تقارير
التحركات الدولية لحل الأزمة اليمنية سلميا.. المهمة المستحيلة

قناة بلقيس - عبد السلام قائد
تثير التحركات الدولية الأخيرة لحل الأزمة اليمنية سلميا العديد من التكهنات حول دوافع ذلك، خصوصا أن هذه التحركات لا تعكس صحوة دولية مفاجئة بشأن الحرب في اليمن وما نتج عنها من أزمة إنسانية مروعة، فلو أن الضمير العالمي حيّ لكان قد دعا إلى وقف هذه الحرب بجدية في بدايتها. إذن، فهل تلك التحركات لها علاقة بتطورات الملف النووي الإيراني ومقايضة إيران المجتمع الدولي بالملف اليمني لتقديم تنازلات فيما يتعلق بمفاوضاتها مع الدول الكبرى؟ أم أنها مؤشر على تسوية لأزمات الإقليم بعد سنوات من معارك صفرية لم تفضِ إلى نتيجة محددة، سواء توافقت مع رغبة اللاعبين الإقليميين والدوليين أم لا؟
وتأتي الدعوات لحل الأزمة اليمنية سلميا في وقت بلغت فيه الأزمة مرحلة من التعقيد يصعب معها التوافق بين أطراف النزاع على حلول وسط، فالسلطة الشرعية لا يمكنها التفريط بشرعيتها لصالح مليشيات انقلبت عليها، والمليشيات الانقلابية في صنعاء وعدن لا يمكن أن تتخلى عن المكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها طوال سنوات الحرب، يضاف إلى ذلك تناقض مشاريع أطراف الصراع وعدم التقائها حول قواسم مشتركة، ما يعني أن دعوات المجتمع الدولي لحل الأزمة اليمنية سلميا تعكس عدم فهم بطبيعة الأزمة وتعقيداتها، ذلك أن الحل السلمي للأزمة اليمنية مهمة مستحيلة، نظرا للدوافع العقائدية لدى مليشيات الحوثيين للاستمرار في الصراع، لاعتقادهم بأن السلطة والثروة حق خاص بهم وأنه ممنوح لهم من الله سبحانه وتعالى ومن ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يمكن أن يقبلوا بحل سلمي يقلل من شأن العقيدة الخرافية التي يؤمنون بها.
- تحولات الموقف الأمريكي
بدأ الاهتمام الدولي بالملف اليمني بتحركات الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، التي بدأت بانتهاج مواقف مغايرة لإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، واتضحت ملامح السياسة الخارجية الجديدة للولايات المتحدة في كلمة بايدن بعد تنصيبه رئيسا، التي تطرق فيها إلى الأزمة اليمنية، وقال إن الحرب في اليمن يجب أن تتوقف، وأكد توجيهه بإنهاء دور أمريكا في العمليات الهجومية في اليمن، إضافة إلى وقف صفقات السلاح المرتبطة بتلك الحرب، وأعلن تعيين تيموثي ليندركينغ مبعوثا خاصا إلى اليمن.
ورغم أن بايدن أكد وقف دعم بلاده للسعودية في الحرب اليمنية، ووقف صفقات بيع السلاح المستخدم في المعركة، لكنه قال إن "السعودية تتعرض لهجمات من دول مجاورة، وسنواصل دعمها في الدفاع عن سيادتها وأمنها ومواطنيها"، وأن بلاه ستساعد المملكة في التصدي للصواريخ التي تطلقها جماعة الحوثيين.
وفي إطار اهتمام الإدارة الأمريكية الجديدة بالأزمة اليمنية، أعلن بايدن تعيين الدبلوماسي المخضرم تيموثي ليندركينج مبعوثا خاصا إلى اليمن، وهو صاحب خبرات كبيرة كونه كان يشرف في الآونة الأخيرة على شؤون الخليج واليمن في قسم الشرق الأدنى داخل وزارة الخارجية الأمريكية، وقبل ذلك كان ثاني أكبر مسؤول في سفارة واشنطن بالسعودية، وعمل قبل ذلك في العراق والكويت.
وذكر موقع الخارجية الأمريكية أن ليندركينج عمل نائبا مساعدا لوزير الخارجية الأمريكية لشؤون إيران والعراق والشؤون الإقليمية متعددة الأطراف في مكتب الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية، وهو من أقدم العاملين بالسلك الدبلوماسي، وشغل سابقا منصب نائب رئيس البعثة الأمريكية في سفارة الولايات المتحدة في الرياض من 2013 إلى 2016، بالإضافة إلى شغله عدة مناصب ذات طابع دبلوماسي في عدة بلدان عربية وغير عربية.
وبعد أسبوع من تعيين واشنطن تعيين مبعوث إلى اليمن، دعا البرلمان الأوروبي، في 11 فبراير الجاري، دول الاتحاد إلى فرض حظر على مبيعات الأسلحة إلى السعودية والإمارات، وطالب بإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان في الحرب التي يشهدها البلد العربي.
كما صادق البرلمان الأوروبي على مشروع قرار مشترك حول "الوضع الإنساني والسياسي في اليمن"، مشيرا أنه دعا سابقا إلى حظر بيع الأسلحة لدول التحالف العربي التي تقودها السعودية.
