تقارير
أسلحة الخرز.. مرح يدمى أعين الأطفال ويثقل كاهل آبائهم في تعز

قد تُولَد الإعاقة البصرية، ومعها الحزن والألم، من لحظات لهو الأطفال وتراشقهم بأسلحة 'الخرز'، التي أصابت -في مدينة تعز وحدها- أعين العشرات منهم، وأدْمتها، وأدمعَتها، وأفقدت البعض القُدرة على الرؤية، كما أفزعت أمهاتهم، وأثقلت آباءهم بالفقر وشدة الحاجة، وندرة الأعمال، وغياب مصادر الدخل، والعجز عن توفير نفقات العلاج والفحوصات، وتكاليف العمليات الجراحية المطلوبة.
رغم تفشي 'بندقيات' ومسدسات 'الخرز'، خلال أيام عيد الفطر الماضي، إلا أن مآسيها امتدت، حتى اليوم، مفاقمةً معانات العديد من الأُسر، التي وجدت نفسها مخيّرة بين توفير متطلبات الحياة الظرورية أو تحمّل تكاليف العلاج الباهظة.
يأمل الأربعيني عبدالله عقلان أن تتعافى عين طفله عقلان (10 أعوام)، وتعود لطبيعتها الأولى، خصوصاً بعد إجراء عملية جراحية لها على نفقة فاعلي خير، وذلك لشفط الدّم المُحتقن فيها، الذي خلّفه عيار كروي بلاستيكي صغير، أطلقه نجله من 'مسدس خرز'، فباغت أحدها عينه اليسرى وحوّله إلى بُقعة دامية.
تقول التحاليل الطبية إنها ناتجة عن نزيف، وتهتّك في القزحية، ما يجعل تعافيه بشكل تام أمراً مستبعداً من قِبل الطبيب المعالج، الذي أكد أن عقلان سيستعيد 40% من قدرته على الرؤية شريطة نقله إلى خارج البلاد لزراعة قرنية، وهي عملية تقدر تكلفتها ب5 آلاف دولار، غير شاملة قيمة التذاكر ومصاريف السفر والعلاج.
يعجز عن تحمّل تلك النفقات بمقدار إفراطه في الأمل، وإغراقه في التفكير بوسيلة ينقذ بها ابنه، رغم افتقاره المُزمن لرسوم المعاينة، وقيمة العلاج، الذي أقرّه الطبيب، ناصحاً باستخدامه خلال خمسة أيام، تمهيداً لإجراء العملية الجراحية الأولى مقابل 150 ألف ريال.
بدا له -حينها- الأمر صادماً، لشدة عجزه عن تحمّل ذلك، ما جعله يسترق خطاه، وينزوي في إحدى غرف المشفى، ليبكي من شدّة فاقته، وقلة حيلته، وعدم قدرته على دفع أجرة الباص الذي سيعيده إلى المنزل، فكيف بتكاليف العملية، التي بدت باهظة بالنسبة له، وجعلته يغادر مستشفى العيون مع طفله المصاب، وهو يردد "سنُجري العملية في حال توفّر المال لديّ".
يعمل في تعديل وتشكيل أحجار البناء، ويزاول هذا النشاط بشكل متقّطع، كما يعتمد على عائداته المتواضعة في إعالة أسرة مكوّنة من ستة أفراد.
* دموع
طغى الحزن على ملامحه ووجهه الأسمر، ونظراته التي أفصحت عن مدى شدة الهمّ الذي يعتريه، والعبء الكبير الذي شكّلته الإصابة، ونفقات علاجها، وعملياتها الجراحية المتعددة، والمقرر إجراؤها في أوقات متفرّقة، ما فاقم من معاناته مع أسرته، ووسّع دائرة عجزه. يقول لموقع 'بلقيس': "بصعوبة شديدة، أوفّر متطلبات الحياة اليومية لعائلتي، ولا قُدرة لي على علاج عين ولدي، وتغطية تكاليفه".
لفت حاله ومظهره المتواضع انتباه شخص آخر، كان قد ارتاد المستشفى برفقة طفله المصاب بمسدس 'خرز'، وتألّم لحال والد عقلان، ووضعه المتردّي، وقام بأخذ رقمه، والتقاط صورة لطفله، وأرفقها بتغريدة قصيرة، تطرّقت لوضعه، وحال أسرته، ونشرها في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك).
تفاعل البعض مع منشور مختار الحاج (34 عاماً)، وأبدوا رغبتهم في دفع تكاليف العملية الجراحية الأولى لعقلان، الذي خضع لها قبل أسبوعين تقريباً، بحضور الحاج، الذي تابع حالته منذ أن صادفه في مشفى العيون مع والده ووالدته الغارقَين بدموعهما، جراء عجزهما عن تحمّل رسوم المعاينة، وتكاليف الفحوصات والعلاج والعملية، لتردّي أوضاعهما المادية والمعيشية.
