مقالات

حين تصبح الدولة مصلحة للجميع

25/08/2026, 12:09:44

حضرتُ أمس ندوة لمناقشة كتاب الدكتور محمد المخلافي، وزير الشؤون القانونية الأسبق، «مشروع بناء الدولة والحرب»، وهو كتاب يتناول واحدًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا في التجربة اليمنية: كيف تعثر مشروع بناء الدولة، ولماذا ظل اليمن ينتقل من أزمة إلى أخرى حتى انتهى إلى الحرب؟

تنبع أهمية الكتاب، فضلًا عن موضوعه، من تجربة مؤلفه التي تجمع بين المعرفة الأكاديمية والقانونية والممارسة السياسية، بما يجعل الكتاب، في جانب منه، قراءة للتجربة من داخلها، وليس مجرد تناول نظري لها.

تناولت مداخلات الندوة مسؤولية القوى السياسية، ومسألة عدم وحدة الجيش والأمن وحيادهما، والثقافة السياسية، وغيرها من العوامل التي حالت دون ترسيخ الدولة. لكن ما استوقفني أكثر هو سؤال أوسع من تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك: هل كانت مشكلة اليمن في غياب مشروع لبناء الدولة، أم في المسافة التي ظلت تفصل مشروع الدولة عن حوامله السياسية والاجتماعية؟

ربما امتلك اليمنيون، منذ وقت مبكر، قدرًا لا بأس به من التصور السياسي للدولة التي يريدونها: جمهورية، دولة قانون ومؤسسات، تعددية سياسية، تداول سلمي للسلطة، ومواطنة متساوية. ولذلك قد لا يكون من المفيد اختزال المشكلة في القول إن المجتمع اليمني لم يكن «حديثًا» بما يكفي لبناء دولة حديثة.

المسألة، في تقديري، أكثر تعقيدًا.

فالفكرة شيء، والقدرة على حملها وتحويلها إلى واقع شيء آخر.

قد تتوافق القوى السياسية على مبادئ الدولة، وقد تكتب الاتفاقيات والدساتير والبرامج، لكن الدولة لا تقوم بالنصوص وحدها. تحتاج إلى حوامل سياسية واجتماعية تؤمن بأن وجود الدولة ومؤسساتها وقواعدها المستقرة يخدم الجميع، وأن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة الوطن، وأن الوصول إلى السلطة لا يمنح صاحبه حق إعادة تعريف القانون لمصلحته.

وهنا تظهر أهمية التوافق السياسي.

فالتوافق ليس بالضرورة نقيض الديمقراطية، بل قد يكون شرطًا سابقًا لها، خصوصًا في المجتمعات شديدة التنوع. فقبل أن يتنافس المختلفون على السلطة، يحتاجون إلى اتفاق على قواعد التنافس نفسها، وعلى أن يكون الخلاف داخل الدولة لا على الدولة، وأن تكون المؤسسات هي الحكم بين المتنافسين لا القوة أو الغلبة.

لكن التوافق السياسي وحده لا يكفي.

فالدولة تحتاج أيضًا إلى حوامل اجتماعية، وهذه الحوامل لا تتشكل بالخطاب السياسي وحده. المواطن قد يؤمن نظريًا بالدولة، لكنه حين تكون الدولة عاجزة عن حمايته أو توفير فرص العمل له أو إنصافه أو ضمان مصالحه، سيبحث بصورة طبيعية عن دوائر أخرى توفر له شيئًا من الأمان والمصلحة.

وهنا يأتي الاقتصاد باعتباره جزءًا من مشروع بناء الدولة، وليس مجرد ملف منفصل عنه.

فالولاء الوطني لا يصنعه الخطاب وحده. حين يشعر المواطن أن مستقبله الاقتصادي، وتعليم أبنائه، وصحته، وعمله، وملكيته، واستثماره، وأمنه، مرتبطة بدولة مستقرة وقانون عادل، تصبح الدولة بالنسبة إليه مصلحة يومية ملموسة، لا فكرة سياسية مجردة.

