مقالات
هل انتهت الحرب على إيران حقاً؟
يبدو أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ظهر الأول من مايو/أيار الجاري، في رسالته للكونغرس الأمريكي عن انتهاء الحرب ضد إيران التي شنتها بلاده بالتعاون مع إسرائيل فجر 28 فبراير/شباط الماضي، أنه إنهاء فعلي للحرب، خاصة مع إشارته في رسالته إلى تعليقه العمليات العسكرية في 7 أبريل/نيسان الماضي.
إذ لا تبدو الحيثيات التي أعلن الحرب بموجبها في نهاية فبراير/شباط قد انتهت أو تمت معالجتها، بل على العكس فهي ما زالت تراوح مكانها، وزادت فوقها معضلة جديدة تتمثل بملف إغلاق مضيق هرمز الذي كان مفتوحا بشكل طبيعي وانسيابي حتى اندلاع المواجهات.
لا خلاف على حجم الأضرار التي عانت وتعاني منها إيران نتيجة الضربات التدميرية الهائلة لمكامن قوتها العسكرية والأمنية والسياسية، وفي مقدمتها مقتل المرشد الأعلى خامنئي الأب، ومعه عشرات القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، واختفاؤهم كلية من المشهد السياسي، وما نتج عن ذلك من ارتباك شديد جرت وتجري محاولات معالجته وتعويضه عبر صفوف متوالية من القادة الذين تم إعدادهم لحالة مشابهة لما حدث.
خاصة أن ما جرى خلال حرب الـ12 يوما العام الماضي ما زال حاضرا في الذاكرة، ناهيك عن حجم الاختراق الأمني الهائل الذي أنجزه الإسرائيليون على امتداد أكثر من عشرين عاما من العمل الاستخباري الدقيق، والذي بانت نتائجه بوضوح منذ طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عبر ردة الفعل الإسرائيلية التي شملت محور المقاومة الذي تقوده طهران عبر أذرعها في العراق، وسوريا (سابقا)، ولبنان، واليمن.
رغم كل هذه المعاناة السياسية والاقتصادية التي تبديها إيران فإن الواضح أنها استطاعت الصمود حتى هذه اللحظة أمام الهجمة العنيفة غير المسبوقة في قوتها النارية التي شنتها واشنطن وحليفتها تل أبيب.
لكنها قطعا ورغم هذا الصمود فإنها لا تريد ولا ترغب بمعاودة هذه الهجمة التي واجهتها للمرة الأولى منذ ثورتها وتأسيس نظامها السياسي القائم على ولاية الفقيه عام 1979، في امتحان حقيقي لمدى قوة هذا النظام الثيوقراطي الذي ظل العالم كله يراقبه على امتداد ما يقارب نصف قرن، وهو يبني ذاته وقواه العسكرية وأذرعه الخارجية المسلحة وكأن ذلك لا يعنيه.
خاصة أن العقوبات الدولية المتوالية التي صدرت ضده بسبب برنامجه النووي لم تترك آثارا صعبة عليه، فلا برنامجه النووي توقف، ولا مشروعاته الإقليمية تقلصت، ولا علاقاته الدولية تأثرت، بل إنه استثمر الحربين الأمريكيتين على أفغانستان، والعراق لتحقيق المزيد من التوسع والتأثير في محيطه الإقليمي.
كما تلقى الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما للتدخل العسكري الفج في سوريا، واليمن، والانفراد بالعراق كمكافأة على توقيعه على الاتفاق النووي عام 2015، والذي بسببه تم الإفراج عن الكثير من أرصدته المحتجزة التي ذهبت لدعم إنفاقه العسكري في المجال الباليستي، والطيران المسير وغيرهما، إلى جانب الدعم السخي لحلفائه وأذرعه.
يصعب القول هنا إن السلبية الدولية التي استمرت لعدة عقود تجاه نظام ثيوقراطي كالنظام الإيراني كانت نتاج ما يشبه (نظرية المؤامرة) فذلك تفسير غير مستساغ.
