تقارير
أرقام صادمة.. موقع "بلقيس" يتتبع ظاهرة انتشار المخدرات في تعز

لا يتوقف مركز الإرشاد الأمني عن توجيه التعليمات والرسائل لسكان مدينة تعز بخصوص انتشار المخدرات بشكل ملحوظ بما في ذلك مخدر "الشبو" القاتل، الذي ظهر مؤخراً في المدينة وفقا لإفادة الأجهزة الأمنية، التي أكدت لموقع "بلقيس" أن "الشبو" من أخطر أنواع المخدرات في العالم، كما أنه ليس له علاج، و يدمن عليه الشخص من أول مرّة، ويتم تعاطيه من خلال الاستنشاق أو الشم والحقن والتدخين والبلع.
وأبدى المركز مخاوفه من انتشار مخدر "الشبو" بشكل كبير، نظراً لرخص ثمنه وإمكانية تعاطيه عبر التدخين، وسهولة خلطة مع السيجارة أو معسلات الشيشة، التي يتعاطاها اليوم العشرات، إلى جانب سهولة تحضيره من مواد كيميائية، وخلطها مع عقاقير طبية من نوع "الميثامفيتامين"، وهو منشط ومحفّز قوي للجهاز العصبي المركزي.
ويثير التوسّع الملحوظ لظاهرة ترويج وتعاطي المخدرات مخاوف السلطات المحلية والأجهزة الأمنية في تعز، التي لوحظ فيها -خلال الأشهر الماضية- انتشار للحشيش والحبوب والحقن المخدرة، وهو ما تبيّن من خلال ضبط العديد من المروّجين والمتعاطين لها، وضبط كميات كبيرة منها، تقول مصادر أمنية لموقع "بلقيس".
مؤخراً، كثفت السلطات المحلية والأمنية في المدينة، الواقعة جنوب غرب البلاد، من تحركاتها وقادت -بالشراكة مع بعض المكاتب الحكومية والمنظمات المحلية- جهودا للتوعية حول المخدرات، وسبل مكافحتها، ومواجهة مخاطرها، التي من بينها ضياع الفرد وتفكك الأسرة، وانهيار المجتمع، وارتفاع معدل الجريمة، إذ تشكّل سبباً رئيسياً لارتكاب مختلف الجرائم، التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة في مدينة تعز بشكل ملحوظ، يذكر مسؤول محلي لموقع "بلقيس".
ودعت إلى تكاتف جهود الجميع، وحثت المواطنين على الإبلاغ عن أي مروّج أو متعاطٍ للمخدرات، سواءً في داخل الحي أو خارجه، إلى جانب اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أبنائهم من خلال تحذيرهم ومنعهم من تناول المشروبات والمأكولات التي يتلقونها في أي مكان ومن أي شخص، حتى وإن كان من ضمن الأصدقاء، الذين تعتبرهم الأجهزة الأمنية من أكثر الطرق وأسهلها لنشر المخدرات.
وبثت عبر مختلف منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي الكثير من الرسائل، التي تعكس مدى الاستنفار والتوجس السائد في مختلف الأوساط الرسمية، التي شددت على ضرورة منع الأبناء والأقارب من تدخين السيجارة والشيشة المعسل، وتعاطي الشمة بما فيها شمة الحوت. كما حذّرت من منح جوالات لصغار السن، ومراقبتهم في حال منحهم إياها. وحثت على منع الأبناء من مضغ القات خارج المنزل، والعودة إليه في ساعات متأخّرة من الليل.
-عوامل
يعد ذلك في نظر بعض الناشطين والمهتمين بمثابة إقرار رسمي واعتراف ضمني بمدى تفشي المخدرات في المدينة، وتوسع نطاق تعاطيها والاتجار بها، وتعدد النوافذ التي تتسرب منها إلى الشباب. ويذكر الناشط عبد الواسع الفاتكي لموقع "بلقيس" أن عوامل كثيرة أسهمت في ذلك، بما فيها الحرب، التي خلقت بيئة مناسبة، وتواضع إمكانيات إدارة مكافحة المخدرات، وغياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وغياب الدور المجتمعي.
