تقارير
أرصفة العابرين.. مأوى المشردين في صنعاء

يلوذ المُتشرّد السبعيني "قاسم"، عند كل مساء، بالمبيت على الرصيف المحاذي لسور جامعة صنعاء "القديمة" من الجهة الشرقية.
لا يملك قاسم فراشاً وثيراً ينام عليه، بل يفترش مجموعة كراتين يضع عليها قطعاً قماشية ممزّقة وبطانية مهترئة يتغطّى بها، لحماية جسده المُنهك أثناء المنام من موجات البرد، خصوصاً خلال ليالي شتاء صنعاء القارسة.
ويتخذ من ذاك الرصيف مسكناً له مُذ بدأت رحلة تشرّده قبل عدة سنوات، نتيجة التقاء مشاكله الخاصة بظروف الزمن العصيبة، وكذا الإهمال من طرف أُسرته.
يقول قاسم لموقع "بلقيس": "لي سنين وأنا ساكن بالرصيف ما معي أحد، ولا معي مكان أسير أرقد فيه، أنا حالتي المادية صعبة، تركت عائلتي بسبب المشاكل والظروف عندما ما عاد قدرت أحلّها، حتى وصلت لهذا الحال".
قاسم ليس المتشرّد الوحيد الذي يلوذ برصيف العابرين، بل هناك متشرّدون آخرون يقاسمونه الرصيف للغرض ذاته، يتجاورون فيما بينهم بما وزعوّه لأنفسهم من مساحات صغيرة من الرصيف بطول امتداد سور الجامعة.
إذْ غطّى بعضهم بقعته الصغيرة بالأكياس والطرابيل وبقايا قطع الكراتين المستخدمة، ليعيش فيها ليلاً ونهاراً.
عبد الغني، مُتشرد يبلغ من العمر 39 عاماً، يقول لموقع "بلقيس": "من أول الحرب أنام على الرصيف، كنت أشتغل نجار، خسرت كل ما أملك بسبب الأوضاع، تقفلت الحياة بوجهي، وفقدت كل ما أملك، تشرّدت ولجأت للحياة هنا". وتحوّل المكان إلى مأوى لبعض المتشرّدين في صنعاء، يزداد انتشارهم فيه ليلاً للنوم حتى مطلع الشمس.
إذْ يفتقد المكان لأبسط وسائل النّظافة من فرط سُوء استخدامهم للمكان في قضاء حاجتهم فيه، الأمر الذي يكاثر انتشار الأوبئة في المكان، لغياب وسائل النّظافة، إضافة إلى تخلّي المختصين عن إيجاد حلول للظاهرة برمّتها.
- مضاعفات الحرب
كاثرت الحرب أعداد المتشرّدين في شوارع صنعاء تحديداً، عبر انتاجها العديد من الآثار السلبية التي أضرّت المواطنين ومعيشتهم بصورة مباشرة وأساسية. إذْ حوّلت الحرب بعض أرصفة الشوارع في العاصمة صنعاء من خطوط سير للعابرين على أقدامهم إلى مأوى للمشرّدين.
ويتركز انتشار العشرات منهم في بعض أرصفة المناطق الحيوية بالعاصمة صنعاء بدرجة رئيسية، كون المكان عامرا بتجمّع عدد من المطاعم الشعبية، ليحصلوا على وجباتهم اليومية منها مجاناً كمنطقة "باب القاع" وميدان التحرير.
"عوض" أحد المتشرّدين في التحرير، يبلغ من العمر 52 عاماً. يقول لموقع "بلقيس": "أعيش هنا من مدّة طويلة، وأحصل على الأكل من المطاعم القريبة بلاش، أنا حصلت لي مشاكل عائلية ونفسية، تركت كل شيء وخلاص".
وتأتي الحرب أهم عامل في شيوع الظاهرة السلبية على المجتمع، إذْ أنتجت صنوفا متنوعة من التشرّد، فشرّدت الموظفين من أعمالهم ومنازلهم، وألقت بالبعض في عالم التِّيه والخذلان، وشرّدت نازحي مناطق الصراعات من ديارهم، فملأوا شوارع المدن جوعى ومتسولين، إضافة إلى من قهرتهم الظروف المعيشية الصعبة، وتخلوا عن أطفالهم وأسرهم، ليلتحقوا بركب المتشرّدين نفسياً ومعيشياً في بلد تحكمه عصابات من اللصوص والقتلة.
المتشرّد خالد الطويل، البالغ من العمر 48 عاماً، يقول لموقع "بلقيس": "ما قدرت أوفّر احتياجات أسرتي مع هذه الأوضاع، حصلت لي صدمة نفسية بسبب الظروف، تركت العائلة وأعيش مشرّدا هنا".
إذْ فضّل كثيراً منهم حياة التشرّد على البقاء عاجزين أمام متطلبات أسرهم الضرورية، لتحتضنهم الأرصفة كأجساد داهمتها ظروف القهر والمعاناة والحرمان، بعد نزع مشاعر الحنين منهم.
- الرصيف حيٌ مُصغّر
تبدو الأرصفة، التي يسكنها المشردون في صنعاء، أشبه بالأحياء المصغّرة، نتيجة كثرة أعداد المتشردين بسبب الحرب الدائرة في البلاد مذ 7 سنوات، وتشاركهم رحلة حياة التشرّد والشتات، بعيداً عن أطفالهم وأسرهم، حيث أمضوا جزءا من سنين أعمارهم على تلك الأرصفة التي احتوتهم باعتبارها أحياء سكنية مصغرة في العراء.
تأتي ظاهرة النزوح الداخلي من مناطق الصراعات إلى السكن في الرصيف من نصيب بعض الأسر الفقيرة، التي أعجزتها الظروف المادية عن مواجهة احتياجاتهم الضرورية، إضافة إلى العجز عن دفع تكاليف أجور المسكن.
النازح عمر عياش، البالغ من العمر 52 عاماً، يقول لموقع "بلقيس": "نزحت إلى صنعاء بسبب الحرب في الحديدة، وتشرّدت أنا وأطفالي، والآن نسكن في الرصيف تحت هذا الطربال، لأننا غير قادرين عن توفير ايجار السكن".
هكذا ألقت الحرب بآثارها السلبية على حياة كثير من المواطنين اليمنيين، خصوصاً أبناء الطبقة الاقتصادية الوسطى والدنيا، وأحالتهم إلى جوعى ومشرّدين، فأصبحوا وأسرهم عرضة للضياع حالياً أكثر من أي وقت مضى.
ويفتقد سكان الأرصفة في صنعاء إلى الأماكن المخصصة لقضاء الحاجة، وتنعدم وسائل النظافة عنهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأوبئة والأمراض.