- موقف إيران والحوثيين
وفي حين ردت إيران على السياسة الأمريكية الجديدة بمزيد من المناورة والتشدد فيما يتعلق بملفها النووي، فإن مليشيات الحوثيين قابلت هي الأخرى تلك التحولات بمزيد من التصعيد العسكري وتكرار محاولتها اقتحام محافظة مأرب، كما كثفت من هجماتها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة على مطارات ومواقع حيوية داخل الأراضي السعودية، وازداد التصعيد بعد حديث الإدارة الأمريكية الجديدة عن عزمها إلغاء تصنيف جماعة الحوثيين منظمة إرهابية، وهو التصنيف الذي أقرته إدارة ترامب في أيامها الأخيرة، ودخل حيز التنفيذ في 19 يناير الماضي، وألغته إدارة بايدن في 16 فبراير الجاري.
يسعى الحوثيون، من خلال التصعيد العسكري، لتحقيق مكاسب ميدانية، أو على الأقل استعراض قوتهم العسكرية في حال فشلوا في تحقيق اختراق ميداني كبير، بهدف تحسين موقفهم التفاوضي في حال ازدادت الضغوط الدولية لحل الأزمة اليمنية سلميا، والحل السلمي، من وجهة نظر إيران والحوثيين، لا بد أن يفضي لصالحهم، وما عدا ذلك فإنهم سيواصلون الحرب حتى النصر أو الهزيمة.
ورغم خطورة التصعيد العسكري الحوثي في مأرب، وما يتسبب به من كوارث ومآس إنسانية، إلا أن مجمل ردود الأفعال الدولية لم ترق إلى مستوب الحدث، فالولايات المتحدة، التي تدعو لإنهاء الحرب في اليمن، اكتفت بدعوة مليشيات الحوثيين لوقف التقدم صوب مدينة مأرب التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية، والمشاركة في الجهود الدولية الرامية للتوصل إلى حل سياسي للحرب الأهلية الدائرة في البلاد منذ أكثر من ست سنوات.
وطالب نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، الحوثيين بضرورة وقف هجومهم على مأرب ووقف جميع العمليات العسكرية وإنهاء الهجمات عبر الحدود على السعودية والمشاركة في عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة.
واعتبر في بيان أن "هجوم الحوثيين على مأرب هو عمل جماعة غير ملتزمة بالسلام وإنهاء الحرب التي ابتلي بها شعب اليمن"، محذرا من أن الهجوم لن يؤدي إلا إلى تفاقم أخطر كارثة إنسانية في العالم، ولفت إلى أن وكالة تابعة للأمم المتحدة تقدر أن مأرب تستضيف نحو مليون شخص نزحوا من مناطق أخرى بسبب القتال.
أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فقد قال إن واشنطن هُزمت في سياسة الضغط الأقصى ضد بلاده، معتبرا أنه لا حل أمامها سوى العودة إلى الاتفاق النووي. وأكد أن الحكومة ستنفذ القانون الذي أقرّه البرلمان الإيراني، حول خفض التعهدات النووية "رغم موقفها منه".
وأضاف روحاني، في تصريح له، الأربعاء، 17 فبراير، أن "الاتفاق النووي هو ما تم توقيعه عام 2015 ولا يمكن أن تضاف إليه أي مادة أخرى". وقال: "لو أردنا التفاوض على ملفات إقليمية أو برنامجنا الصاروخي لعاد ترامب إلى الاتفاق".
واللافت في تصريحات روحاني هو تطرقه إلى التفاوض حول ملفات إقليمية، ذلك أن العودة إلى الاتفاق النووي ستتيح المزيد من الوقت لاتفاقيات المتابعة بشأن القضايا الإقليمية ومجالات الخلاف الأخرى، وتعد هذه القضايا حاسمة للمصالح الأمنية لأمريكا وشركائها الإقليميين، ولذا فمن المستبعد أن تنخرط إيران في أي محادثات حول الملفات الإقليمية ما لم تتم استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة خصوصا فيما يتعلق بالملف النووي.
- مهمة مستحيلة
وبالنظر إلى تعقيدات الأزمة اليمنية، والبعد العقائدي للصراع من جانب الحوثيين، والدور الإيراني الداعم لهم، يبدو الحل السلمي للأزمة اليمنية مهمة مستحيلة، وهو ما أكده مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، جون بولتون، الذي أكد أن طهران هي السبب الرئيسي وراء إطالة أمد الأزمة اليمنية، مستبعدا الوصول إلى حل تفاوضي مع الحوثيين.
وقال بولتون، في لقاء مع قناة العربية، إن استمرار الأسلحة والأموال والتدريبات التي تقدمها إيران للحوثيين هو السبب الأساسي لاستمرار الصراع في اليمن كل هذه المدة الطويلة، مشيرا إلى أن ذلك يحول دون التوصل لأي حل سياسي في اليمن.
وأضاف "أعتقد أن الجميع يرغب في تحقيق السلام لليمن، لكن المشكلة هي أن التفاوض مع الإرهابيين (الحوثيين) يمثل مهمة شبه مستحيلة".



