مقالات
هلال رمضان وخرائط الانقسام بين المسلمين
يعود الهلال مع رمضان كل عام، لكن عودته اليوم تكشف وجهًا آخر غير ذلك الذي اعتاده المسلمون في أوروبا؛ إذ يتحول ظهوره إلى لحظة جدل تتجدد معها خرائط الانقسام بين من يصوم الأربعاء والخميس، وبين المشرق والمغرب.
لم يعد الأمر مجرد اختلاف فقهي مألوف، بل صار مرآة لحالة تباين أعمق في المرجعيات وطرق فهم النص والواقع.
ولم يكن الهلال يومًا مجرد علامة زمنية تضبطها مواقيت الصيام والأعياد؛ بل كان أداة معيارية ورمزًا من ركائز الهوية، يقف في الفضاء العام إلى جوار الصليب والنجمة بوصفه دلالة على الحضور الإسلامي داخل المشهد الإنساني الأوسع.
وتزداد الحاجة إلى هذا الرمز في بلدان المهجر، حيث تحتشد العلامات الدينية والثقافية، ويغدو التمسك به وسيلة لحماية الذات من الذوبان واستعادة الشعور بالانتماء.
غير أن المفارقة تتجلى حين يتحول هذا الرمز الجامع، لدى بعض المسلمين الذين يعيشون حالة تيه مرجعي، إلى أداة انقسام وتشظٍ. فبدل أن يوحّدهم أفق العيش المشترك، حيث يضع اليوم المجتمع المسلم والأسر المسلمة من أبنائهم الذين تشربوا الثقافة الأوروبية في موقف أخلاقي وعقلاني لتفسير انقسام الأمة الواحدة في العبادة قبل المعاملة، يُعاد استيراد الخلاف من جغرافيا المنشأ إلى جغرافيا الهجرة، وكأن المسافات لم تُخلق لتوسيع الوعي بل لنقل الانقسامات ذاتها.
وهنا يفقد الهلال معناه كعلامة على وحدة الزمن الروحي، ليغدو مؤشرًا على أزمة أعمق: أزمة مرجعية لم تنجح بعد في التكيف مع شروط الواقع الجديد، ولا في إنتاج فهمٍ يوازن بين الوفاء للأصل والقدرة على بناء مرجعية محلية أكثر انسجامًا مع سياقها.
* من صفحة الكاتب على فيسبوك