تقارير
أزمة القيادة في اليمن.. كيف يصل الفاشلون إلى السلطة؟

أزمة القيادة في اليمن.. كيف يصل الفاشلون إلى السلطة؟
لوحظ خلال الأيام القليلة الماضية تفاعل شعبي واسع وغاضب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من طريقة تمثيل اليمن في القمة العربية الأخيرة في الجزائر، وأعاد ذلك إلى الواجهة الجدل بشأن عجز النخبة السياسية في اليمن وفشلها وأزمتها المزمنة، وهو جدل بدأت تفاعلاته بعد الانقلاب الحوثي واندلاع الحرب، حيث ظل معظم المسؤولين الحكوميين وبعض القيادات السياسية والحزبية داخل الحكم وخارجه تحت مجهر النقد والمحاكمات الشعبية التي تشتد وتيرتها من حين لآخر.
وأما الدافع لكل ذلك فهو أنه في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأخطر منعطف في تاريخها الحديث والمعاصر، فإن من تصدروا قيادة البلاد في هذه المرحلة شخصيات عاجزة وفاشلة وانتهازية ولا تتمتع بأدنى حس من المسؤولية الوطنية، وبالتالي فإن الكوارث التي حلت بالبلاد منذ ثماني سنوات من أسبابها الرئيسية عجز النخبة السياسية التي يُفترض أنها حاكمة وتقع على عاتقها مهام وطنية جسيمة، وتتحمل تلك النخبة المسؤولية التاريخية والأخلاقية إزاء ما يحدث في البلاد، ويستوي في ذلك النخب السياسية داخل الحكم وخارجه، لأن النخب التي هي خارج الحكم لم تمارس دورها في الضغط والتأثير، لا سيما النخب التي تنتمي إلى مكونات سياسية لها نفوذ سياسي وقاعدة شعبية واسعة.
- الحاجة إلى زعيم وقائد وطني
لعل أهم ما يفتقده الشعب اليمني، في هذه المرحلة الخطيرة والمفصلية في تاريخه، وجود زعيم وقائد وطني يكسب ثقة الشعب، ويقود القوى الوطنية لإنقاذ البلاد مما هي فيه، ويمثل اليمن خير تمثيل في المحافل الإقليمية والدولية، ويعمل على توحيد الصفوف وحشد الطاقات لاستعادة الدولة والقضاء على المليشيات الانقلابية، وتجنيب الشعب ذل الهزائم والقهر والطرد والنفي والاضطهاد والاعتقالات والسجون السرية والتعذيب لدرجة الموت أحيانا، وحل الإشكاليات العالقة، كالتدهور الاقتصادي والمعيشي، ووضع حد للتدخل الأجنبي التخريبي في البلاد، وحماية سيادة البلاد وكرامتها، والمضي في بناء مؤسسات الدولة، والتمهيد لعملية تحول ديمقراطي تستند إلى مؤسسات راسخة.
ويكمن المأزق الكبير للقضية اليمنية في عجز وشلل النخبة السياسية الحالية، ففي الوقت الذي يمر فيه الشعب اليمني بمرحلة فاصلة وحاسمة تلقي بظلالها على مستقبل البلاد وقضاياها المصيرية كافة، فإن النخبة السياسية تعيش حالة من التيه والاستهتار والانقسام والضعف واللامبالاة بمصير البلاد، بالرغم من أن كل شيء أصبح مهددا: الوحدة الوطنية، والنظام السياسي، والمشروع الوطني، والجمهورية، والتجربة الديمقراطية الوليدة، والسيادة، وحدود البلاد وموانئها وجزرها، والهوية، بل وأصبح المجتمع اليمني ذاته مهددا بالانهيار وتمزق نسيجه وإصابته بالشلل ومهددا حتى في وجوده ومصيره.
