تقارير
أزمات المشتقات النفطية في عدن تعيد سكانها إلى شراء الحمير واستخدامها

المصدر: قناة بلقيس- هشام سرحان
يتجول المواطن مهيوب ردمان (48 عاماً) في أنحاء حي "الشيخ عثمان"، وسط العاصمة الانتقالية (عدن) على ظهر عربة يجرها حماره، الذي اشتراه مؤخراً ب 80 ألف ريال، من إحدى أسواق المدينة، ليستعين به في إيصال البضائع إلى دكانه وجلب المياه والغاز المنزلي، وغيرها من الاحتياجات الأسرية، إلى منزله.
وازدهرت، خلال الأشهر الماضية، تجارة الحمير في عدد من أسواق عدن، كما تزايد إقبال المواطنين على شرائها، نتيجة تردّي الخدمات وغلاء أسعار المشتقات النفطية وأزماتها المتكررة، التي رافقها ارتفاع في أجور النّقل والمواصلات وأسعار صهاريج (وايتات) المياه، ومختلف السلع بما فيها الغذائية.
وتنتشر هذه الوسيلة البدائية بشكل ملحوظ في الشوارع والأحياء بما فيها الراقية، كما ازداد مؤخراً أعداد المواطنين، الذين يستخدمونها لأغراض مختلفة، تجاوزت حمل الأثقال إلى نقل الأشخاص وإسعاف المرضى.
وفيما أثار ذلك استغراب البعض، والذين اعتبروا هذه الظاهرة مخلّة في مظاهر التمدّن والتطوّر، تندر آخرون بالنّقلة النوعية التي أحدثها المجلس الانتقالي "المدعوم إماراتياً" في حياة سكان عدن منذ سيطرته عليها.
وعدّ ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي ما أسموه ظاهرة "عودة الحمير" إلى واجهة المشهد تراجعاً للخلف وتدهوراً في نمط حياة الناس ووضعهم المادي والإنساني، وذلك بعد عشرات السنين من التحضّر ومواكبة الحداثة والتطور التقني والانفتاح على وسائل النّقل الحديثة.
وتعتمد الكثير من الأسر اليمنية، في مختلف أرياف البلاد والمناطق الجبلية، على الحمير في أعمال: الزراعة، والحراثة، وحمل الأثقال، والغاز المنزلي، والمواد الأساسية، والحطب، والأعشاب، والمياه، وإسعاف المرضى، واجتياز المسافات الطويلة والتضاريس الوعرَة.
* حاجة ماسّة
ويقول ردمان لموقع "بلقيس": "اشتريت الحمار لحاجتي الماسّة له، في ظلّ صعوبة الظروف، وارتفاع أجور السيارات، وغلاء الوقود، وشحته، وقلة إمدادات المياه".
ويضيف "أستخدمه في نقل بضائع البقالة واحتياجاتي الأسرية بأقل تكلفة، وذلك خلافاً لأجور المواصلات المكلفة جداً".
وجاءت فكرة شراء الحمار على إثر ملاحظته الظروف المعيشية الصعبة، وقلّة الدّخل المادي، وعدم توفر المال اللازم لاستئجار السيارات، فضلاً عن قيام بعض جيرانه ومعارفه بجلب "حمير".
ويعيش سكان عدن أوضاعاً إنسانية صعبة مع غياب الخدمات، وغلاء المعيشة، وشحة البترول، والديزل، والغاز المنزلي، وارتفاع أسعارها، في الوقت الذي تشهد قيمة العُملة الوطنية انهياراً متسارعاً، مقابل العُملات الأجنبية الأخرى، حيث سجل الدولار الأمريكي مؤخراً 880 ريالا، فيما وصل الريال السعودي إلى 230 ريالا، وذلك في المناطق التابعة ل"مركزي عدن".
ويشتد إقبالهم على الحمير من مختلف الأحياء بما فيها الراقية، وهو ما لفت إليه ردمان مردفاً "لست الوحيد الذي اشترى حماراً، هناك كثيرون فعلوا ذلك".
وانتعش الاتجار بالحمير في العاصمة الانتقالية (عدن) منذ العام الماضي، كما لقيت الحمير رواجاً واسعاً، وتوفرت بكميات كبيرة في عدد من الأسواق المنتشرة في "كريتر" و"الشيخ عثمان"، وغيرها.
