تقارير
احتفاء الحوثي بالمولد النبوي.. تكريس لفكرة الوراثة الدينية

يحتفي المسلمون بذكرى المولد النبوي، في كل أنحاء العالم الإسلامي، إلا أن مليشيا الحوثي في اليمن تقيم فعالياتها بهذه المناسبة بأسلوبها الخاص، حيث تعمل على تسويف فكرة الوراثة الدينية لزعيمها (عبدالملك الحوثي)، باعتباره حفيدا للنبي ووريثا له، كوريث حصري للنبي، على مكتسبات اليمنيين، الديمقراطية.
تروّج مليشيا الحوثي لهذه المناسبة، وغيرها من المناسبات، لتستغلها سياسيا وعسكريا كـ يوم عيد الغدير ويوم الصرخة، ويوم الولاية، التي يطغى عليها اللون الأخضر، تكريسا لثقافة جديدة تطغى على ألوان الجمهورية والثورة.
مكاسب المليشيا من استغلال ذكرى المولد النبوي الشريف، بتحويلها للنهب وفرض الجبايات على المواطنين بحجة تمويل الاحتفال بالمناسبة، إذ يدفع اليمنيون ثمن هذه الفعاليات من أموالهم وأرواحهم بالإكراه، فهل تمكنت المليشيا من رقاب اليمنيين وصادرت أحلامهم بوطن تسوده الحرية، وقيم العدالة؛ أم أن للغد الآتي حديثا آخر؟
- استغلال للنبي
في هذا السياق، يقول الكاتب والباحث، الدكتور عبدالله القيسي: "محزن جدا أن يكون النقاش في هذه الذكرى، وفي هذا اليوم، حول استغلالها بدلا من أن يكون هناك احتفاء برسالة النبي - عليه الصلاة والسلام".
وأوضح أن "حجم الاستغلال، الذي يجري اليوم في اليمن لهذه المناسبة وما جرى خلال السنوات الأخيرة، لا يفوقه أي استغلال في التاريخ الإسلامي بما فيه أيام الدولة الفاطمية".
وأضاف: "إذا حاولنا أن نقارن بين ما يجري اليوم، في هذه المناسبة، وبين الاستغلال الذي جرى في التاريخ الإسلامي من الدولة الفاطمية، وبعض الدول الشيعية، سنجد أن هناك مضاعفات كبيرة ضاعفتها مليشيا الحوثي، باستخدام أساليب كثيرة، ليس لأجل النبي، وإنما لترسيخ مفهوم واحد، أن هذا الحكم ملك لها بالقوة".
وأشار إلى أن "الكثير من الناس في الداخل والخارج يعرفون بأن هذا استغلال للنبي - عليه الصلاة والسلام - لكن ليس بيدهم شيء، والمليشيات تعرف أيضا أنها مهما حاولت ترسيخ هذه المفاهيم بهذه الوسائل والأدوات الكثيرة، فإنها في ظل هذا العالم المفتوح؛ ستندثر سريعا'.
وذكر أن "مليشيا الحوثي تحاول بشتى الوسائل والضغوط، وبالقوة لعلها تُنتج من الجيل القادم من يتعصب لمثل هذه المفاهيم، بالرغم من هشاشتها وتهالكها، والنبي - عليه الصلاة والسلام - وصحابته، والقرآن الكريم، الذي هو أساس رسالة النبي، لم تعر انتباه لشخص النبي في مسألة ميلاده، وإنما كان تركيزها على الرسالة ذاتها".
وقال: "إن أهم قيمة في رسالة النبي محمد - عليه الصلاة والسلام - عن بقية الرسالات، أنها الرسالة الخاتمة، بمعنى أنه سيكتب لها الخلود، وأن هذا الوحي قد انتهى بهذه القيم، ثم ترك المجال للعقل البشري لكي يطور أمور حياته بما يناسب الزمان والمكان"، مضيفا: "لكن المليشيا تريد بتر هذا المفهوم، بأنها لم تجعل لهذا العقل أي قيمة، وأنه لا بد أن يكون هناك شخص ما، أسمته الإمام، هو الذي يدير شؤون حياتنا، وهو أعرف منا بأنفسنا".
وتابع: "النبي - عليه الصلاة والسلام - كان له في حياته ثلاثة أحوال أو مقامات، وتصرفات، حيث كان في حالة من حالته يتصرف كنبي ورسول، وهذا يكون بالوحي، وفي حالة من حالته كان يتصرف كولي أمر للمسلمين في ذلك الزمن، والحالة الأخيرة كان يتصرف بها كإنسان عادي".
ولفت إلى أن "عند موت النبي -عليه السلام- وقف الصحابة وتشاوروا، ولم يكن في بالهم مطلقا بأنهم سيرثونه من باب الوحي أو الرسالة، وفكروا فقط بأن الخليفة سيخلفه في مقام ولاية الأمر، لأن هذا المقام عائد على المجتمع، وقائم على الشورى".