لكن يمكن القول إن الإعجاب الغربي الكبير بالحضارة الفارسية الممتدة لأكثر من 2500 عام قد يكون سببا رئيسيا ليس فقط لهذه السلبية بل لإعجاب خفي كان يظهر بتلقائية عند فوز أي رئيس إصلاحي كخاتمي أو روحاني بل وحتى بزشكيان، حيث يقابل بالترحاب والانفتاح، رغم أن فوز هذه الشخصيات لم يغير مطلقا في جوهر النظام الثيوقراطي ولم يحوله لنظام ديمقراطي حقيقي.
وإلى جانب ما سبق فإن النظام الديني لآيات الله لم يمس بأي سوء مظاهر وآثار الحضارة الفارسية- وهذا محسوب له قطعا- بل استمر بالحفاظ على تراثها، واعتبر نفسه امتدادا طبيعيا لها، حاله في ذلك حال من سبقه من الأنظمة الشاهنشاهية والصفوية وغيرها.
ولذا يمكن القول إن الغرب عموما بأنظمته وفلاسفته ومفكريه كانوا وما زالوا يعتبرون إيران- أيا كان نظامها- معادلا موضوعيا للعالم العربي تحديدا، وحاجة ضرورية لاستمرار تفكك هذا الوطن العربي، ومكملا طبيعيا لدور إسرائيل من هذه الناحية دون حاجة لأي تنسيق سياسي بينهما، أو تبادل أدوار أو ما شابه ذلك، كون هذه الأمور تأتي بشكل طبيعي تفرزه العصبيات المتعددة في معظم أنحاء الوطن العربي.
وقد جاءت نكبة غزو العراق للكويت واحتلاله في صيف 1990 لتفتح الباب على مصراعيه أمام إيران لتعيد رسم أدوارها وسياساتها خاصة بعد تجرعها سم الهزيمة والرضوخ لانتصار العراق في عام 1988 بعد ثماني سنوات من الحرب الشرسة التي أنهكت البلدين.
بيد أن إيران خرجت منها شبه معزولة بينما خرج العراق منفتحا على العالم لولا حماقة رئيسه الراحل صدام حسين وتهوره باقتراف واحدة من أخطر الجرائم السياسية في هذا العصر، ممثلة بغزو بلد شقيق واحتلاله وإدخال الوطن العربي في نفق مظلم لم يخرج منه حتى اليوم، وإعطاء إيران متنفسا لم تكن تحلم به للخروج من عزلتها والشروع في برامجها الجديدة.
لعل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب هو أكثر من التفت للدور الإيراني في المنطقة والعالم من بين من سبقه من القادة الأمريكيين الذين لم يتهاونوا فقط، بل إن بعضهم أعطى لإيران الكثير وسمح لها بالتمدد والنفوذ بوعي أو بدون وعي.
وإذا كان طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قد زلزل العالم فإنه في الوقت ذاته جعل الغرب كله يعيد النظر تجاه رؤيته لإيران الملالي؛ ذلك أن تأييد إيران ودخول أذرعها في المعركة مع إسرائيل في الأيام والأسابيع التالية هو خط أحمر، فأمن إسرائيل أمر مقدس وثابت من ثوابت العالم الغربي كله، وهذا مفهوم قطعا ولا جديد فيه.
ولم يكن مستغربا تقاطر كل زعماء الولايات المتحدة وأوروبا لتل أبيب وإظهار الدعم والمساندة قبل أن يتراجع كل ذلك بسبب وحشية الحرب الإسرائيلية على غزة والإبادة الجماعية بمختلف السبل لشعب أعزل.
وهذا التراجع الغربي في دعم إسرائيل ظل متزامنا ومتوازيا مع موقف صارم ضد طهران وأذرعها، وهو ما يحدث لأول مرة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في إيران لكن دون أي إجراء عسكري، إلى أن عاد ترمب للسلطة مرة أخرى وهو الذي خرج من الاتفاق النووي، وقضى على قاسم سليماني العقل المدبر لأذرع إيران في ولايته الأولى.
وها هو في ولايته الثانية يريد استكمال ما بدأه سابقا لكن رؤيته وخططه وأدواته وآلياته هذه المرة لا تبدو حاسمة قاصمة كما يقال، ربما لأن الأهداف هذه المرة اتسعت وكبرت أكثر مما ينبغي أو أن تلك الرؤى والخطط والأدوات لا ينقصها القوة بل نبل الهدف وتماسك الفكرة.. وهو ما يحتاج لحديث آخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن الجزيرة نت