والسؤال هنا: لماذا تبدو النخبة السياسية اليمنية على هذه الحالة من التبلد والانتهازية؟ وما هو سر تشكل هذه التوليفة من النخبة التي أصبحت تحكم البلاد دون أدنى حس باستشعار المسؤولية الوطنية وتقدير خطورة اللحظة الراهنة على مصير البلاد بشكل عام؟ وما هو السياق الظرفي الذي حال دون بروز نخبة وطنية ترقى إلى مستوى التحديات الراهنة وتعيد لليمنيين مجدهم وكرامتهم؟ وما هي الحواجز الكبيرة التي تحول دون وصول شخصيات وطنية إلى مركز القيادة وصنع القرار لتسهم في إنقاذ البلاد مما هي فيه؟ وكيف تنظر النخبة الحالية إلى نفسها؟ ولماذا لا تستشعر مسؤوليتها الوطنية والتاريخية؟
- كيف تتشكل النخبة السياسية؟
يعد الفرز النخبوي حقيقة من حقائق الحياة السياسية والاجتماعية وأهم أعمدتها الرئيسية، والنخبة السياسية هي جماعة (أو جماعات) من الأفراد يتم فرزها من داخل المجتمع بطرق مختلفة تعكس في الأساس الثقافة السياسية في البلد وطبيعة النظام الحاكم فيه والتنشئة السياسية للأفراد، أي أن النخبة السياسية تتشكل وفق عوامل عدة ومتشابكة، فيكون لأفراد النخبة السياسية خصائص مميزة تؤهلهم لأداء أدوار متميزة في حياة مجتمعاتهم، والتأثير البالغ على مجريات الأمور وتوجيه الأحداث وصناعة القرارات الهامة، لا سيما في زمن الصراعات ومحطات التحول التاريخية، أي أن كلمة نخب سياسية يُقصد بهم القادة السياسيون الذين بيدهم مقاليد السلطة، وآخرون مقربون منها أو يقودون أحزابا سياسية معارضة.
وهذا لا يعني أن النخب السياسية هم أفضل ما في المجتمع، لأن فرز النخب السياسية يخضع لسياقات وعوامل عدة، وإذا كانت هذه السياقات والعوامل مختلة أو غير سليمة، فإنها قد تفرز نخبة سياسية تتكون من أفراد يُعدون أسوأ ما في المجتمع، ولذلك تتعدد الإشكاليات النظرية المصاحبة لمفهوم النخبة السياسية، لا سيما أن مفهوم النخبة يعد من المفاهيم المحورية في التحليل السياسي المعاصر، ولا توجد مؤشرات دقيقة أو موضوعية لتوضيح من يمكن أن يندرج في النخبة السياسية.
وفي المجمل فإن كل تركيب اجتماعي يقتضي أن تتشكل في داخله نخبة عامة تقف في قمة المجتمع، ونخب نوعية تقف على قمة كل قطاع من القطاعات الفرعية داخل المجتمع، وكلما تعددت النخب تتعدد مراكز القرار، وإذا غاب الانسجام والتنسيق والوحدة عن النخبة السياسية، فإن ذلك يلقي بتأثيره السلبي على الدولة والمجتمع، فتبرز ظواهر تظل تهشم المجتمع وتفتته، مثل العدائية والإقصاء والتهميش والصراع المستمر، وتوفير الأرضية الجاهزة للاختراق والعبث الأجنبي، ونشوء تحالفات عدوانية عابرة للدول والقوميات.
- الأزمة المزمنة للنخبة السياسية في اليمن
يُعد فهم أزمة النخب السياسية اليمنية حاليا مدخلا مهما لفهم وتحليل وتفسير طبيعة دور تلك النخب في الحالة الكارثية التي وصلت إليها البلاد، ومسؤوليتها عن التدهور في مختلف مناحي الحياة، وتغول الدور الأجنبي العبثي في اليمن. ورغم تعدد مشارب تلك النخب وتعدد توجهاتها وأيديولوجياتها، إلا أنه لم تظهر ولو مجموعة صغيرة منها تقف بقوة ضد أجندة التحالف السعودي الإماراتي التخريبية في اليمن، وكأن الاستسلام الكامل للتحالف صار من الثوابت السياسية لتلك النخب.
تحتاج القضية اليمنية في هذه المرحلة إلى قيادات سياسية وطنية وشجاعة قادرة على التعامل مع هذه المرحلة المفصلية والخطيرة في تاريخ البلاد، بدلا من القيادات الحالية العاجزة والضعيفة والفاشلة، والمنغمسة في الصراعات البينية عبر وسائلها الإعلامية المحشوة بمفردات الشتم والتخوين والتحريض والإقصاء وكيل الاتهامات. وفي حين يتعرض الوطن لأبشع المؤامرات، فإن بعض تلك النخب تقدم نفسها كأدوات عبث وتخريب وتفتيت بأيدي الفاعلين الأجانب في البلاد.
