تقارير
إسراء الخضيري .. أصغر رامية في ساحة سلام

في عيد ميلادها السابع، حصلت إسراء الخضيري على هديّة مميّزة من والدتها، تركت أثرا كبيرا في حياتها.
فهي تعيش أمجادها اليوم، رغم الظروف الصعبة التي تعيشها أسرتها.
كانت الهدية عبارة عن: "كلاشينكوف بلاستيكي مغلف، وملصق عليه عبارة: عيد ميلاد سعيد حبيبتي إسراء".
قد تكون هذه أسوأ هدية يمكن منحها لطفل بريء لم يدرك بعد مآسي الحياة، ويحيا كذلك في بيئة مستقرة وآمنة.
لكنها قد تصبح مقبولة بل مفضّلة وآسرة بالنسبة لطفل يمني غارق وسط الاشتباكات والانفجارات، ويتسلّح يومياً بقطعة خشبية، يصوبها على خصمه في لعبة "حرب العصابات"، التي بات يلعبها الأطفال في مُدن وريف البلاد، تقليدا للبالغين بصورة ملفتة.
احتفت إسراء باللعبة أيّما احتفاء، لكن والدتها كانت أمام تحدٍ حقيقي في المواءمة بين إرضاء وإسعاد طفلتها، وبين كسر العنف في حياتها، واستثمار طاقتها بشكل إيجابي.. هل ستنجح؟
"حرب العصابات" لعبة الأطفال المفضلة في ساحة حرب
قبل بدء الحرب في اليمن عام 2014، كانت المواجهات والرّماية هي إحدى الألعاب المفضلة لدى الأطفال اليمنيين، خصوصاً في العاصمة صنعاء، حيث شهدت اشتباكات عنيفة بين القبائل والقوات العسكرية، التي أعلنت انحيازها للثورة الشبابية، وبين القوات المسلحة التابعة للدولة.
أنعش ذلك تجارة الألعاب القتالية، مثل: المسدسات والكلاشينكوف غير الحقيقية، وراجت لدى الأطفال المتأثرين بأصوات القذائف والأعيرة النارية التي يمسون ويصبحون على أزيزها.
ومع بدء الحرب، صار مئات من الأطفال على خطوط النار، وفي مقدمة الصفوف في "حرب حقيقية" هذه المرّة، إذ استخدمتهم أطراف الصراع، بشكل متفاوت، كمجنّدين.
قُتل العشرات منهم، وواصل أطراف الصراع استقطاب المئات والآلاف منهم للالتحاق بالسابقين، خصوصا من أولئك الذين يفتقرون لأدنى حماية من ذويهم، فيذهبون إلى القتال تاركين ذويهم وحيدين، في مواجهة الجوع والجهل وصعوبات العيش. ملايين الأطفال الآخرين ما زالوا يواجهون مخاطر ومصائر مشابهة.
بالرغم من ذلك، من النادر جداً أن نسمع عن وجود عدد من هذه الفئة استطاعوا النجاة، واستثمر المعنيون بهم البيئة المحيطة مهما كانت سيّئة، وهيأوها لصالح مستقبل أطفالهم.
إسراء واحدة من هذه الفئة، التي تم تحويل تأثير محيطها السلبي على طفولتها إلى مصدر إلهام ومهارة ونجاح، بمساعدة أسرتها.
نهاية العام 2013، بدت إسراء كأي طفل في محيطها مُولعة وشغُوفة بلعبة الصراع وتمثيلها.
وفي صباح ذات يوم، كانت برفقة جدتها في جولة صباحية إلى أحد الأسواق في صنعاء، عندما لمحت شابا يؤجّر بندق صيد ب"مائة ريال"، لاختبار مهارة اقتناص فص من "النعناع الحار".
أصرّت إسراء على جدّتها "تجربة الرماية". "تناولت البندق وصوّبت على 'فص نعناع' من مسافة 3 أمتار وصيرته شظايا"، قال والدها.
كانت هذه أول تجربة صيد لها من سلاح يطلق فعلاً، وكانت ناجحة من الضربة الثانية.
كانت الأم توفّر لطفلتها الرعاية الكاملة والدّعم والتشجيع لتصبح الأفضل.
وعلى الرغم من الألم والعناء، الذي تواجهه الأم جراء إصابتها بالسرطان، إلّا أن خوفها على إسراء ظل دائما في مقدّمة اهتماماتها.
استمرت في متابعة إسراء في تعليمها، وشجّعتها على الالتحاق بأحد الأندية في العاصمة لممارسة رياضة "التكواندو".
لاحظ الجميع في أسرتها شغفها بالرياضة ومهارتها الجيّدة في الرّماية.
استثمار إيجابي للشغف
بعد فترة من بداية الحرب، وبدء التدخل العسكري للتحالف في اليمن، أقام الاتحاد العام للرّماية البطولة الرمضانية المفتوحة للرّماية، فاقترح خالها على والدتها مشاركة إسراء في البطولة، "فئة البراعم".
شاركت إسراء في البطولة كأصغر رامية، بعمر 9 سنوات، وهي المشاركة الأولى لها في بطولة تنافسية محلية ووطنية، حققت المركز الثالث، وحصدت ميدالية "برونزية"، ومكافأة مالية.
تتمتع إسراء بثقة عالية في قدراتها ومهاراتها، وتتطلع إلى إنجاز عالمي، وليس وطنيا فقط.
بعد 4 سنوات، كانت إسراء على أعصابها عندما علمت بإقامة بطولة الرماية التنشيطية المفتوحة في صنعاء، حيث شاركت فيها ضمن بندقية "ضغط الهواء" لفئة "البراعم"، وتصدرت البطولة محققة المركز الأول.
