مقالات

صناعة الإنسان العقائدي.. الأثر النفسي والتربوي في سياق التعبئة (3-5)

01/06/2026, 05:57:30
بقلم : يزن زياد

إذا كانت الحلقة الأولى قد كشفت كيف تحولت المدرسة من فضاء تعليمي إلى أداة للتعبئة، والحلقة الثانية قد بينت كيف امتد هذا التحول ليحدث تصدعات في النسيج الاجتماعي، فإن هذه الحلقة تمضي خطوة أبعد، لتفكيك الأثر الأعمق وهو كيف وصلت الجماعة الحوثية نتيجة لهذه الممارسات إلى إعادة تشكيل سيكولوجية الجيل الناشئ نفسه.

فالتعبئة القائمة في الخطاب التعبوي للجماعة سواء في المدرسة أو المسجد أو الخطاب العام في جوهرها لا تستهدف السلوك فقط، بل تسعى إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل و إعادة تعريف ما يخافه، وما يطمح إليه وما يراه معنى لحياته. ومن هنا لم يعد التعليم مجرد وسيلة لنقل المعرفة أو حتى لتوجيه القيم كما هو معتاد، بل يتحول إلى آلية لإنتاج نمط بشري جديد يمكن وصفه بـالإنسان العقائدي بمعنى فرد أعادت الجماعة الحوثية صوغ وعيه بحيث تصبح الأيديولوجيا الخاصة بالجماعة مرجعيته الأساسية وتتراجع أمامها الاعتبارات الوطنية والإنسانية وحتى الفردية.

في السياق اليمني، وتحديدا في مناطق سيطرة الحوثيين تتجلى هذه العملية عبر مسارات متداخلة تبدأ من استهداف الطفولة، مرورا بإعادة تعريف الهوية الوطنية بمفهومهم هم، وصولا إلى إعادة تشكيل العلاقة مع الحياة والموت باعتبار الموت في سبيل الجماعة غاية وليست الحياة. وعليه تسعى هذه الحلقه إلى تحليل ثلاثة أبعاد مركزية تبدأ بعسكرة الطفولة، وتآكل الهوية الوطنية وصعود ثقافة الموت، بوصفها مداخلا لفهم التحول النفسي والتربوي العميق لدى الجيل اليمني الجديد.

أولاً: عسكرة الطفولة

 الطفولة في أي مجتمع هي مرحلة تأسيسية لتشكيل الهوية النفسية والاجتماعية، حيث يفترض أن تبنى خلالها مهارات التعلم والخيال والانتماء الآمن للأرض والإنسان، غير أن إدخال الطفل في مسارات تعبئة مبكرة يفضي إلى ما يمكن تسميته بـعسكرة الطفولة أي تمت إعادة تعريف هذه المرحلة بوصفها إعداد نفسي ورمزي لدور قتالي مستقبلي يمكّن الجماعة من استثمار قدراته في خدمة مشروعها التوسعي.


فلم يقتصر الأمر على التجنيد المباشر، بل تجاوزه إلى بناء صورة ذهنية مثالية للمقاتل داخل وعي الطفل ؛ فصوروه كبطل لا يُقهر في الحاضر ؛ وصاحب مرتبة عليا في الجنة بعد موته.. حيث يتم تصوير البطولة بوصفها مرتبطة بالسلاح، بينما يُعاد تعريف الشجاعة باعتبارها استعداد للمواجهة، بينما تتراجع قيم أخرى مثل الإبداع، والتعلم، والعمل المدني..الخ من المفاهيم المدنية


حيث نجحت الجماعة بشكل لافت في إنتاج ما يمكن وصفه بـ“تجميد الطفولة”، لأنها تختزل اهتمامات الطفل في أدوار أكبر من سنّه، ويُدفع عنوةً إلى تبني خطاب لا يتناسب مع مرحلته العمرية. ومع تكرار هذا النمط، يتشكل جيل يفتقد التوازن النفسي الطبيعي، حيث تتداخل لديه مفاهيم اللعب والخطر، والانتماء والعنف، والهوية والدور القتالي كدور بطولي وحده الطفل القادر على تمثيله وأدائه..!


ولا تقتصر آثار هذه العملية على الفرد، بل تمتد إلى المجتمع ككل..إذ تمت اعادة إنتاج نمط ثقافي يطبع العنف بوصفه خيار مشروع، ويُضعف من فرص بناء بيئة اجتماعية مستقرة على المدى الطويل.

ثانيًا: تآكل الهوية الوطنية

يعرف علماء الاجتماع الهوية الوطنية في معناها الحديث، بأنها تقوم على مجموعة من الرموز المشتركة التي توحد الأفراد ضمن إطار الدولة، مثل العلم، والنشيد، وتاريخ الثورة، ومفاهيم الجمهورية والمواطنة والمشتركات الوطنية، هذه الرموز لا تعد مجرد شعارات، بل تمثل إطاراً رمزياً ينتج شعور الانتماء الجماعي.