إذن، تمثل النخب السياسية الحالية نتاجا طبيعيا للعطب والخلل الذي اتسم به النظام الحاكم في اليمن طوال العقود الأربعة الأخيرة، حيث ظل الفرز النخبوي في البلاد يخضع لعوامل تعد من صميم طبيعة النظام الحاكم قبل الوحدة وبعدها. ورغم التباين الأيديولوجي بين حكام صنعاء وعدن قبل الوحدة، إلا أن جوهر الفرز النخبوي لم يختلف كثيرا في كلتا الحالتين، وظل الأمر هكذا بعد قيام الوحدة، واستمر حتى يومنا هذا، بمعنى أنه ترسخت تقاليد متوارثة للفرز النخبوي لم تكن منهجية ولا موضوعية، وخصوصا خلال سنوات حكم علي عبد الله صالح قبل الوحدة وبعدها، ثم خلال حكم خلفه عبد ربه منصور هادي، وأخيرا حكم مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي.
- الفرز المشوه للنخب في اليمن
لم تنشأ النخب السياسية في اليمن نشأة طبيعية طويلة المدى يتم بموجبها فرز نخب من الطبقات الكفؤة والنزيهة والمؤهلة والمخلصة للوطن، وإنما تعكس نشأتها العطب والخلل الذي أصاب النظام الحاكم، والذي كانت طريقة تشكله نتاجا لخلفيات اجتماعية مشوهة ومضطربة، حيث تسود العصبيات القبلية والمناطقية والمذهبية والجهوية والعائلية، وهشاشة البنى الاجتماعية، وغياب الدولة أو تخليها عن دورها الوظيفي، ثم برزت مؤخرا المليشيات المنتمية إلى زمن ما قبل الدولة، وأصبحت حاليا من بين أبرز الآليات المختلة وغير الطبيعية لفرز نخب سياسية انتهازية بدعم وتمويل أجنبي.
وكان أكبر عائق قد حال دون النشأة الطبيعية والسليمة للنخب السياسية الكفؤة والمؤهلة، تهميش الطبقة الوسطى وإضعافها وإقصاءها شبه التام من المشاركة السياسية، والحيلولة دون فرز نخب سياسية من أوساطها، رغم أنها الطبقة الأكثر كفاءة وأهلية وتعليما وتثقيفا، وترمز إلى النمو والاستقرار.
وتعود الحرب على الطبقة الوسطى إلى طبيعة النظام الحاكم غير المدني الذي يتشكل من بنية عبارة عن خليط من الحكم العسكري والقبلي الهش، ويحمي هشاشته بعلاقات زبائنية ونفعية، وهذه العلاقات هي التي تفرز نخبة سياسية انتهازية وفاشلة من مشايخ القبائل ورجال الأعمال والطبقات الثرية، مما حال دون فرز نخبة سياسية من الطبقة الوسطى الكفؤة والمؤهلة والقادرة على الإدارة والقيادة وتحقيق التنمية والاستقرار.
وهذا يعد نتيجة طبيعية لنظام سياسي أبوي وعائلي وقبلي، ولم يقتصر تشويهه على آليات فرز النخب السياسية، وإنما أثر أيضا على المؤسسات السياسية والحزبية خارج المنظومة الحاكمة، فأصبحت الحياة السياسية تمضي وفق عقلية زعيم القبيلة، فالأبوة السياسية وشخصنة المناصب والمؤسسات تقتضي أن رئيس الدولة يحكم حتى الموت أو القتل، وأن رئيس أي حزب سياسي يظل رئيسا لحزبه حتى الموت أو الاغتيال، وإن كان من استثناءات نادرة بشأن التأبيد في رئاسة الدولة أو في رئاسة أي حزب سياسي، فهي استثناءات خضعت لظروف قاهرة، ولم تكن ضمن سياق تطور طبيعي لمؤسسات الدولة والمؤسسات السياسية والحزبية.
أما النتيجة النهائية لطريقة الفرز النخبوي، والتي شكلت حواجز كبيرة أمام الطبقة الوسطى، وفتحت الآفاق أمام مشايخ القبائل ورجال الأعمال والطبقات الثرية والشخصيات الانتهازية للوصول إلى السلطة وقيادة بعض الأحزاب، فتتمثل في الفشل القائم في مختلف مناحي الحياة، وغياب الإجماع الوطني في أخطر مرحلة مصيرية في تاريخ البلاد، والتعاطي السلبي مع التدخلات والضغوط الخارجية، والانخراط المعيب في التماثل مع المعطيات السياسية التي تدمر البلاد وتخدم الأطراف الخارجية المتآمرة على الجمهورية اليمنية ووحدتها وسيادتها ونظامها السياسي.