يذكر الحاج لموقع 'بلقيس': "لفت نظري حال عقلان، وغطاء عينه، وملابسه المتواضعة، وحال والده ووالدته، ما آلمني ودفعني إلى الكتابة عن معاناتهم في الفيسبوك".
شكّل حلقة وصل بين والد عقلان وفاعلي الخير، الذين تكفلوا بسداد تكاليف العملية، التي خضع لها عقلان في موعدها المحدد، ووثّق بالفيديو والصّور لحظة خروج عقلان من غرفة العمليات، حتى يُطْلع فاعلي الخير على حالته.
تناسى حال نجله عمر (8 أعوام)، الذي أصيبت عينه -منتصف مايو الماضي- بإحدى 'الخرز'، التي أطلقها طفل في حارته من مسدس بلاستيكي، أثناء خروجه إلى البقالة لشراء بعض المتطلبات، لكنه لم يتمكّن من ذلك، وعاد إلى المنزل باكياً، وممسكاً بعينه المُصابة باحمرار في الجزء الأبيض من العين، ونزيف في وسطها.
* عشرات الإصابات
تزامنت إصابة عُمر مع إجازة عيد الفطر، ما اضطر والده إلى استدعاء طبيب مقابل مبلغ مالي، وقام الأخير بفحص عين الطفل، وأخبر والده أن الإصابة متوسطة، وتتطلب وقف الحركة يومين، إلى جانب تعاطي أدوية بلغت قيمتها 10 آلاف ريال.
لم يطمَئن الحاج لحال طفله، فقام بعرض حالته -عبر أحد أصدقائه- على أحد الأطباء المعروفين في المدينة، الذي بدوره أوصى بشراء مجموعة أخرى من الأدوية، بمبلغ 15 ألف ريال. فتعاطاها عُمر إلى أن وجد والده فرصة لعرضه على هذا الطبيب، الذي طمأَنه ونصحه باستكمال العلاج.
وفيما اكتفت أُسر بعض الأطفال المصابين باللجوء إلى الصيدليات، لشراء بعض الأدوية البسيطة، لشدة فقرها وعجزها عن عرضهم على طبيب مختص، توافدت أخرى مع مصابيها على مراكز العيون في المدينة بشكل يومي، حتى مطلع يونيو الجاري، الذي توقف فيه استقبال حالات من هذا النوع.
وخلّفت أسلحة 'الخرز' عشرات الإصابات، معظمها من الأطفال، في حين تشكّل خطورة كبيرة على أعين المارّة، وتصيب هدفها من بُعد، وتتسبب في إصابة الطفل نفسه أو أفراد أسرته أو أصدقائه، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في أوساط المواطنين والناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، الذين طالبوا السلطة المحلية بالتدخّل لوقف الاتجار بهذا النوع من الألعاب، التي تشهد رواجاً وإقبالاً متزايداً، خصوصاً أيام الأعياد.
ويتراشق الأطفال بها في الشوارع والأحياء بعد تشكيل مجاميع، ويستحضرون بها العديد من المظاهر، بما فيها: حمل السلاح، وحرب الشوارع، وهي سلوكيات تبعِدهم عن طفولتهم، وتُؤثر على نفسياتهم مستقبلاً، وترسّخ فيهم العدوانية والعنف والعادات السلبية، وتجعل منهم جيلاً مفخخاً عقلياً، وسهل الانحراف والانخراط في الأعمال القتالية، طبقاً لمختصين.
* أرقام
وسجّل مرفقان صحيان في المدينة، الشهر الماضي، قرابة 55 حالة إصابة بأسلحة 'الخرز'، معظمهم أطفال، وتفاوتت تلك الإصابات ما بين المتوسطة والخطيرة، حسب عاملين في تلك المرافق، التي استقبلت حالات كثيرة، بعضها تتطلب علاجا، فيما تحتاج أخرى إلى عملية جراحية أو عمليتين.
وفقد 10 % من المصابين القدرة على الرؤية، جراء تعرّضهم للإصابة من مسافات قريبة، ما خلَّف نزيفاً في أعين البعض، وتمزّقاّ في حدقاتهم، فضلاً عن إصابة العدسات والشبكية، الأمر الذي يؤدي إلى ظمور الأعصاب، وفقدان القدرة على الرؤية، وهو ما يعجز الأطباء عن تداركه.
وذكر طلال الجعدي -أحد العاملين في أحد مستشفيات العيون المعروفة-: "وصلت إلينا 20 إصابة تقريباً"، موضحاً "منذ أن استأنفنا العمل بعد انقضاء إجازة عيد الفطر، كُنا نستقبل 5 حالات يومياً، لكننا -منذ أسبوعين- لم نعد نستقبل أية إصابات".



