أخبار سياسية
آسيا.. فتاة ترسم بيد واحدة رغم إعاقاتها المتعددة

قناة بلقيس - هشام سرحان
تتشبث آسيا الذبحاني (26 عاماً) بالحياة والأمل، وحلمها في أن تصير رسامة عالمية، فتصنع الجمال في أعين الآخرين، رغم إعاقاتها المتعددة وأفقها القاتم، الذي تلوّح فيه بيد واحدة بوجه مأساتها وظروفها القاسية والخذلان الرسمي والمجتمعي، كما ترسم بها لوحات فنية في غاية البهاء والإتقان.
وعلى كرسيّها المتحرّك، تُمارس موهبتها، التي وُلدت معها في سنّ الرابعة، ونشأت وترعرعت في أعماقها، لتُقبل اليوم عليها بحماس وإرادة وشغف منقطع النظير، متحدّية الشلل النصفي، والتقزّم، وعجز يدها الأخرى، والصعوبات المادية والمعيشية، وتواضع الإمكانيات، وغياب الدّعم والتشجيع والاهتمام.
ويُعد المُعاقون من أكثر الفئات تضرراً من الحرب الدائرة في البلاد، للعام السادس على التوالي، والتي خلّفت أسوأ وأخطر أزمة إنسانية على مستوى العالم، وفقاً لتقارير دولية، ذكرت أن "قرابة أربعة ملايين ونصف المليون شخص من ذوي الإعاقة في اليمن يعانون: التجاهل، والخذلان، وغياب الرعاية، وتبعات الحرب، والتي عرّضت الكثيرين منهم للمخاطر والنّزوح، والتشرد، والحرمان، وفصل البعض عن عائلاتهم، إلى جانب تدهور أوضاعهم الصحيّة والإنسانية.
ويعيشون حياةً قاسيةً وظروفاً معيشيةً مأساويةً وفقراً مدقعاً وغياباً للخدمات، خصوصاً مع إغلاق أكثر من 300 جمعية، ومركز رعاية، ومنظمة محلية ودولية، أبوابها، وإيقاف خدماتها، التي كانت تقدّمها بشكل منتظم للمُعاقين في مختلف المحافظات.
ويجابهون العوز والبطالة والجهل وشدة الحاجة بمختلف الطّرق، في مشهد برزت فيه العديد من التجارب، وقصص النجاح، لمُعاقين تغلّبوا على الإعاقة وانعكاساتها النفسية، وصاروا مصدر إلهام للكثيرين.
وترسم آسيا لتتغلب على الفراغ، وتنسى الألم والحسرة، التي خلفها توقفها عن التعليم الجامعي، كما تقود جهوداً حثيثة لتثبت نفسها للمجتمع، وتكون فرداً فاعلاً ومؤثراً فيه، ولا شيء سيثنيها عن رغبتها وعزمها لصنع بصمة في رسوماتها، وإضفاء نكهة خاصة ولمسات جمالية تجعلها مُميزة وأكثر حضوراً، ومنافسة للوحات الرسامين العالميين.
وتقول لموقع "بلقيس": "أرسم بيد واحدة فقط، وأستخدم ذقني أحياناً".. مضيفة: "الإعاقة إعاقة الفكر، وأتغلب عليها بالثقة بالنفس والإصرار والإيمان بأنه لا شيء مستحيل، إلى جانب الاعتقاد بغياب الفوارق بين الشخص المُعاق والعادي".
وتسعى لتطوير نفسها وصقل مهاراتها، عبر التعلم عن بُعد، والالتحاق بدورات تدريبية متعددة، إلى جانب مشاهدة "اليوتيوب" ومطالعة الكتب، والاطلاع على تجارب رسامين آخرين، والاستفادة من خبراتهم وطرح الأسئلة عليهم.
وتلازمها موهبتها وفرشاتها منذ طفولتها، التي كانت تنقش فيها رسومات عادية وغير متْقنة، إلى أن أكملت "الثانوية العامة"، وتفرّغت للرّسم، وتعرّفت حينها على الفنان الراحل عبد الله المجاهد، فشجّعها على مواصلة مشوارها الفني، وحثّها على الإصرار وبعزيمة قوية، لتصل إلى العالمية.
درب شائك
وفتح المجاهد أمامها آفاقا جديدة، وعرّفها برسّام في "منتدى العربي للفنون"، الذي التحقت به للتعليم عن بُعد، وشاركت في عدة دورات تدريبية، واستمرت في الدراسة بالمنتدى نفسه، حتى اليوم.
كما التحقت بدورات عدّة لدى رسامين آخرين، ومراكز خاصة بتأهيل المُعاقين، بينها "مؤسسة العربية" و"حقوق الإنسان".