ويضيف أن "تداعيات الحرب والحصار، النفسية والاجتماعية والاقتصادية المأساوية، فاقمت الهموم اليومية، وولّدت أزمات نفسية لدى الشباب، وهو ما جعلهم يهربون من الواقع المعاش، والحياة القاسية، إلى تعاطي المخدرات، التي يظنون أنها ستنسيهم مشاكلهم، كما أن ضعف المتابعة الأسرية لهؤلاء الشباب، وتركهم خارج المنازل لفترات طويلة، يجعلهم هدفا لعصابات الترويج".
ويقوم أفراد وعصابات بالاتجار بالمخدرات، كونها تشكّل الطريق الأقصر والأسرع نحو الرّبح، كما يستخدمون وسائل عديدة وأساليب مختلفة للإيقاع بالشباب، حيث يستغلون فراغهم ويستقطبونهم لجلسات مقيل وسمر، ويخدعونهم بأي وسيلة، ويعطونهم المخدرات في البدء مجاناً"، حسب الفاتكي.
ويبدو المشهد في تعز مقلقا بالتزامن مع تصاعد الحديث عن تفشّي المخدرات، وتزايد أعداد المروّجين والمتعاطين لها، والأشخاص الذين تم ضبطهم في قضايا متصلة بها، إذ يرتفع منسوب الخوف لدى المواطن أحمد عبد القادر (48 عاماً)، الذي ذكر لموقع "بلقيس": "خوفي شديد من المخدرات، التي غزت بعض الأسر التي أعرفها، وأخشى من وقوع أولادي فريسة لها".
مخاوف عبد القادر لم تأتِ من فراغ، بل جاءت من ملاحظته لما يدور حوله من ترويج وتعاطٍ للمخدرات، ومعايشته لبعض التجارب في محيطه، ومتابعته للتحركات الرسمية، والأخبار التي ترافقها، والتقارير الأمنية التي لا تخلو أسبوعياً من الحديث عن ضبط عدد من المتهمين بتهم الاتجار وتعاطي المواد المخدّرة.
يلفت عبد القادر إلى أن الحالات، التي لم تصل إلى الجهات المعنية، تجعل من العدد الفعلي للمروّجين والمتعاطين أكبر بكثير من الأعداد المعلن عنها رسمياً، خصوصاً مع جهل بعض الأسر لمن يروّج أو يتعاطى المخدرات من أفرادها أو غيرهم، وتأخّر اكتشافها لهم، وتحفظها عن الحديث أو الإبلاغ عنهم، خشية الفضيحة والعار.
-تعاطٍ وتجارة
وتكتفي بعض الأسر بحسرتها، وتتكم عن أفرادها الذين يبيعون المواد المخدرة أو يتعاطونها، وتحاول التعايش مع الوضع، ومعالجة الموضوع بسرية، بعيداً عن الأجهزة الأمنية، كحال المواطن "م. ع" الذي اكتشف قبل عامين أن شقيقه، الذي يصغره بسنوات، يتعاطى بالسر حقنا مخدرة، وهو ما عرفه بالصدفة بعد أن وجد بقايا تلك الحقن، التي كانت مخفية بعناية في غرفة شقيقه.
أخبر هذا الشاب أسرته عن الأمر، فخاف الجميع على سمعة الأسرة ومكانتها الاجتماعية، وتم احتواء الموضوع من قِبل الأب بطريقة لم يفصح لموقع "بلقيس" عن تفاصيلها، وكيف انتهت هذه القصة مثل غيرها من قصص الإدمان، التي أودت بأصحابها نحو القبر أو السجن أو مستشفى المجانين.
مدير مكتب مدير إدارة البحث الجنائي في تعز بلال المجيدي، يقول لموقع "بلقيس": "إن المخدرات متوفرة ومنتشرة في هذه الأيام بمدينة تعز، ومن أكثر المواد المخدرة انتشاراً الحبوب، أو القرامط، والحشيش، وحالياً ظهر مخدر الشبو، وبدأ في الانتشار في المدينة، التي تم فيها ضبط بعض الأشخاص المتعاطين لمادة الشبو والمروّجين لها".
ويضيف: "أغلب من يعمل في الترويج للحشيش ومخدر الشبو هم أساساً مِن مَن يتعاطونها، كما أن من يتعاطى الحشيش يمكن أن يتعاطى الشبو، سواء بعلمه أو دون علمه، ومن الطبيعي أن يقوم مروّج الحشيش بالترويج لمخدر الشبو، الذي تم ضبط الكثير من المروجين والمتعاطين له في تعز".
