تقارير

استدارة السعودية نحو الحوثيين.. احتواء أم انحناء؟

استدارة السعودية نحو الحوثيين.. احتواء أم انحناء؟
المصدر : قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد

ما تزال ألغاز الحرب في اليمن متجددة، وآخرها الزيارات المتبادلة بين وفدين سعودي وآخر حوثي إلى كل من صنعاء والرياض بعد ثماني سنوات من الحرب والعداء المستحكم بين الطرفين، وكان اللافت هذه المرة أنه بعد التسريبات بشأن الزيارات المتبادلة، سارعت السعودية والحوثيون إلى الاعتراف بذلك وحديث الطرفين عن أن الهدف من تلك الزيارات هو استكمال إجراءات فنية للإفراج عن أسرى كل طرف لدى الطرف الآخر، فبدا الاعتراف المستعجل والمرتبك بعد التسريبات حول تبادل الزيارات وكأنه محاولة لقطع الطريق على أي تكهنات أو تحليلات بشأن تلك الزيارات، ويعني ذلك فيما يبدو أن محور الزيارات المتبادلة ملف حساس ومهم ويخشى الطرفان الكشف عنه أو أن تقترب منه التكهنات.

أيضا لم يكن مقنعا أن هذا التطور في مسار الصراع بين الطرفين الهدف منه تبادل الأسرى فقط، لا سيما أنه سبق تبادل أسرى عبر وسيط أو طرف ثالث دون زيارات متبادلة، بل فالسعودية أفرجت قبل أشهر عن عدد كبير من الأسرى الحوثيين لديها من دون زيارات أو وساطات أو حتى مبادلتهم بأسرى سعوديين لدى الحوثيين، وإنما كمبادرة من طرف واحد.

فما الذي استجد الآن؟ وهل هناك صفقة كبرى يسعى الطرفان لإبرامها ويُستَخدم ملف الأسرى للتشويش أو التغطية عليها؟ وهل يُعد الأمر محاولة سعودية لاحتواء الحوثيين بعد تزايد الضغوط الدولية عليهم لتمديد الهدنة وحماية أمن الطاقة وعجزهم عن إحداث تغيير في جبهات القتال، أم أنها انحنت أمامهم بسبب فشلها في إدارة المعركة وعدم قدرتها على حماية منشآتها النفطية ومطاراتها من هجمات الحوثيين وتبعات ذلك عليها كاهتزاز سمعتها وتراجع مكانتها الإقليمية وانكشافها أمنيا؟

- دلالات الزيارات المتبادلة

لعل من أهم دلالات زيارة وفد سعودي إلى العاصمة صنعاء لأول مرة منذ الانقلاب واندلاع عملية "عاصفة الحزم"، وزيارة وفد حوثي إلى السعودية، أن الحوار بين الطرفين قد قطع أشواطا عديدة، ومن المتوقع أن تكون الزيارات الأخيرة المتبادلة لوفدين من الطرفين مقدمة لزيارات أخرى وتفاهمات حول ملفات سياسية مهمة وربما مصيرية، وذلك بعد سنوات من الحوارات السرية المتقطعة التي بدأت منذ زيارة وفد من مليشيا الحوثيين إلى مدينة ظهران الجنوب في السعودية، في مارس 2016، واستمرار اللقاءات والحوارات السرية إلى قبل أشهر قليلة، وبعض الحوارات تتم عبر الإنترنت، والبعض الآخر عبر وسطاء إقليميين أو خلال لقاءات مباشرة تُعقد في عواصم إقليمية.

لا يمكن الجزم تماما بما يدور وراء الكواليس في الحوارات أو المفاوضات التي تتم بين السعودية ومليشيا الحوثيين، ولعل طول مدة الحرب واستمرار المفاوضات السرية أو عبر القنوات الخلفية طوال السنوات الماضية دون ظهور نتائج معينة على أرض الواقع، تعكس أزمة ثقة بين الطرفين، وتعكس أيضا أن الملفات محل التفاوض كبيرة ومعقدة ومصيرية، ولا يمكن اختزالها في ملف تبادل الأسرى الذي قد يتم بسلاسة عبر وسيط إقليمي أو دولي، لا سيما أنه سبق أن تبادل الطرفان عددا كبيرا من أسرى الحرب دون زيارات متبادلة لوفود من الطرفين أو لقاءات وحوارات سرية.

