أخبار سياسية
باحثة أمريكية: التدخلات في اليمن تكشف إخفاقات السياسة الخارجية لواشنطن في الشرق الأوسط
استعرضت الباحثة السياسية الأميركية ألكسندرا ستارك في كتابها "النموذج اليمني.. لماذا فشلت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط"، السياسة الأميركية تجاه اليمن خلال العقود الماضية، معتبرة أنها تعكس أوجه قصور أوسع في مقاربة واشنطن للمنطقة.
وقالت ستارك، في كتابها الذي استند إلى مقابلات مع مسؤولين سابقين في الولايات المتحدة وموظفين في الكونغرس ونشطاء، إن التدخل الأميركي المتكرر في اليمن لم يحقق أهدافه السياسية، لأنه ركّز بالأساس على مكافحة الإرهاب والتنافس الجيوسياسي، متجاهلًا احتياجات وتطلعات الشعب اليمني نحو الاستقرار والتنمية.
وقدمت الكاتبة في الصفحات الأولى من عملها عرضًا تاريخيًا موجزًا لليمن والتدخلات الخارجية التي شهدها، مؤكدة أن تجاهل هذا السياق التاريخي كان أحد أبرز أسباب فشل السياسات الأميركية في تحقيق الاستقرار.
وأشارت ستارك إلى أن جنوب اليمن، وخاصة ميناء عدن، خضع للاحتلال البريطاني منذ عام 1839، بينما تشكلت المملكة المتوكلية اليمنية في الشمال بعد انسحاب العثمانيين، واستمر هذا الوضع حتى ستينيات القرن الماضي، حين أسفرت الثورات عن قيام الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، قبل أن تتحقق الوحدة اليمنية عام 1990 وتتخذ صنعاء عاصمة للدولة الموحدة بقيادة علي عبدالله صالح.
وترى الكاتبة أن ذلك لم ينهِ التوترات الداخلية، إذ اعتبر الجنوبيون أن الوحدة لم تحقق التوازن المطلوب، ما أدى إلى اندلاع حرب 1994 التي انتهت بتعزيز نفوذ علي عبدالله صالح وإقصاء خصومه.
وتضيف ستارك أن نظام صالح اعتمد على شبكة من التحالفات القبلية والمحسوبية في إدارة الدولة وتوزيع الموارد والمناصب، ما أسهم في تصاعد الاحتقان الداخلي وظهور حركات التمرد في الشمال والجنوب، إلى جانب تدخلات خارجية عمّقت الصراع، وحوّلت اليمن إلى ساحة تنافس إقليمي.
وأوضحت أن التدخل الأميركي في اليمن بدأ بشكل محدود مطلع الألفية، ثم تصاعد بعد هجمات 11 سبتمبر، مع اعتماد واشنطن على نظام صالح في تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب.
وتشير الكاتبة إلى ما سمته "النموذج اليمني" الذي تبنته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، والقائم على ثلاث ركائز: الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة، والدعم الأمني والعسكري للحكومة اليمنية، والشراكة مع قيادة محلية قوية لإدارة التهديدات، بهدف تقليل الانخراط العسكري المباشر وتجنب تكرار تجارب العراق وأفغانستان.
لكن ستارك تؤكد أن هذا النموذج، رغم ما حققه من نتائج تكتيكية، تسبب في خسائر مدنية وأثار غضبًا شعبيًا واسعًا، وأسهم في توسع الخطاب المتشدد، معتبرة هذه المرحلة "حروبًا غبية" أدت إلى تعميق الأزمة بدل حلها.
كما ترى أن الدعم الأميركي للأنظمة السياسية في اليمن خدم النخب الحاكمة أكثر من المصلحة العامة، وأن بعض عمليات مكافحة الإرهاب كانت شكلية، ما ساهم في استمرار تدفق المساعدات دون تحقيق نتائج استراتيجية مستدامة.
وتشير إلى أن الضربات الجوية أدت إلى تداعيات سلبية، منها زيادة التجنيد في صفوف تنظيم القاعدة، وتصاعد السخط الشعبي، وضعف الثقة بالحكومة، إلى جانب حوادث أمنية بارزة، منها هروب عدد من عناصر التنظيم من سجون يمنية.
وفي ما يتعلق بالتحولات السياسية، ترى ستارك أن ثورات الربيع العربي في اليمن لم تؤدِ إلى تغيير جذري، وأن مؤتمر الحوار الوطني عام 2013 فشل في معالجة الانقسامات بسبب استبعاد أو تهميش أطراف رئيسية، ما مهّد لتدهور الأوضاع لاحقًا وسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2015.
وتضيف أن اليمن تحول بعد ذلك إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وسط تدخلات متعددة ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية وانهيار مؤسسات الدولة.
وتختم الكاتبة بالإشارة إلى التطورات منذ نوفمبر 2023، في ظل التصعيد في البحر الأحمر وخليج عدن، ودور الحوثيين في استهداف السفن، وما تبعه من إعادة تشكيل السياسات الأميركية عبر تحالفات دولية لحماية الملاحة البحرية، رغم استمرار الانتقادات لغياب معالجة الجذور السياسية للأزمة.
وخلصت الكاتبة الأميركية ألكسندرا ستارك، إلى وضع مجموعة من النقاط التي اعتبرتها دروسًا من التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط وهي أن إعطاء الأولوية للاستقرار قصير الأجل على حساب معالجة الأسباب الجذرية للصراع لا يحقق نتائج على العكس؛ مشيرة إلى أن الاعتماد على الحكام المستبدين، وصفقات القطاع الأمني، والانتصارات السريعة في مكافحة الإرهاب يعمق المشكلات التي تُؤدي إلى التطرف والحرب الأهلية.
وشددت ستارك على ضرورة أن تقلل الولايات المتحدة من تدخلها في المنطقة، حتى لو كان لصالح حلفائها وتركز على الوسائل التي تتحقق بها حياة كريمة للشعوب وتمكنهم من التمكين السياسي بدلا من معاملتهم كعناصر ثانوية غير مؤثرة.
وتعد ألكسندرا ستارك باحثة في مركز "راند"، ومتخصصة في قضايا الأمن القومي، والسياسات الدفاعية، والحروب غير النظامية، والسياسة الاقتصادية الدولية، والشرق الأوسط.