غير أن سياسات التعبئة الحوثية تعمل على إعادة ترتيب هذه المنظومة الرمزية عبر إضعاف الرموز الوطنية واستبدالها برموز بديلة ذات طابع أيديولوجي و مذهبي وسلالي. وفي هذا السياق، لا يتم إلغاء الرموز الوطنية بشكل مباشر دائماً، بل يتم تهميشها تدريجياً مقابل تعزيز رموز وشعارات مرتبطة بفكرة “الولاية” والقيادة الدينية التي لا تحمل كل الحق في القول والفعل..!


هذا التحول يؤدي إلى إعادة تعريف الانتماء نفسه، من انتماء إلى وطن جامع، إلى انتماء إلى جماعة ذات مرجعية محددة خارج الخيارات الوطنية. ومع مرور الوقت تشكل لدى الجيل اليمني الناشئ - في مناطق سيطرة الجماعة على الاقل- تصور مختلف للهوية لا يقوم على المواطنة المتساوية بل على القرب من المرجعية الأيديولوجية.

وهنا تكمن خطورة هذا التحول: لأن التغيير لم يقتصر على تغيير الرموز فحسب ، بل اعاد تشكيل الوعي الجماعي، واضعف من قدرة المجتمع على الحفاظ على إطار وطني مشترك.

ومع تآكل هذا الإطار تصبح الانقسامات أكثر قابلية للترسخ، ويغدو الانتماء الوطني نفسه موضع إعادة تعريف، وهنا يكمن الخطر.

ثالثاً: ثقافة الموت مقابل ثقافة الحياة

من المعلوم انه في أي نظام تربوي تلعب القيم المرتبطة بالحياة—كالنجاح، والعمل، والتعلم، والبناء—دورا أساسيا في توجيه طموحات الأفراد، غير أن الخطاب التعبوي الحوثي يميل إلى إعادة ترتيب هذه القيم، بل وتغييرها بحيث يحتل مفهوم “الشهادة”في سبيل نصرة الحركة موقعاً مركزياً في منظومة فكر ومنهج الحركة الحوثية، وبالتالي أصبح غاية الشباب الذي تم ادلجة أكثر من ٦٠ الف طفل وشاب في مدارس خاصة في المساجد ومخيمات الأودية والشعاب في مديريات صعدة وعمران وصنعاء وحجة التي يجلب لها الشباب من مختلف المحافظات تخضع لمعسكرات إعادة تشكيل الوعي بمناهج محترفة يشرف عليها من تم ادلجتهم في وقت سابق ويقوم عليها شباب متحفزون لنظرية الولاية و"السيد العلَم" تمتد لسنوات ثلاث وتقسم إلى فترتين كل فترة ثلاثة أشهر.

لا يعني ذلك بالضرورة إلغاء قيمة الحياة، بل إعادة تعريفها من خلال الموت حيث يقدمون التضحية بوصفها ذروة المعنى ولاية الغايات وتربط المكانة الاجتماعية والرمزية بالاستعداد للفداء.

ومع تكرار هذا الخطاب داخل الفضاء التربوي وفي المناسبات العامة والساعات والقرى والبيوت تشكل تصور جديد لدى الشباب أعاد ترتيب أولوياتهم وطموحاتهم.

في هذا السياق بالتأكيد سستتراجع أهمية المسارات التعليمية والمهنية طويلة الأمد، مقابل تعظيم الأدوار المرتبطة بالمواجهة والتضحية، ويصبح السؤال الوجودي للشاب مختلفا ليس ماذا سأصبح؟، بل “كيف أُثبت انتمائي؟”
ينتج عن ذلك تحول في البنية النفسية، حيث تتراجع النزعة نحو البناء والاستقرار، لصالح نزعة أكثر ارتباطا باللحظة، وأكثر استعدادا للمخاطرة ومع تعميم هذا النمط تتأثر قدرة المجتمع على إنتاج
طاقات بشرية موجهة نحو التنمية ويزداد حضوره في مسارات الصراع.

خاتمة

تكشف هذه القراءة أن سياسات التعبئة لا تقف عند حدود المؤسسة التعليمية أو النسيج الاجتماعي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الإنسان نفسه. فمن عسكرة الطفولة، إلى تآكل الهوية الوطنية، وصولا إلى إعادة تعريف العلاقة مع الحياة والموت، تتشكل ملامح “الإنسان العقائدي” بوصفه نتيجة مباشرة لهذه السياسات.

ولا تكمن خطورة هذا التحول في نتائجه الآنية فقط، بل في آثاره التراكمية على المدى الطويل، حيث يُعاد إنتاج أنماط من الوعي يصعب تفكيكها، وتُبنى هويات فرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
ومن هنا يصبح السؤال في الحلقة القادمة أكثر إلحاحاً
كيف يمكن استعادة وظيفة التعليم بوصفها أداة لبناء الإنسان والمجتمع، لا لإعادة تشكيلهما وفق مسارات أحادية؟

مقالات

بين نقد التجربة وإغتيال الرجل

ما إن يرحل رجل من رجال السياسة حتى تخرج الأقلام من مخابئها لتكتب تاريخاً جديداً، لا كما جرى، بل كما تشتهي الخصومات أن ترويه. فيتحول الإنسان الذي كان بالأمس جزءاً من مأساة وطنية عامة إلى المتهم الوحيد، وتتحول أخطاء مرحلة كاملة إلى خطيئة شخص واحد.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.