كما أن الزيارات الأخيرة المتبادلة وما قبلها من حوارات سرية، تعني أن العداء بين الطرفين لم يعد مستحكما كما كان من قبل، وأن السعودية غير راغبة في إقصاء الحوثيين تماما من المشهد اليمني لأسباب خاصة بها، وأن الحوثيين يرون في الانفتاح على السعودية بوابة لفتح الدائرة العربية والدولية المغلقة أمامهم، واستثمار أي تفاهمات معها -ولو من باب التقية وبموافقة إيرانية- في ما يخدم مشروعهم ومشروع إيران التخريبي في المنطقة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مساحة الصراع أوسع من مساحة التعاون، وتقليص مساحة الصراع بين السعودية والحوثيين يتطلب تنازلات لا يمكن حاليا تقديمها كاملة من الطرفين لبناء الثقة أو لشطب دواعي التوجس، كما لا يمكن فصل تلك الحوارات والزيارات المتبادلة عن الصراعات التي يشهدها الإقليم والعالم وتداعياتها على أمن الطاقة والملاحة البحرية والنظام العالمي برمته.

- دوافع السعودية للحوار مع الحوثيين

لا يمكن أن تكون دوافع السعودية للحوار مع مليشيا الحوثيين خارجة عن أجندتها العامة في اليمن وصياغة الترتيبات النهائية لتحقيق ذلك، كما أن القضايا محور النقاش والتفاوض لا بد أن تكون في نطاق ما يخدم تلك الأجندة، وهي أجندة تنحصر على إضعاف اليمن وتفتيته لتسهل السيطرة على مناطق ثرواته ومدنه الحيوية وموانئه، أو على الأقل إبقائه في حالة ضعف واستمرار التوترات المناطقية والطائفية والقبلية التي تضمن بقائه فقيرا متخلفا ضعيفا وغير قادر على النهوض، والمباعدة بينه وبين عملية التحول الديمقراطي والاستقرار والازدهار.

ووفق المعطيات على الأرض، فإن انفصال جنوب اليمن يُعد السيناريو الأكثر تفضيلا بالنسبة للتحالف السعودي الإماراتي، كون ذلك سيمثل مدخلا لتفتيت جنوب اليمن وانفصال بعض المحافظات عنه، وهو ما سيمكن طرفي التحالف من تقاسم أجزاء منه وعقد اتفاقيات ترسيم حدود مع الحكام الذين سيتم تنصيبهم من قِبَل الرياض وأبو ظبي، لا سيما أن القيادات التي يجري إعدادها وتقويتها لتتولى فيما بعد زمام الأمور لديها الاستعداد للتنازل عن بعض أراضي البلاد، وهو ما يغري الرياض وأبو ظبي للمضي في تحقيق أهدافهما في اليمن، وهذه الترتيبات تستلزم التفاوض المباشر مع مليشيا الحوثيين، خوفا من أن تُقدّم المليشيا نفسها كمدافع عن الوحدة اليمنية، وتتحالف مع بعض المكونات بذريعة الدفاع عن الوحدة، وتفسد بذلك "طبخة" التحالف في اليمن.

وبناءً على ذلك، فمن المحتمل أن المفاوضات مع مليشيا الحوثيين قد تتم تحت لافتة الموافقة على انفصال جنوب اليمن مقابل منحها امتياز الانفراد بحكم شمال اليمن، أو أن تقبل بفدرالية من إقليمين شمالي وجنوبي كحل نهائي للأزمة اليمنية، وأن تنفرد هي بحكم الإقليم الشمالي، وسيتبع ذلك إجراء تعديل في الدستور يسمح لأي جزء أو إقليم من البلاد بإجراء استفتاء شعبي في حال أراد الانفصال، كون ذلك الخيار الوحيد لتجاوز العقبات القانونية لتمرير سيناريو الانفصال، كما أن مليشيا الحوثيين لن تعترض على انفصال الجنوب إذا كان ثمن ذلك تثبيت حكمها في شمال البلاد، وقد تقنعها إيران للقبول بذلك لتجعل منها "إيران أخرى" في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وتقويتها تدريجيا حتى تتمكن من اجتياح الجنوب بذريعة إعادة الوحدة الوطنية، وتهديد منطقة الخليج بشكل دائم.