وتحضر قضايا تعاطي المخدرات ضمن القضايا التي تم الإبلاغ عنها وتوثيقها أسبوعياً من قِبل الأجهزة الأمنية، التي وثّقت خلال النصف الأول من العام الجاري في تقرير -حصل موقع "بلقيس" على نسخة منه- 5 قضايا ترويج حشيش، وصل فيها عدد المتهمين إلى 9 أشخاص، فيما قدرت الكميات المضبوطة ب27,62 كيلو، كما وثق التقرير 4 قضايا حيازة وتعاطي حشيش، بلغ فيها عدد المتهمين 4 أشخاص، والكميات المضبوطة 4 كيلو.
وفيما يتعلق بترويج الحبوب الممنوعة، سجل التقرير قضية واحدة ومتهما واحدا، و2850 حبة مخدرة تم ضبطها، كما سجل قضيتي تعاطي حبوب مخدرة، و2 متهمين بالتعاطي، فيما قدرت الكميات المضبوطة بحوزتهما 11 عقارا.
-أرقام رسمية
وطبقاً للتقرير، فقد بلغ إجمالي قضايا المخدرات المسجّلة، من شهر يناير الماضي وحتى يونيو الماضي، 12 قضية، ووصل إجمالي عدد المتهمين المضبوطين 16 متهماً، فيما وصل إجمالي الكميات المضبوطة من الحشيش إلى 31,62 كيلو، وبلغ إجمالي ما تم ضبطه من الحبوب الممنوعة 2951 قرصا.
مدير إدارة مكافحة المخدرات في تعز، فؤاد مهيوب، يلفت إلى أن المخدرات تدخل إلى المدينة بكميات ليست كبيرة، ويتم إدخالها في طرود أو رسائل، أو عن طريق التمويه، والإخفاء في أجهزة إلكترونية، أو سيارات، كما يقوم بإدخالها إلى المدينة مهربون محترفون، يسلكون طرقا غير رسمية. ويرجع انتشارها إلى ضعف الوازع الديني، وغياب الرقابة الأسرية، والبطالة، وأصدقاء السوء، والفراغ الأمني الحاصل في سنوات الحرب، وتجاهل الأجهزة المختلفة لها.
ويذكر مهيوب لموقع "بلقيس" أن عصابات المخدرات تنشط في مناطق الصراعات والحروب، وأن مليشيا الحوثيين تستخدم تجارة الممنوعات لتمويل حربها، وإضعاف شباب المقاومة. وتعد فئة الشباب الأكثر استهدافاً وتعاطياً للمخدرات في تعز، التي بلغ فيها -خلال العام 2022- عدد المضبوطين في وقائع ترويج مخدرات 22 شخصاً، والقضايا 17 قضية. وتشكل خلايا الاتجار والبيع نسبة 30%، وتصل نسبة التعاطي إلى 70%.
في السياق، كثفت شرطة تعز من تحركاتها، فمنذ أواخر يونيو الماضي دشنت العديد من الفعاليات التي ناقشت فيها ظاهرة تفشي المخدرات ومخاطرها، وكيفية مكافحتها والوقاية منها، كما سعت نحو التحشيد، ودعت إلى تكاتف جهود المجتمع مع الأجهزة الأمنية والتركيز على شريحة الشباب، والحيلولة دون وقوعهم في فخ المخدرات، التي ضبط -خلال الفترة الماضية- كميات كبيرة منها.
وأشارت شرطة تعز إلى ضرورة تنفيذ برامج هادفة، ووضع خطط مدروسة للحد من ترويج وتعاطي المخدرات، وذلك بالشراكة مع مكاتب الأوقاف والتربية والشباب والرياضة، كما دعت الجامعات والمدارس والمساجد إلى الدخول في معركة مواجهة الممنوعات، وتفعيل الجانب التوعوي، خصوصاً مع ظهور مخدر "الشبو" في مدينة تعز، الذي تلفت مصادر أمنية إلى تسببه بارتفاع نسبة الجريمة في عدد من المحافظات الأخرى.
ونظمت -منذ أواخر يونيو الماضي- بالتعاون مع بعض المكاتب الحكومية والمنظمات ندوة ناقشت فيها مخاطر تعاطي المخدرات، واستعرضت العديد من أوراق العمل، وعقدت ثلاثة لقاءات موسعة مع عقال الحارات في عدد من مديريات المدينة، وذلك لمناقشة أدائهم ومستوى تنسيقهم مع الأجهزة الأمنية.



