مقالات
حرب الموارد الجوية في اليمن هل تتطور إلى حرب حسم شاملة؟
لأول مرة في تاريخ الحرب الداخلية التي أشعلها قبل اثني عشر عاماً، الحوثيون والرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، للهروب من استحقاقات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، تبدو المواجهات العسكرية استحقاقاً وطنياً تقر به هذه المرة المخاوفُ الإقليميةُ من حالة الانفلات العسكري التي يظهرها الحوثيون في نطاق التزامهم المقامر بإسناد معركة إيران التي تخوضها ضد الولايات المتحدة في الضفة الشرقية للخليج العربي.
أما كيف تحولت المعارك المعتادة إلى استحقاق وطني، فالأمر مرتبط بالمنحى العبثي لحروب السنوات الماضية، والتي اتخذت مساراً عكسياً باتجاه التمكين المؤدلج والغاشم للانقلابيين، الأمر الذي أنتج انحساراً تدريجياً لمركز القوة الحكومية، مُداراً بصرامة من جانب الإرادتين الإقليمية والدولية، إبان السطوة الإماراتية على معارك تحالف دعم الشرعية. ومع هذا الانحسار فقد الجيش الحكومي المواقع الجغرافية الحاكمة على مشارف صنعاء بعد تضحيات غالية، حدث بعضها نتيجة الضربات الجوية الصديقة، وانحسر الدعم الجوي والإسناد الأرضي، وفقدت السلطة الشرعية نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي على معظم الأراضي المحررة، وبقي شيء واحد فقط هو إرادة الجيش العنيدة على التمسك بالأصول الاستراتيجية والجيوسياسية للحكومة خصوصاً في محافظة مأرب وتعز.
هذه الحرب ليست كسابقاتها، فمعظم جولاتها تجري بالموارد الجوية من طائرات مسيرة وصواريخ. وعلى الرغم من أن البعض ينظر إليها على أنها حرب اختبار وترويض لإرادات المتحاربين، إلا أنها في تقديري تمثل مفتاحاً لتحول هام من المقرر أن يحدث في المدى المنظور، في مسار الحرب ضد الانقلابيين، بسبب الشعور الحاد بالمخاطر الاستراتيجية، الناتجة عن اضطرابات الحرب الأمريكية، وانسداد أفقها، وحالة السيولة الخطيرة للعنف، يضاف إليها دخول الموارد الجوية ذات التقنية الحديثة على خط المعركة من جهة الحكومة، وهي موارد وفرت إمكانيات غير مسبوقة للوصول إلى مخابئ وثكنات الحوثيين، الأمر الذي بدأ يتجلى في تراجع قدرة الحوثيين على التحشيد الإضافي وكسب المقاتلين الجدد، والأهم من ذلك أن الشعور بجدية المعركة يفتح المجال أمام خيار الالتحام المحتمل لآلاف الرافضين لهيمنة الجماعة الانقلابية ممن يملكون القدرة على التصرف العسكري وإدارة عمليات تقويض محتملة لنفوذ الحوثيين في أهم المدن الواقعة تحت سيطرتهم.
هذه المرة لا يشعر تحالف الشرعية بأنه يمنح فائض قوته العسكرية في عملية ترويض متعددة المستويات للأطراف اليمنية، وتهميش مركز الشرعية والاستعداد للمساومة على مستقبلها، كما كان يحدث في السابق، لأن المملكة العربية السعودية، وهي قائدة التحالف، تواجه اليوم، حرباً مستفزة لكرامتها الوطنية ولمركزها الإقليمي والعالمي المرموق، ولمكانتها المهابة في العالم الإسلامي، بعد أن أعلن الحوثيون فرض حصار بحري عليها، والشروع على الفور في عمليات عسكرية مباغتة ضد القوات الحكومة اليمنية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، في إعلان حرب مزدوج تعاطت معه السعودية وبمعيتها السلطة الشرعية بأسلوب ردة الفعل حتى الآن، لكن بأدوات وأسلحة جديدة مرجحة للفوز في المعركة الشاملة التي لا يعلم أحد متى ستندلع.
رفع الحوثيون سقف المواجهة مع السعودية والحكومة الشرعية، على الرغم من محدودية قدرتهم على تعطيل الملاحة الدولية من وإلى المملكة العربية السعودية، إلا أن العمليات التي تنفذ ضد بعض الناقلات السعودية، تثير قدراً كبيراً من الحساسية في منظومة الملاحة التي تمر عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتلقي بظلالٍ قاتمةٍ على مستقبل إمدادات الطاقة.
هدف الحوثيين الأول هو إسناد الموقف العسكري لإيران، عبر تعطيل قدرة أكبر مصدر للنفط في العالم على إيصال الطاقة إلى الأسواق العالمية، والحصول- عبر الضغط العسكري- على تنازلات فورية تمكنهم من حيازة الصلاحيات السيادية الكاملة في مناطق نفوذهم، وهي صلاحيات يعتقدون أن السعودية وحدها قادرة على منحها لهم بالنظر إلى نفوذها الكبير وهيمنتها المطلقة على السلطة الشرعية، لكن المؤشرات تؤكد بشكل قطعي أن هذه المكافأة السخية لا يمكن أن تُمنح لجماعة ما دون دولة، لتكريس انتصار لا تستحقه ورهن المجال الجيوسياسي للجزيرة العربية لشكل سيء من الهيمنة الطائفية.
الجدير بالإشارة إليه هنا، أن ارتدادات الهجمات المدمرة بالصواريخ الحوثية على ميناء ومدينة المخا وعلى الأحياء السكنية في مأرب قوَّضَ السردية الحوثية بشأن اتصال هذا الفعل العدواني على أعيان مدنية، باستحقاق إسناد غزة. إن ما يحدث هو العكس تماماً، فهناك تهاوي للصورة التي ترسخت خلال الثلاث السنوات الماضية عن هذه الجماعة. إذ يبدو الأمر في نظر اليمنيين وقطاع واسع من العرب، مجرد استعراض للأصول العسكرية بهدف ترهيب الشريك الوطني، وتدمير مقدرات الدولة اليمنية، التي لم تطلْها طائراتُ نتنياهو وحقده العسكري، وأن ما يقوم به الحوثيون يعبر عن مستوى سيئ من التخادم مع الأجندات الإقليمية ذات البعد الطائفي، ويعيد ترسيخ الصورة الحقيقية عن واقعهم ودورهم كقوة وظيفية بدأت بمحاربة "الإرهاب" المزعوم وتحورت لاحقاً إلى قوة إسناد لغزة، وانتهى بها المطاف إلى الالتحام المقامر مع أجندات إيران المزعزعة لاستقرار اليمن ودول المنطقة.
نقلا عن عربي 21