بل فقد يكون سيناريو انفصال جنوب اليمن ومنح الحوثيين امتياز الانفراد بحكم شمال اليمن، بمنزلة تقديم دولة كاملة لإيران على طبق من ذهب، وستتحول بمرور الأيام إلى "إيران أخرى" وملتقى للمليشيات الطائفية من العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان والحرس الثوري الإيراني، لتتمكن من التحكم بمضيق باب المندب، والتهديد المباشر للسعودية من خاصرتها الجنوبية، واجتياح جنوب اليمن والتمركز فيه بسلاسة، وضمه لحكم مليشيا الحوثيين بذريعة إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وهذا السيناريو مُفترض فقط بناءً على أجندة السعودية والإمارات في اليمن، لكن لا يمكن إغفال دور مختلف مكونات المجتمع اليمني، والتي إذا صحت من غفلتها السياسية ووحدت صفوفها فإنه بإمكانها إحباط جميع الأجندة الخارجية في البلاد واستعادة الدولة.

- أعباء الهيكلة المستمرة

من الصعوبة التوفيق بين كل تطورات الأزمة اليمنية وتعقيداتها وتشابكاتها، ولهذا السبب يمكن وصف كل ما يجري طوال السنوات الماضية من تصعيد عسكري يتبعه جمود في مختلف الجبهات ثم تصعيد وهكذا، وتصفية التحالف للسلطة الشرعية وإغراقها في الأزمات والانقسامات مقابل الحوارات السرية مع مليشيا الحوثيين وبمعزل عن السلطة الشرعية، وتهميش الأحزاب السياسية وخنقها مقابل دعم المليشيات وتقويتها، وعزل القيادات الوطنية مقابل تصعيد قيادات تعمل ضد مصلحة البلاد، كل تلك التناقضات تأتي في إطار ما يمكن وصفه بـ"الهيكلة المستمرة" للمشهد اليمني حتى الاستقرار على وضع معين يستوعب كل التناقضات الماثلة الآن وبشكل يخدم التحالف السعودي الإماراتي، ويدفع ثمنه اليمنيون من أراضيهم وثرواتهم ومستقبلهم بشكل عام.

وبما أن "الهيكلة المستمرة" للمشهد اليمني ما تزال مستمرة، فالحوارات بين السعودية ومليشيا الحوثيين تعد ضمن هذه الهيكلة، ولا يستبعد أن مليشيا الحوثيين مستهدفة أيضا بهذه الهيكلة، فالسعودية بإمكانها حشد الطاقات والدعم الدولي وجر مختلف المكونات اليمنية للقضاء على المليشيا الحوثية واستعادة الدولة والعاصمة صنعاء، لكن هذا السيناريو ستستفيد منه مكونات سياسية أكثر شعبية وتنظيما غير مقبولة لدى السعودية والإمارات، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، كما أن هذا السيناريو سيعيق التحالف عن مواصلة تدخله في اليمن ومحاولاته لتمرير مشروع الانفصال وغير ذلك من الأهداف، لذلك فإن بقاء مليشيا الحوثيين فاعلة في المشهد من شأنه ضمان استمرار التوترات والانقسامات ومبررات استمرار التدخل العسكري للرياض وأبو ظبي والاستمرار في هيكلة المشهد اليمني وهندسته.

