أخبار سياسية
الرحمة في زمن الموت.. مبادرات خيرية لإطعام الفقراء!

قناة بلقيس – حسان محمد
في ساعات الظهر، كان طابور من النساء والأطفال وكبار السن يقفون جوار أحد المطاعم، بصورة تشدّ أنظار المارّة، وترسم علامات استفهام عن سبب التجمّع، لكن الذين يعملون في السوق القريبة من المطعم، يرونه منظرا مألوفا اعتادوا على رؤيته.
تبددت الأسئلة التي كانت على وجوه المارّة، عندما خرج عامل المطعم حاملا صناديق بلاستيكية تحوي أكياسا من الرز، وبدأ يوزّعها على الناس الفقراء الذين تجمعوا حوله، وهو يتعامل معهم بشيء من الودّ والألفة
معاملة حسنة
الأربعينية "أم محمد" واحدة من الناس الذين يأتون إلى المطعم كل يوم، وتعود إلى منزلها بما يجود به مالكه، لتطعم أبناءها الأربعة.
لم تعتاد "أم محمد" -وهي أرملة، توفي زوجها منذ عامين- أن تخرج إلى الشوارع لتتسول الناس، لكن الظروف أجبرتها على الوقوف والانتظار أمام المطعم، الذي يقع بالقرب من الحي الذي تسكن فيه، لتأخذ نصيبها من الطعام.
تقول "أم محمد" لـ"بلقيس": "تعامل أصحاب المطعم باحترام مع الفقراء والمحتاجين شجّعني على التردد عليه، للحصول على ما كتب الله، وخفف عني مرارة السؤال".
كمية الأرز التي كانت تحملها لم تكن كافية لإطعام أسرة مكوّنة من خمسة أفراد، إلا أنها تعتبرها نعمة كبيرة من الله، وتثني على عطاء فاعل الخير.
وتضيف: "الرز يمثل جزءا من الوجبة، ونعمل على توفير الباقي".
ويتفق معها عامل المطعم، عبدالغني، أن الكمية التي تُوزع لا تكفي لأسرة كبيرة، ويرى أن المحل لا يستطيع أن يوفّر كميات أكبر، لأن الفقراء كُثر، لكنها تساهم على توفير جزء من قوت يومهم.
يقول عبدالغني: "بدأ المطعم منذ شهور بتوزيع الوجبة للمعدَمين، استشعاراً بضرورة التكافل الاجتماعي، وواجب الناس الميسورين تجاههم، خاصة في ظل الأوضاع التي خلفتها الحرب".
ويضيف لـ"بلقيس": "المطعم يخصص كميات من وجبة الرز يومياً، وعند نهاية وجبة الغداء تُجمع بقايا الطعام، ويتم توزيعها على بعض الأسر إلى بيوتهم".
تكافل اجتماعي
ليس مطعم عبدالغني الوحيد، الذي يقدّم وجبات مجانية للفقراء، بل هناك عدد من المطاعم والأفران يقدّمون مساعدات مشابهة، ويتبنون مبادرات خيريّة، تعمل على تخفيف معاناة الفقراء، وتحقيق التكافل الاجتماعي.
ومنذ بداية الحرب عمل فهمي – مالك مخبز شمال العاصمة- على توزيع الخبز مرتين في اليوم على الفقراء الذي اعتادوا على التردد على المخبز في الصباح والمساء، لأخذ حصتهم، دون أن يشعروا بأي تذمّر أو امتعاض من العمّال.
ويستحي "عبدالله" –اسم مستعار- من الذّهاب إلى الفرن القريب لمنزله للحصول على الخبر، لكنه يرسل ابنه ذا العشر سنوات مع بعض أطفال الحي.
يقول عبدالله: "أنا موظف حكومي، ولم أكن في السابق بحاجة إلى مساعدة الآخرين، إلا أن الحرب بدلت الأوضاع، ولم أعد قادرا على الإيفاء بمتطلبات المنزل".
ويضيف: "ليس من السهل أن أقف وسط طابور من الأطفال والنساء للحصول على الخبز، بعد أن كانت لي مكانتي بين الناس".
وخلال سنوات الحرب، بادرت بعض الأسر الميسورة بتوزيع الكُدم (نوع من الخُبز) في الحارات على الأسر الفقيرة، وأعدت كشوفات بأسماء المحتاجين، لتتكفل بتغطية احتياجاتهم اليومية منها.
فساد أممي
لا تتوقف الأمم المتحدة عن إصدار التقارير حول الوضع الإنساني في اليمن، وتتوالى تحذيرات المسؤولين في المنظمة عن الوضع المأساوي من حدوث مجاعة تصفها بأنها "أكبر أزمة إنسانية في العالم".
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، يحتاج 80% من الناس في اليمن إلى المساعدة، ويعاني 16 مليون نسمة من الجوع، منهم خمسة ملايين صاروا على حافة المجاعة، ويعاني 400 ألف طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، وسيصل العدد إلى نحو 2.3 مليون طفل خلال هذا العام، كما تؤكد "يونيسيف".
وبالمقابل، تحصل المنظمات الدولية على أرقام مالية كبيرة بحُجة مساعدة الفقراء الذين يمثلون غالبية المواطنين في اليمن، لكنها لا تصل إلى مستحقيها، وتمثل ملف فساد، تتشابك فيه الأطراف والمصالح ومراكز النفوذ.
وسنوياً تجمع الأمم المتحدة تمويلا دوليا يتجاوز 3 مليارات دولار، لمساعدة الناس في اليمن، وتخفيف وطأة الحرب على الفئات المجتمعية الأشد فقراً.
وفي العام الحالي، أشارت المنظمة -على لسان منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة (مارك لوكوك)- إلى أن ثمة حاجة لجمع نحو أربعة مليارات دولار، لتمويل العمليات الإنسانية، إلا أن "أم محمد" تؤكد أنها لم تحصل على مساعدات غذائية طوال السنوات الماضية.
وتبادلت جماعة الحوثي ومنظمة الأمم المتحدة، خلال السنوات الماضية، الاتهامات حول الفساد، وبيع المساعدات الإغاثية، وعدم وصولها إلى مستحقيها، وتوقف توزيع المعونات لعدة أشهر، إلا أن المنظمات الدولية رضخت لشروط الجماعة على الرغم من عدم تصحيح الأخطاء أو إلزامهم بآلية تحد من الفساد.
ظهر الفقر في اليمن بوجوه كثيرة، وخاصة في المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، بسبب انقطاع المرتبات عن معظم موظفي الدولة، والتجارة بالمساعدات الغذائية المقدّمة من الأمم المتحدة، والجبايات المفروضة، إلا أن المبادرات الخيريّة مثلت شعاع أمل لأسر كثيرة في تخطي الجوع.