من بين 80 مشاركا ومشاركة حصدت الخضيري (أصغر الرُّماة) على 556 درجة، وهو ثاني أعلى مجموع للدرجات بعد كابتن المنتخب أمين الخلفي.
على منصة التكريم، في "بيت الثقافة" بصنعاء، حملت إسراء الكأس بعد تقليدها الميدالية الذهبية، بينما كانت أمها تروي نجاحها بالدّموع.
ميلاد جديد يحتفل به شعب
مرّ عيد ميلاد إسراء الجديد في 1 أغسطس 2020 مرور الكرام. هذه رابع ذكرى تمرّ عليها دون أن تتلقى أي هدايا أو مفاجأة بالاحتفال بدخول عام جديد في حياتها.
كان آخر احتفال لها بالمناسبة في عيد ميلادها الحادي عشر في أغسطس 2016، إذ تزامن مع آخر راتب يُصرف لموظف حكومي في صنعاء.
من حينها توقفت الحكومة عن تسليم رواتب موظفي الدولة، بينهم والدها، أحد الكوادر الفنية في القطاع الهندسي للمؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون.
العزاء في ذلك -بالنسبة لإسراء- هو مواصلة السطوع كنجمة في تاريخ الرّماية، ومحاولة فهم المتغيّرات والظروف لأسرتها والعمل على إسعادها.
يقول والدها: "مؤلم أن نصبح غير قادرين حتى على الاحتفال البسيط بأطفالنا في عيد ميلادهم. لكن إسراء تتفهم وتحاول أن تبهجنا بتكريمها كبطلة للرّماية".
دخلت الرامية الماهرة ربيعها ال 15 في اغسطس 2020، ما يعني -وفق التصنيف الرياضي- انتقالها إلى فئة "الناشئين". بهذه الفئة شاركت في البطولة التنشيطية الأولمبية في صنعاء، التي نظمها الاتحاد اليمني للرماية في ديسمبر 2020.
جرت العادة أن يقدّم الاتحاد للمشاركين تدريبا لمدة يوم واحد فقط، قبل انطلاق البطولة، وهذا كل ما تحصلت عليه إسراء من تدريب في كل البطولة، رغم ذلك حصدت أفضل النتائج.
في يوم البطولة الأخير (12 ديسمبر)، تناولت بندقية هواء، من المدرّب بحماس وابتسامة، وأصابت الهدف خمس مرات على بُعد مسافة 10 أمتار بدقّة عالية، وحصلت على المركز الأول، ومُنحت الكأس، وقلّدت بالميدالية الذهبية.
هل هذا هو التعويض الذي يقصده محمد الخضيري، والذي تحاول الطفلة من خلاله أن تمنح فوزها كهدية تقدير لوالديها وشقيقها الصغير، الذين عجزوا عن الاحتفال بعيد ميلادها، لكنهم لم يبخلوا في دعمها للنجاح؟
هل قررت إسراء أن تغيّر موعد ومكان وطريقة الاحتفال بميلادها، وأن تحوّله من حفلة شخصية محدودة إلى حفلة جماهيرية ورسمية؟
تخجل إسراء في الرّد على هذه التساؤلات، لكنها تتمنّى أن تحصل على فرصة للمشاركة الخارجية لصقل مهاراتها، واختبارها على المستوى الدولي.
مطلع العام 2020، أُبلغ مسؤول في الاتحاد الأسرة بترشيح إسراء للمشاركة في معسكر تدريبي للرّماية لمدة شهر في مصر، وقال إن: "الاتحاد سيوفّر لإسراء تذكرة سفر، بينما تتكفل الأسرة بشراء تذكرة سفر للمرافق من أسرتها، كون الاتحاد غير قادر على توفير التذكرتين".
تلقت الأسرة، المكوّنة من الأب والأم وإسراء وشقيقها أحمد، هذا الخبر بسعادة بالغة، وأيضا بحُزن لا يُوصف، حيث من المستحيل عليهم توفير ثمن تذكرة لمرافقتها.
إذ كيف يمكن لأسرة تعيش الكفاف في بلدها، وتعجز عن الوفاء بدفع إيجار منزل متواضع من غرفتين مقداره 30 ألف ريال (يعادل 50 دولارا، بحسب سعر الصرف في صنعاء)، أن توفر ثمن تذكرة سفر!!
قد تكلف الرحلة -بالنسبة لمستوى عيشهم- ما يعادل ميزانية العيش لعام كامل، فكيف يمكن لوالدها توفير هذه التكلفة، وهو يكافح من أجل توفير ثمن كل وجبة على حدة؟!
الواقع أن إغلاق الأجواء بين البلدان جراء تفشي وباء "كورونا" في العالم، قد أعفى الجميع، حيث أُلغيت إقامة المعسكر تماما بسبب "كورونا".
تتمنّى إسراء أن ترشّح لتمثيل البلد خارجيا (في معسكرات خارجية، وفي البطولات الأولمبية الدولية والعالمية).
وتقول إن هذا سيساعدها على صقل مهاراتها، وتطويرها بشكل أكبر، خصوصا مع منافسة أبطال عالميين.
وتتمنّى أن تشارك في البطولة العالمية، التي تستضيفها "الدّوحة"، في القريب العاجل.
على الاتحاد اليمني للرّماية والقائمين على الرياضة دعم المواهب الصاعدة، وصقل مهاراتها، ومنحها الرعاية، وبناء قدراتها، وتقديمها للعالم، كونها الثروة الأبدية.



