تقارير
أحمد.. لاجئ سوري يمتهن السمكرة للاستقرار في اليمن

يمضي النازح السوري "أحمد" عقده الرابع من العمر، داخل ورشته الخاصة بصيانة "سمكرة ورنج السيارات" قُرابة "11" ساعة عمل يومياً، مُذ قدم إلى صنعاء، صيف العام 2012م، هارباً من قصف البراميل المتفجّرة وصواريخ القصف، التي كان وما يزال يلقيها سلاح الجو السوري على رؤوس مواطنيه بمدينة حلب، مسقط رأس الرجل.
وصل أحمد برفقة عائلته إلى صنعاء أنذاك، هاربين من جحيم الحرب في بلادهم، أُحتسب فرارهم نجاةً من الموت المُحقق.
يقول أحمد لبلقيس: "كُتبت لنا الحياة من جديد".
تحققت لهم النجاة، ولمس الرجل شيئا من الاستقرار في صنعاء حينها، لم يملك اللاجئ الذي شردته الحرب أي مصدر للدخل والإنفاق على عائلته.
يضيف لبلقيس: "ما عم تعلمت منيح، كنت عم بفشل في الدراسة".
تبدو رغبته الذاتية أقوى مؤشر لتخليه عن التعليم. لكن أحمد عوّض نفسه من باب "المهن" عن فشله بالتعليم، ليكتسب رزقاً ومعيشة "بكفيّه" من مهنته في "سمكرة السيارات"، يقول لبلقيس: "عم بعمل سمكري".
تلك المهنة التي استطاع من خلالها، تأمين حياتهم في صنعاء. مُذ بدأ مشروعه الخاص (ورشة سمكرة السيارات) حرص الرجل على توفير تجهيزات حديثة، من معدات ومستلزمات خاصة بمهنته، إضافةً إلى إتقان العمل ودِقة المواعيد.
حيث حاز "السمكري أحمد" على ثقة معظم ملاك السيارات الذين يترددون عليه لإصلاحها. حيث صار يُعرف لدى كثيرين بـ "السوري".
تزدحم ورشته بأحدث موديلات السيارات بمختلف ماركاتها، التي تحتاج أعمال "سمكرة، ورنج"، كون ورشته حديثة، تتميّز عن ورش كثيرة تعمل في مجاله نفسه بصنعاء.
يقول أحمد لبلقيس: "عم نتميز بالمعدات الحديثة كالفرن الحراري".
تأتي شُهرة الرجل ربما من شركات التأمين، خصوصاً قطاع تأمين السيارات من الحوادث، التي تصل ورشته في حالات "الاصطدامات"، ويقوم بإصلاحها فوراً.
الموظف الأربعيني معاذ الثلايا، مسؤول عن تقدير الأضرار الناتجة عن الحوادث في قطاع تأمين السيارات بشركة "كاك للتأمين"، يقول لبلقيس: "السوري أفضل من سماكرة كثير، بيتقن عمله، ويصلح السيارات اللي بنديهن لعنده بالموعد اللي نحدده احنا من الشركة".
ويعتمد الرجل في ورشته على نحو "10" عمال يمنيين، مقابل أجور يحددها لهم، نظير كل عمل يقومون به، وبحسب التخصص الفني لكل واحد منهم.
نحو 9 أعوام مرت على أحمد وعائلته المكونة من 6 أشخاص، مُذ فرّ من بلدته في حلب خشية الموت من براميل البارود التي كانت تلقيها طائرات بشار على رؤوسهم.
حقق أحمد استقراراً معيشياً في صنعاء، لم يكن يحلم به في بلاده. حيث يتقاضى عائداً محترماً من مهنته، وحاز شهرةً لا بأس بها.
يتمسك السوري الأخير بصنعاء كملاذٍ أمنٍ للعيش، رغم ما تتعرّض له من قصف منذ سنوات.
يقول أحمد لبلقيس: "اليمنيين كُلن طيبين، وعم يشعروك أنك واحد مِنن".
العامل الثلاثيني في الورشة، يُثني كثيرا على أحمد السوري عبر "بلقيس" بقوله: "عمنا أحمد، وفي ومحترم، ويقدر عملنا، ويجيب كل حقوقنا مقابل شُغلنا".
هاربون بين نارين
ضمن رحلة هروب واسعة، شردت ملايين السوريون، تقاسموا اللجوء على مشارف بلدان العالم المختلفة. نتيجة القتل والقصف وأساليب الحرب المختلفة المُتبعة من قوات بشار الأسد بحق شعب أعزل. حيث استقبلت اليمن آلاف اللاجئين السوريين مذ اندلاع الحرب السورية في مارس/آذار2011م.
ووفقاً لقوائم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن، فإن عدد اللاجئين السوريين في اليمن 4005 لاجئين، حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من العام الفائت 2020م.
وبالنظر إلى الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تعيشها اليمن ومازالت، نال اللاجئون السوريون نصيبهم منها، إذ امتهن كثيرون منهم التسوّل، تحت وطأة ظروفهم الأليمة.
معظم هؤلاء الفارين من نار الحرب في بلدهم، لم يلبثوا في اليمن وقتاً طويلاً، حتى هربوا مجدداً من نيران حرب التي أشعلتها مليشيا الحوثي الانقلابية في سبتمبر/أيلول من العام 2014م. حينذاك، اختفى معظمهم بحثاً عن ملجأ أكثر أمناً واستقراراً، في البلدان المجاورة لليمن.
أحمد قال لبلقيس: "كانوا كالذي استجار من الرمضاء بالنارٍ".
بتلك الحرب المشؤومة التي جعلت اللاجئين السوريين يهربون بين نارين، فاقدين سٌبل العيش الكريم والملاذ المُستقر.
يفقد المرء أشياء كثيرة، وبمرور الزمن يسهٌل عليه تعويضها، لكن أن يفقد وطنه مُجبراً، ذاك أمر يصعُب تخيله.
لاجئ سوري يبلغ من العمر 36 عاماً، مازال يملك مطعم للوجبات السريعة في صنعاء، يقول لبلقيس: "الحرب عم بتشرد الناس، كحالنا هون، وعم يستفيد من الحرب القتلة واللصوص". يبقى اللجوء والفرار من سعير الحرب مُتسيداً الموقف في اليمن وسوريا، حيث شردت الحرب ملايين اليمنيين من بلدهم، خوفاً من أن تطالهم أساليب القمع والتنكيل، التي نهجتها مليشيا الحوثي الانقلابية.