وُلدت آسيا أواخر العام 1994، في "ذبحان" مديرية "التربة" بمحافظة تعز، ونشأت وتعلمت في صنعاء، والتي أكملت فيها "الثانوية العامة"، ثم التحقت بأحد معاهد اللغات لتعلم اللغة الإنجليزية، وبعد عام كامل توقف المعهد عن العمل، بسبب الأوضاع الراهنة.
والتحقت بإحدى الجامعات لدراسة "الجرافيكس"، لكنّها لم تكمل مشوارها الجامعي، بسبب إعاقتها وصعوبة التنقل بين القاعات، وهو ما تشير إليه آسيا موضحة: "دخلت الجامعة، ولأني بيد واحدة لم أستطع التنقل من محاضرة إلى أخرى، فطرحت الموضوع على الإدارة، لكنها تجاهلتني، ولم تضع حلا لمشكلتي، ولم تستشعر أدنى مسؤولية تجاهي".
وفي حين لم تواصل مشوارها الجامعي
اتجهت نحو الرّسم بشكل أكبر، وفي نفسها ألمٌ من معاناتها الكبيرة، وحسرةٌ من موقف إدارة الجامعة والزملاء، الذين لم يقفوا إلى جانبها.
وتشكو صعوبات كثيرة، وإهمالا رسميا ومجتمعيا، وحرمانا من أبسط الحقوق، في بلد يتهاوى فيه ملايين الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة بصمت.
شجون
وتذكر: "نحن في مجتمع لا يحصل الأشخاص السليمون على حقوقهم، فما بالُكم بالمعاقين، والذين يفتقرون للطّرق المناسبة، والسلالم الخاصة بهم، كما لا يتلقون أي خدمات، سواء من المَرافق الحكومية أو الخاصة".
وتتنصل الحكومة والمنظمات المحلية والدولية عن مسؤولياتها تجاه المُعاقين، كما لم تقدّم لهم دعماً ماديا أو معنويا، ولم تعمل على دمجهم في مجتمع منهك، ويتلقى مساعدات إغاثية متواضعة من بعض المنظمات، والتي تقدّم القليل من المواد الغذائية "قريبة الانتهاء"، حد تعبيرها.
وتتأثر آسيا سلباً بأزمات المُشتقات النفطية، واستمرار ارتفاع أسعارها، إلى جانب تراجع قيمة العُملة المحلية مقابل العُملات الأجنبية الأخرى، وهو ما تشير إليه منوهة "عندما يرتفع صرف الدولار، أواجه صعوبة في شراء أدوات الرّسم، والتي أبحث عنها من مكتبة إلى أخرى، وإذا لم أجدها أشتريها من الخارج".
وتوضح "أجلب أكثر الأدوات من خارج البلاد، جراء الأوضاع الراهنة، وعدم قدرة أصحاب المكتبات على توفيرها، ما يضاعف عليَّ تكاليف شرائها، ويثقل كاهلي".
وتحدق بها المُعاناة من كل صوب، بدءا بوضعها المعيشي والمادي المتردي مع أسرتها، مروراً ببُعد منزلها، الأمر الذي يحول دون التحاقها بالمعاهد للدراسة، كما يمنعها من المشاركة في الفعاليات، والمزيد من المعارض، لإضافة رصيد لمشاركاتها السابقة والمتعددة.
قصة عشق
وتشتد حاجتها لكرسي كهربائي، يساعدها على التحرّك بمفردها، والتنقل من مكان إلى آخر، إذ أن الكرسي المتحرّك الذي بحوزتها يشكل عائقاً أمامها، ويقيّد حركتها، ويجعلها عاجزة عن الخروج، ما يفاقم معاناتها، ويتطلب وجود شخص آخر لمساعدتها ودفع الكرسي المتحرك.
ولا يشكّل الرسم مصدر دخل مناسب، كما لا يغطي احتياجاتها ومصاريفها، ولا يفي بقيمة مستلزمات الرّسم، ما يجعلها تستدين بعض المال، لتوفير أدوات الرسم، والتي تعتمد على مساعدة أهلها في شرائها، في الوقت الذي لا تحظى بتقدير الزبائن، والذين تحصل منهم على مبالغ زهيدة، لا تتناسب مع جهودها وتعبها.
فالرّسم في نظرهم: فرشاة، وقلم، وورق، لكنّه في اعتقادها، ورأي المثقفين والرسامين، "عالم مكتظ بالألوان والحياة".
وتترسّخ علاقتها بالرّسم، والذي يبعث في نفسها الحياة والروح، كما تربطها به علاقة حب وعشق كبير، جعلها تعانق لوحاتها وتناجيها، وتمنحها الألق والجمال، في حين تستمد منها الدافع لمواصلة مشوارها الفني، وتسلّق سلّم النّجاح في مشهد غرامي. تختم فيه آسيا حديثها لموقع "بلقيس" مردفة: "الرسم شغفي، وأحبه كثيراً، ولولا هذا الحب ما سعيت ووصلت إلى ما وصلت إليه اليوم".



