مقالات

عدن والتحولات السياسية الكبرى.. من سؤال الهوية إلى استعادة الفعل السياسي

08/08/2026, 08:39:49

تشهد العاصمة عدن، منذ يناير 2026م، موجة من التحولات السياسية والاجتماعية التي تجاوزت حدود التنافس السياسي التقليدي، لتلامس طبيعة المجتمع العدني ذاته، وتعيد طرح أسئلة مؤجلة حول هوية المدينة وخصوصيتها وحقها السياسي الغائب.

لقد كشفت الأشهر الماضية عن تحولات عميقة في العلاقة بين المجتمع والسلطة، وفي نظرة أبناء عدن إلى موقعهم في المعادلة السياسية الوطنية. وترافقت هذه التحولات مع سجالات واسعة حول الخصوصية العدنية، والتغيرات الديموغرافية التي شهدتها المدينة عبر تاريخها الطويل، وما ترتب عليها من أسئلة اجتماعية وسياسية متراكمة.

ومن أبرز هذه الإشكاليات السؤال الذي يُطرح بصورة تكاد تكون خاصة بأبناء عدن: «من فين أصلك؟». وهو سؤال يتجاوز في بعض السياقات دلالته الاجتماعية الطبيعية، ليصبح مدخلًا للتمييز والتنميط الاجتماعي، بل وأحيانًا للاستبعاد السياسي، وكأن الانتماء إلى عدن يحتاج إلى إثبات.

وفي المقابل، برزت دعوات إلى بناء إطار سياسي عدني أكثر تماسكًا لمواجهة هذا النوع من الأسئلة، وتحويل الخصوصية الاجتماعية إلى استحقاق سياسي. وهنا تداخل السياسي بالتاريخي والاجتماعي، وأصبحت مسألة الهوية جزءًا من النقاش حول مستقبل المدينة ودورها السياسي.

ومع ذلك، فإن تعدد المكونات والقوى السياسية العدنية لا ينبغي النظر إليه بوصفه حالة سلبية أو مصدرًا للانقسام بالضرورة، بل يمكن أن يمثل ظاهرة صحية تعكس حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج خيارات سياسية جديدة.
فالتعدد الذي نشهده اليوم هو، في جانب منه، نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الكبت السياسي والتهميش الاجتماعي، وقد أتاح المجال أمام قوى جديدة إلى جانب القوى السياسية القائمة، لتطرح رؤاها وتتنافس على ثقة المجتمع.

إن فتح المجال أمام هذا التعدد والتنافس السياسي الحر يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل الخريطة السياسية في عدن، وإنتاج قوى أكثر ارتباطًا بالمجتمع، كما يمكن أن ينعكس على الوعي الجمعي الوطني، ويدفع باتجاه مواجهة التحديات التي تعيق بناء دولة العدالة والحكم الرشيد.
إن عودة العمل السياسي بهذا الزخم إلى عدن ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر على أن المجتمع الذي عانى طويلًا من الانكماش السياسي بدأ يستعيد صوته ومساحته في الفعل العام.

فعدن لا تبحث فقط عن تمثيل سياسي، بل عن استعادة حقها في أن تكون فاعلًا في صناعة مستقبلها، ضمن دولة يتساوى فيها المواطنون، وتصان فيها الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، ويصبح فيها الحكم الرشيد والعدالة أساسًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات

هل تضيّع الشرعية الفرصة الثانية؟

التحالف السعودي–التركي–الباكستاني يفتح فرصة جديدة لاستعادة الدولة اليمنية، لكن نجاحها مرهون بقدرة الشرعية على توحيد قرارها وبناء مؤسساتها واستثمار التحول الإقليمي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.