أخبار محلية
يوميات الانتظار على الأرصفة.. عمال اليمن بين شبح الجوع وأمل الرزق

يقف رياض المقطري ساعات طويلة كل صباح على رصيف أحد شوارع صنعاء، يراقب السيارات المارة بعين مترقبة علّ أحد المقاولين يلوّح له بإشارة تطمئنه إلى يوم عمل يكسب منه ما يسد رمق أطفاله. رياض، الذي كان في السابق معلّمًا، اضطر بعد انقطاع الرواتب للاتجاه إلى أعمال البناء اليومية، لكنه اليوم يصف حاله بـ«الواقف على حافة الهاوية»، فحتى فرص العمل القليلة باتت شبه معدومة.
يقول بحسرة: «من قبل كنا نعاني في إيجاد عمل، أما الآن فقد أصبح الحصول على شغل حلماً مستحيلاً».
مشهد العمال مصطفين على الأرصفة أصبح مألوفًا في مدن اليمن، حيث ينتظرون منذ الصباح الباكر حتى مغيب الشمس أملًا في أن يجدوا من يحتاج إلى أيدٍ عاملة. كثيرون منهم يعودون في آخر النهار بأيدٍ فارغة وقلوب مثقلة بالهموم.
أحد المقاولين في صنعاء يؤكد أن المشاريع العمرانية تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات بسبب تصاعد تكاليف البناء بعد تدمير مصانع الإسمنت، وارتفاع أسعار الحديد والمواد المستوردة نتيجة القيود والحصار.
ويضيف: «حتى من يملك المال بات يخشى الشروع في بناء بيت خوفًا من أن يصبح هدفًا للغارات أو أن يُنهب أو يُصادر».
تعقيدات أخرى زادت الطين بلة، فالإتاوات التي تفرضها سلطات الحوثيين على شاحنات نقل مواد البناء في الطرق المؤدية لمناطق استخراج الحصى والرمل، حولت نقل حمولة شاحنة إلى مغامرة مكلفة.
سائقو الشاحنات الذين يرفضون دفع ما يُفرض عليهم — وهو ما بين 50 و150 دولارًا للشاحنة الواحدة — يتعرضون للتوقيف أو مصادرة حمولاتهم، ما يؤدي بدوره إلى توقف إمدادات مشاريع البناء القليلة، وإلى جلوس المزيد من العمّال على الأرصفة.
إضافة إلى ذلك، أجبر الخوف من الاستهداف الجوي الكثير من أصحاب المعدات الثقيلة على إخفاء آلياتهم أو تعطيلها، بعدما باتت تُشتبه آليًا بأنها تعمل لمصلحة الجماعة، وهو ما زاد من شلل هذا القطاع.
انقطاع رواتب الموظفين الحكوميين منذ سنوات دفع آلافًا آخرين للانضمام إلى طابور العاطلين الباحثين عن لقمة عيش باليومية، فأصبح مشهد الموظف السابق المزاحم لعامل البناء على فرصة حمل حجارة أو خلط إسمنت أمراً معتادًا.
وفي ظل هذا التزاحم المحموم على فرص نادرة، يقبل كثيرون بأجور زهيدة بالكاد تكفي لشراء كيس دقيق.
بحسب تقديرات غير رسمية، فإن نحو 20% من العمال الذين كانوا يجدون أعمالًا يومية شبه دائمة فقدوها منذ تصاعد التوتر في البحر الأحمر، وارتفعت هذه النسبة إلى ما يزيد على 40% مع الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة.
هكذا، تحولت الأرصفة إلى مكاتب مفتوحة بلا أسقف، يجتمع فيها العمال بملابسهم المتربة ووجوههم التي غلب عليها الاصفرار، ينتظرون يوماً يشتري فيه أحدهم جهدهم لبضع ساعات، ويمنحهم أجرة يعيدون بها ما يسكت جوع أسرهم. ومع كل يوم يمر دون عمل، يزداد ثقل ديونهم وتتقلص أحلامهم بحياة كريمة كانت يومًا أقرب منالًا.