* إقبال وانتشار
وشهدت أسعارها ارتفاعاً كبيراً، جراء الطلب المتزايد عليها من قبل المواطنين، الأمر الذي دفع بالعديد من التّجار إلى توسيع نشاطهم ومواجهة ذلك بجلب كميات كبيرة من الحمير من عدة مناطق مجاورة لمحافظة عدن، حسب مصادر متطابقة أكدت مشاهدتها، من وقت إلى آخر، سيارات و"دينات" تنقل أعداداً من الحمير، وذلك من خارج المدينة إلى عدة أسواق فيها.
وترتفع نسبة مالكي الحمير والمقبلين عليها، ما يضاعف أسعارها ويجعلها صعبة المنال بالنسبة للكثيرين، حسب عيسى نصر الذي أوضح لموقع "بلقيس": "يعجز حالياً البعض عن شراء الحمير، لغلاء أسعارها ووصول قيمة الحمار الواحد إلى 100 ألف ريال، وذلك خلافاً لسعرها السابق، والذي كان يتراوح بين 10 آلاف و30 ألف ريال".
وتحدث عن توفّر الحمير في أسواق المواشي السابقة، أو تلك التي تم استحداثها مؤخراً لبيع الحمير، والتي أضحت في متناول الكثيرين، مرجعاً ذلك إلى: سُوء أوضاع السكان الاقتصادية، والمادية، وارتفاع، معدلات الفقر، والبطالة، وندرة الأعمال، وغياب مصادر الدخل، وانقطاع الرواتب، ما يفاقم معاناتهم وعجزهم عن تحمّل تبعات أزمات النفط والغاز المتكررة، وانقطاع إمدادات المياه، وارتفاع أجور نقل البضائع والرّكاب.
وشهدت عدن، الأسابيع الماضية، أزمات خانقة في المشتقات النفطية، رافقها إغلاق عدد من المحطات، واصطفاف طوابير طويلة للسيارات في أنحاء متفرقة من المدينة، والتي تحوّلت إلى سوق سوداء، وصلت فيها قيمة صفيحة البنزين 20 لترا إلى 27 ألف ريال.
ويوسع ذلك من دائرة الاستياء والسخط، في أوساط الشارع، والذي نظّم تظاهرات احتجاجية متكررة، وندد فيها بتردي الخدمات، وانقطاع المياه وانطفاء الكهرباء.
* مصدر دخل
وينزل التّجار الحمير إلى الأسواق على دفعات قليلة، خوفاً من الحملة الأمنية، التي دشنتها قوات "المجلس الانتقالي"، مطلع أكتوبر الماضي، وذلك لجمع الحمير من شوارع وأحياء وأسواق المدينة، ومصادرتها، ونقلها عبر سيارات تابعة للأمن إلى أماكن مجهولة، حسب روايات مواطنين وإعلاميين.
ويزاول هؤلاء هذا النشاط بحذر شديد، خشية الاعتقال والمساءلة، من قبل عناصر "الانتقالي"، وهو ما لفت إليه أحد بائعي الحمير في سوق السيلة للمواشي ب"الشيخ عثمان، مضيفاً: "يشتد إقبال المواطنين على الحمير يوماً بعد آخر، ونحن نسعى جاهدين لتلبية طلباتهم، رغم مخاوفنا الكبيرة من عناصر الأمن والبلدية".
ويجد "التاجر الخمسيني" بيع الحمير مصدر دخل مناسب لكسب لقمة العيش، وتأمين قوت أسرته الضروري، كما يبدي ارتياحاً لمساعيه، التي يرى أنها خدمة للمجتمع عبر توفير وسيلة نقل تعمل بأقل التكاليف وأيسر الاحتياجات، التي يمكن جلبها باسعار زهيدة.
وخاض غمار هذا النشاط الجديد على حياته، منذ منتصف العام الماضي، إثر ملاحظته احتياج المواطنين الشديد للحمير، وارتيادهم أسواقها، وهو ما دفعه إلى اقتناص هذه الفرصة، لإيجاد عمل له ومصدر دخل يستطيع من خلاله كسب المال وتحسين وضعه المعيشي مع أسرته، وكذا الخروج من دائرة الفراغ والبطالة.
ويتوجّه بين الحين والآخر نحو محافظة أبين، ويجلب عددا من الحمير، التي يبيعها بمعدل حمار أو حمارين في اليوم الواحد، ويكسب مبلغاً مالياً "يصفه بالجيد"، فيما يتحفّظ عن بعض التفاصيل الخاصة بأسعار الحمير في مصدرها.
ويشير إلى وجود عدد من المنافسين له في هذا العمل، والذي يشهد انتعاشاً في حركة البيع والشراء، وتتراوح قيمة الحمار الواحد بين 70 ألفا و 100 ألف ريال.