وقال: "بعد أن جاءت الفكرة الشيعية الإثنا عشرية، وهي جاءت متأخرة، وقالت: لا، واعتبرت أن من يرث النبي ليس من ورثه في مقام ولاية الأمر، - الذي يختاره الناس بالشورى - وإنما من ورثه أيضا في الوحي، وأن الإمام هو المكمل للرسالة - استمرار الإمام تعني إلغاء العقل البشري - ومن هنا جاءت فكرة الوراثة في التيار الشيعي، مع الفارق بين المذهب الإثنا عشري، الذي يرى بأن من حق الإمام أن يشرّع تشريعات حتى وإن ناقضت القرآن الكريم، وبين المذهب الزيدي، الذي يرى بأن الوراثة وصية فقط وليست عائدة للناس".
- ابتزاز بالدين
من جهته، يقول الباحث السياسي، سمير مريط: "إن مليشيا الحوثي تبتز اليمنيين بالدين الإسلامي في كل المناسبات، وتأتي مناسبة المولد النبوي لصالحها، لأنها تستطيع تجييرها لصالح مشروعها السلالي الطائفي".
وأضاف: "عندما تقوم هذه المليشيات بتغيير اسم شارع اعتاد الناس على تسميته باسم يدل على الثورة والجمهورية، باسم شارع الرسول الأعظم، فهذا يعني بأنها تبتز الناس بالنبي - عليه الصلاة والسلام".
ويرى أن "المليشيا تعتبر ذكرى المولد النبوي مناسبة لابتزاز الناس ماديا، واغتصاب هويتهم الاجتماعية، والفكرية، والثقافية، بصلف وبجاحة وجرأة، نستغرب منها"، مشيرا إلى أنه "ومن الواضح جدا لأي شخص متابع بأن مليشيا الحوثي بعيدة جدا عن مبادئ الدين الإسلامي، وعن أي دين آخر، حتى عن المبادئ والقيم الإنسانية المتعارف عليها".
وقال: "مليشيا الحوثي تمارس ادعاءاتها بأنها تمثل النبي - عليه الصلاة والسلام - وأن الاحتفاء به هو احتفاء بأسرة وعائلة سلالية ترتبط بالنبي، وهذا واضح عندما يستقبلون الناس ويرحبون بهم بقولهم: أهلا بضيوف رسول الله، أهلا بضيوف السيد عبدالملك، وكأن الرسول حيا يرى ويشاهد تلك المناظر".
وأضاف: "احتفاء المليشيا بهذه المناسبة يأتي بطريقة وبلون واحد، وظلام أخضر، مع أنه لا يجب أن احتفي بالنبي، بالطريقة التي تحتفي بها المليشيات، والتي من الواضح أنها تحاول من خلالها ترسيخ فكرا طائفيا مباشرا".
واعتبر أن "الاحتلال المباشر من دولة ما لدولة أخرى لا يصنع ما تصنعه مليشيا الحوثي، بهذا الصلف، فتغيير الهوية والثقافة تحتاج إلى وسائل ناعمة وليس بهذه الطريقة الصلفة".
وأكد أن "المجتمع اليمني يعرف بأن هذه الأساليب دخيلة عليه، وأننا كيمنيين لا نشبه هذه الأفعال ولا تشبهنا، وبمجرد الخلاص من هذه المليشيات سنتخلص من كل هذه التراهات".
وأشار إلى أن "جميع مناسبات المليشيا تقوم على فكرة زائفة، فهي تحتفل بعيد المعلم، وتهين المعلم، وتحتفل بعيد 26 سبتمبر، وتناقض أهدافه ومبادئه، وتذكرني هذه التصرفات بمن يعصي والديه وفي عيد الأم ينهب أموال والدته ليشتري لها هدية ويستعرض بها أمام الناس".
- كرنفال سياسي
من جهته، يرى الصحفي علي الفقيه أن "الشعب اليمني لديه من الوعي والإدراك ما يجعله يميّز بأن ما تقوم به مليشيا الحوثي مجرد كرنفال سياسي تستخدم فيه اسم الرسول الأعظم للتغطية على جرائمها بحق الشعب اليمني، والتغطية على أفعالها وممارستها القبيحة التي تحاول من خلالها تغيير هوية المجتمع اليمني".
وقال الصحفي الفقيه: "كل الجرائم، التي تقوم بها مليشيا الحوثي، تلبسها بلباس الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وللأسف هم يدنسون مقام الرسول بنسبة أنفسهم إليه، فكيف يمكن لعصابة مليشياوية إجرامية أن تدّعي انتسابها لخير الخلق، وهي تقوم بكل ما يناقض الرسالة التي جاء بها الإسلام".
وأشار إلى أن "مليشيا الحوثي تحاول أن تحوّل من جاء به الله تعالى رحمة للعالمين إلى مجرد لافتة لتزيين كل قبيح تمارسه بحق اليمنيين".



