مضيق هرمز، ينطلق السفير البريطاني السابق لدى اليمن من سؤال مشروع: كيف يمكن لدول الخليج تقليل اعتمادها على مضيق صار، مع كل تصعيد إقليمي، نقطة اختناق للطاقة والتجارة والأسواق؟
السؤال وجيه. فهرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل ورقة ضغط استراتيجية في صراع أوسع بين إيران وخصومها. كما أن البحر الأحمر وباب المندب لم يعودا أكثر أمنًا بعد دخول الحوثيين على خط الملاحة الدولية. ومن حق دول الخليج أن تبحث عن بدائل تقلل هشاشتها أمام المضائق والحروب.
لكن وجاهة السؤال لا تعني سلامة الإجابة.
فالمقال، وهو يتتبع احتمالات مدّ ممر طاقة عبر حضرموت أو المهرة إلى بحر العرب، يتعامل مع اليمن كأنه حل جغرافي لأزمة خليجية. هنا تبدأ المشكلة. اليمن ليس أرضًا خالية بين الخليج والمحيط الهندي. إنه بلد ممزق، متعدد السلطات، مثقل بالحرب، وتتنازع قراره قوى داخلية وخارجية، ويعيش أزمة سيادة قبل أن يعيش أزمة بنية تحتية.
لذلك لا يكفي أن يكون المسار ممكنًا هندسيًا كي يصبح ممكنًا سياسيًا. فالأنابيب لا تمر فوق الرمل وحده، بل تمر فوق الذاكرة المحلية، والقبائل، والموانئ، وموازين القوة، وأسئلة الثروة، ومن يملك حق القرار.
ليست المشكلة في التعاون الإقليمي. اليمن يحتاج إلى استثمارات كبرى، وربط كهربائي، وموانئ حديثة، ومناطق صناعية، وشبكات نقل، وانفتاح اقتصادي على الخليج والعالم. المشكلة تبدأ حين يُطرح التعاون من موقع الحاجة الخليجية لا من موقع المصلحة اليمنية، وحين يتحول البلد إلى ممر وظيفي قبل أن يستعيد صفته كدولة.
في المهرة، لا يمكن فصل أي حديث عن خط أنابيب عن التجربة التي عاشتها المحافظة منذ 2017. الوجود العسكري السعودي، السيطرة على المنافذ، الحضور حول ميناء نشطون ومطار الغيضة، وتجنيد تشكيلات محلية، كلها خلقت حساسية عميقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع المهري. لم يكن الرفض المحلي رفضًا للتنمية، بل خوفًا من أن تتحول المحافظة الهادئة إلى منطقة نفوذ طويلة الأمد تحت عنوان الأمن والطاقة.
وحضرموت ليست أقل حساسية. فهي محافظة ذات ثقل اقتصادي ورمزي، وفيها موارد وموانئ وساحل طويل، لكنها أيضًا ساحة تنافس بين قوى محلية ومشاريع جنوبية وتشكيلات أمنية ونفوذ خارجي. إدخال مشروع طاقة عابر للحدود في بيئة كهذه قد يكون مدخلًا للتنمية إذا جاء ضمن دولة واضحة ومؤسسات شرعية وتوافق محلي. وقد يتحول إلى وقود صراع إذا جاء كترتيب فوقي تحرسه القوات وتديره المصالح الخارجية.
أضعف فرضية في المقال هي الرهان على أن المصالح الاقتصادية يمكن أن تُهذب سلوك الحوثيين أو تدمجهم في معادلة استقرار. هذه قراءة تتجاهل ما جرى خلال السنوات الأخيرة. الحوثيون لم يعودوا فاعلًا محليًا يبحث عن نصيب داخل الدولة فحسب، بل صاروا جزءًا من معادلة ردع إقليمية. البحر الأحمر بالنسبة لهم ليس طريق تجارة، بل منصة ضغط. والموانئ ليست مرافق اقتصادية فقط، بل أوراق سيادة وقوة.
حين استهدفوا موانئ الضبة والنشيمة في 2022، لم يكن الهدف تحسين شروط التفاوض المالي فقط. كانت الرسالة أوضح: لا صادرات، ولا موارد، ولا قرار اقتصادي خارج ميزان القوة الذي تفرضه الجماعة. والنتيجة كانت شل صادرات النفط، وخنق الحكومة المعترف بها دوليًا، وتعميق الانهيار الاقتصادي. هذه ليست عقلانية شريك اقتصادي، بل منطق سلطة مسلحة ترى الثروة امتدادًا للحرب.
من هنا، فإن أي ممر طاقة عبر اليمن لن يكون بمنأى عن الحوثيين. كلما زادت أهميته للخليج والأسواق الدولية، زادت قابليته لأن يصبح هدفًا للابتزاز أو التخريب أو التهديد. وما يُطرح باعتباره بديلًا لهشاشة هرمز قد ينتهي إلى نقل الهشاشة نفسها إلى المهرة أو حضرموت.