وفي إطار الهيكلة المستمرة للمشهد اليمني، يبدو أن السعودية تعمل على تحقيق اختراق استخباراتي في أوساط مليشيا الحوثيين لاستمالة جناح إلى صفها وتقدم له الدعم بما يمكنه من الإطاحة بالقيادات المتشددة وبالتالي تطويع المليشيا الحوثية لصالح المملكة، بدليل أن الإعلام السعودي اهتم خلال السنوات الأخيرة بتغطية أخبار الصراع بين أجنحة مليشيا الحوثيين، وحشر أي خلاف ولو كان بسيطا بين قيادات ميدانية صغيرة بأنه يعكس انقسامات وصراعات بين أجنحة المليشيا، وبالتالي فإن الحوارات والزيارات المتبادلة لوفود من الطرفين تمثل مدخلا للسعودية لكسر الحواجز النفسية بينها وبين بعض قيادات المليشيا الحوثية تمهيدا لاستمالتهم إلى صفها.

لكن مليشيا الحوثيين، التي يشرف على علاقاتها الخارجية وأدائها السياسي خبراء إيرانيون وشيعة عرب، سارعت مبكرا إلى تحصين جبهتها الداخلية أمام محاولات الاختراق الاستخباراتي السعودي، فاغتالت عددا من قادتها الذين تشك في ولائهم لزعيمها عبد الملك الحوثي، وتعمل باستمرار على تقوية جناح صعدة المتشدد والأكثر ولاء لإيران.

كما أن أعضاء وفود المليشيا التفاوضية يتم اختيارهم بعناية، وهم من المقربين لزعيم المليشيا عبد الملك الحوثي، ومن بينهم ضباط استخبارات، كما تبين في تشكيلة الوفد الحوثي الذي زار السعودية مؤخرا، وهو ما يعني أن المليشيا الحوثية حذرة في هذا الأمر، ومن المعلوم أن إرسال رجال مخابرات ضمن الوفود التفاوضية الهدف منه الاستماع إلى طبيعة مطالب الطرف الآخر وتحليلها وتفكيك شفراتها، ويتجاوز الأمر إلى تحليل لغة الخطاب وتحليل حتى حركة الجسد، هذا إذا افترضنا أن كبار رجال المخابرات الحوثية جرى تأهليهم جيدا في إيران.

- الغرق في بحر المكائد

لقد أرهقت السعودية نفسها في محاولاتها لإعادة هندسة المشهد اليمني وهيكلته، وتريد تطويع مختلف القوى والمكونات للعمل تحت إمرتها أملا في أن يمكنها ذلك من الإمساك بجميع خيوط اللعبة، لكنها غرقت في بحر تناقضاتها ومكائدها وأحقادها، ففقدت مصداقيتها، واهتزت مكانتها الإقليمية، وأصبحت مكشوفة أمنيا، فهي لم تعد تثق بالحماية الأجنبية، وإنفاقها المبالغ فيه على شراء الأسلحة يفقد أهميته نتيجة عدم كفاءة عنصرها البشري، وكانت معظم عملياتها العسكرية في اليمن مجرد تدمير لأسلحتها في مواقع عسكرية فارغة ولم تعد تحظى بالأهمية التي كانت عليها في بداية الحرب قبل ثماني سنوات.

ولهذا ظهر اختلال في نتائج العمليات العسكرية المتبادلة بين السعودية ومليشيا الحوثيين، فمجرد هجوم بطائرة مسيرة على منشأة نفطية في المملكة يأتي بنتائج لصالح الحوثيين (ولو كانت معنوية) أفضل من عشرات الغارات بواسطة طائرات "إف 16" تشنها السعودية على مواقع فارغة في جبل النهدين وقاعدة الديلمي وجبل نقم وغيرها من المواقع المحيطة بالعاصمة صنعاء، ولهذا السبب وجدت السعودية نفسها منحنية أمام إيران ومليشياتها، وهو انحناء لن تجدي معه محاولات الاحتواء إلا إذا كان مجرد تكتيك من الطرف الآخر، علما أن انحناء السعودية أمام مليشيا الحوثيين تحديدا لا يعني الإقرار بالهزيمة أمامها ولكنه انحناء يأتي كنتيجة لأحقاد ودسائس المملكة ورغبتها في أن يكون الحوثيون ضمن مشاريع تفتيت البلاد وتدميرها.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.