أما حين تفشل الدولة في توفير هذه المصالح، فإن الولاءات الأصغر تصبح أكثر قدرة على ملء الفراغ: الأسرة، والقبيلة، والمنطقة، والجماعة، والحزب، وكل شبكة تستطيع أن تمنح الفرد ما عجزت عنه الدولة.

ومن هنا تنشأ دائرة يصعب كسرها: ضعف الدولة يعزز الولاءات الصغيرة، والولاءات الصغيرة تعيد إنتاج ضعف الدولة.

ولذلك فإن بناء الدولة لا يعني فقط توسيع صلاحيات المؤسسات أو إعادة صياغة القوانين، وإنما بناء شبكة واسعة من المصالح المشتركة التي تجعل المواطنين يرون في الدولة إطارًا لحياتهم ومستقبلهم، لا مجرد سلطة فوقهم.

وربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الجيش والأمن والقانون والسياسة والاقتصاد باعتبارها ملفات منفصلة. فحياد المؤسسة العسكرية، واستقلال القضاء، ونزاهة الإدارة، والتعددية السياسية، والتنمية الاقتصادية، كلها حلقات في منظومة واحدة: منظومة تجعل الدولة أقوى من الولاءات التي تنافسها، وأكثر عدلًا من أن يحتاج المواطن إلى الاحتماء بغيرها.

المشكلة إذن ليست بالضرورة أن اليمنيين افتقدوا فكرة الدولة، ولا أن المجتمع كان كتلة تقليدية تقف في مواجهة مشروع حديث. ربما كانت المشكلة أن فكرة الدولة تقدمت أحيانًا على حواملها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

كانت الدولة حاضرة في الخطاب، لكن مصالح الناس لم تكن دائمًا مرتبطة بها بالقدر الكافي. وكانت التوافقات السياسية موجودة في لحظات معينة، لكنها لم تتحول دائمًا إلى قواعد مستقرة تتجاوز اللحظة السياسية. وكانت النصوص القانونية موجودة، لكن تطبيقها ظل في كثير من الأحيان خاضعًا لموازين القوة.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم قضايا بناء الدولة في اليمن اليوم: لا نحتاج فقط إلى إعادة صياغة مشروع الدولة، بل إلى إعادة بناء حوامله.

نحتاج إلى توافق سياسي يجعل الدولة ملكًا للجميع، ومؤسسات محايدة تحمي هذا التوافق، وثقافة سياسية تقبل الاختلاف، واقتصاد يوسع دائرة المصالح المشتركة، بحيث يصبح المواطن أكثر ارتباطًا بالدولة من ارتباطه بالدوائر التي لجأ إليها تاريخيًا بحثًا عن الحماية والمصلحة.

فالدولة الوطنية لا تنتصر على الولاءات الصغيرة بإلغائها، وإنما بجعلها تجد مكانها الطبيعي داخل إطار وطني أوسع.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافق أي حديث عن مشروع بناء الدولة ليس فقط: ما الدولة التي نريدها؟

بل أيضًا: من يحمل هذه الدولة؟ وما الذي يجعل المواطن، والقوى السياسية، والجماعات الاجتماعية، يرون أن بقاءها قوية وعادلة هو مصلحتهم جميعًا؟

فحين تتقدم فكرة الدولة على حواملها، تظل الدولة مشروعًا جميلًا على الورق.

وحين تتسع حواملها السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتصبح الدولة مصلحة مشتركة، تبدأ الفكرة في التحول إلى واقع.

 

مقالات

القومية المسيحية في أمريكا وتأثيرها في السياسة الخارجية

ماذا يحدث عندما لا ينظر إلى إسرائيل كحليف إستراتيجي ودولة يحق لها الأمن فحسب، بل كجزء أصيل من تاريخ مسيحي مقدس؟ حينها، قد يصبح دعم الحكومة الإسرائيلية التزاما دينيا، وتغدو أي محاولة للنقد مشتبهة لاهوتيا. وفي غمرة ذلك، قد يتم الخلط بين الدولة الحديثة وإسرائيل التوراتية، في حين تتراجع حقوق الفلسطينيين، بمن فيهم المسيحيون الفلسطينيون.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.