ثم إن مشروعًا بهذا الحجم لا يعيش من دون حماية. والحماية تعني ترتيبات أمنية، وقوات محلية، ومراقبة جوية وبحرية، وتنسيقًا استخباراتيًا، وربما وجودًا عسكريًا طويل الأمد. عند هذه النقطة لا يعود الحديث عن خط أنابيب، بل عن بنية نفوذ. ومن هنا تبرز الأسئلة التي لا يجوز تأجيلها:
من يحمي الخط؟
من يدير الميناء؟
من يتلقى رسوم العبور؟
من يملك حق المراجعة أو الاعتراض؟
ومن يضمن ألا تتحول المحافظات الشرقية إلى مجال أمني مغلق باسم حماية الطاقة؟
هذه الأسئلة هي جوهر النقاش. تجاوزها يجعل المشروع يبدو نظيفًا على الورق، لكنه ملغّم في الواقع.
كما أن استدعاء نماذج التكامل الاقتصادي، سواء في أوروبا أو في تجارب الربط العابر للحدود، يحتاج حذرًا أكبر. التكامل لا يقوم في الفراغ. أوروبا بنت شبكاتها فوق دول ومؤسسات وقانون. أما اليمن اليوم فما يزال يبحث عن دولة واحدة، وجيش واحد، وخزانة واحدة، وقرار سيادي واحد. وفي الدول الهشة، لا تتحول البنية التحتية الكبرى تلقائيًا إلى سلام؛ كثيرًا ما تتحول إلى غنيمة، أو هدف، أو سبب جديد للصراع.
حتى تجربة السودان وجنوب السودان تصلح للتحذير أكثر مما تصلح للإغراء. فقد خلق النفط اعتمادًا متبادلًا، لكنه ظل هشًا أمام انهيار الثقة والحرب. وكذلك مشروع الغاز اليمني المسال ربط مأرب بشبوة وخلق مصلحة اقتصادية عابرة للمناطق، لكنه لم يمنع الحرب ولم يحمِ المشروع من التعطيل. الموارد لا تصنع الاستقرار بذاتها. الدولة هي التي تفعل ذلك.
لهذا ينبغي قلب السؤال.
ليس: كيف يساعد اليمن الخليج على تجاوز هرمز؟
بل: كيف يمكن لأي مشروع إقليمي أن يساعد اليمن على استعادة دولته، وبناء اقتصاده، وحماية سيادته؟
الفارق حاسم. في السؤال الأول يصبح اليمن أداة. في السؤال الثاني يصبح شريكًا.
ولا يمكن لأي شراكة حقيقية أن تقوم من دون شروط واضحة: تسوية سياسية شاملة، سلطة يمنية موحدة أو توافقية، موافقة محلية صريحة في المهرة وحضرموت، شفافية قانونية، توزيع عادل للعوائد، رقابة مؤسسية، وضمانات تمنع تحويل حماية المشروع إلى وصاية أمنية دائمة.
حين تتوفر هذه الشروط، يمكن لممرات الطاقة والربط الكهربائي والموانئ والسكك الحديدية أن تكون جزءًا من نهضة يمنية وإقليمية مشتركة. أما قبل ذلك، فإن أي مشروع سيبقى معرضًا لأن يُقرأ كامتداد لعلاقة غير متكافئة: الخليج يحتاج الجغرافيا، والأسواق تحتاج الطاقة، والقوى الدولية تحتاج الممرات، بينما يُطلب من اليمنيين أن يتحملوا كلفة عسكرة أرضهم وحدودهم وسواحلهم.
القيمة الأساسية للمقال أنه يذكّر بأهمية اليمن في معادلة المضائق والطاقة. لكن أهم ما يكشفه، ربما من غير قصد، هو استمرار النظرة القديمة نفسها: اليمن حاضر حين يحتاج الآخرون إلى موقعه، وغائب حين يحتاج هو إلى دولته.
اليمن لا يحتاج أن يكون بديلًا لهرمز.
اليمن يحتاج أن يكون دولة أولًا.
وعندما يصبح دولة، يمكن أن يكون شريكًا في أمن الطاقة، والتجارة، والموانئ، والربط الإقليمي. أما تحويله إلى ممر استراتيجي قبل حل سؤال السيادة، فليس مشروع استقرار. إنه نقل للأزمة من مضيق إلى صحراء، ومن بحر إلى محافظة، ومن خرائط الطاقة إلى قلب اليمن نفسه.
-خاتمة
الخط الذي يبدو مستقيمًا على الخريطة لن يكون مستقيمًا في الواقع. سيمر عبر كل ما لم يُحسم بعد في اليمن: الدولة، والسلاح، والثروة، والهوية، والنفوذ الخارجي. ومن يريد ممرًا آمنًا عبر اليمن، عليه أولًا أن يساعد اليمنيين على بناء بلد آمن.