تقارير

التداعيات المؤجلة للانقلاب الحوثي والتدخل السعودي - الإماراتي

التداعيات المؤجلة للانقلاب الحوثي والتدخل السعودي - الإماراتي
المصدر : عبدالسلام قائد

لم يقتصر الصراع الجاري في اليمن منذ ثماني سنوات على المواجهات العسكرية في الجبهات، وإنما تخللته جرائم حرب وأعمال عنف وانتهاكات بحق المواطنين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين ومليشيا المجلس الانتقالي، بالإضافة إلى تعمّد التحالف السعودي - الإماراتي تفجير الانقسامات الداخلية وتغذية الصراعات البينية والمؤامرة على وحدة البلاد ونظامها السياسي، وأيضا إدارة الاغتيالات السياسية وقصف جوي متعمّد على مواقع للجيش الوطني والاعتقالات والإخفاء القسري في السجون السرية وتعذيب السجناء، وغير ذلك من الانتهاكات.

وفي حال انتهاء الحرب بأي صيغة، ستظل تداعياتها قائمة لعقود وربّما قرون عديدة مقبلة، وما لم تتحقق عدالة انتقالية وتعويض الضحايا ومحاكمة المجرمين وإعادة الحقوق المنهوبة لأصحابها، فإن البلاد ستكون على موعد جديد من تصفية الحسابات واستعادة الحقوق والثارات، وغير ذلك من التداعيات المؤجلة للانقلاب الحوثي والتدخل العسكري للتحالف السعودي - الإماراتي. 

ويبدو أن المظالم الجارية لن تقف عند حد معين، وقد تتزايد وتيرتها مستقبلا، لا سيما أنه لا توجد مؤشرات على قرب إنهاء الصراع، سواء عبر تسوية سياسية أو من خلال الحسم العسكري.

- احتقار السلالية والانتقام منها

منذ بداية الحرب، تتوالى الانتهاكات بحق المواطنين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين بشكل يومي دون توقف، آخرها مصادرة آلاف الهكتارات من الأراضي والحقول المملوكة لمواطنين في مديرية بيت الفقيه بمحافظة الحديدة، وسبقها نهب منظّم لأراضي المواطنين في محافظتي الحديدة وإب والعاصمة صنعاء وغيرها، طوال السنوات الماضية، كما فرضت المليشيا الحوثية مؤخرا مبالغ مالية باهظة على المواطنين في بعض أرياف محافظة إب بذريعة "زكاة الأنفس"، حسب مصادر محلية، مدعية أن المواطنين لم يدفعوا تلك الزكاة منذ سنوات، بالإضافة إلى مطالبة المزارعين بكميات معيّنة من الحبوب بعد انتهاء موسم الحصاد للعام الرابع على التوالي، في مشهد يعيد للأذهان ممارسات الإمامة الكهنوتية قبل ثورة 26 سبتمبر 1962 المجيدة.

ملأت مليشيا الحوثيين مناطق سيطرتها بالمقابر والسجون والمعتقلات السرية والمخبرين ونقاط إيذاء المسافرين وابتزازهم، وصادرت أراضي وعقارات الأوقاف وممتلكات المعارضين السياسيين والفارين من بطشها، كما نهبت مؤسسات القطاعين العام والخاص والتجار وصغار المستثمرين، ومنحت أتباعها صلاحية النهب واللصوصية وممارسة العنف والاعتقال والتعذيب والمحاكمات الجائرة، وفخخت الغالبية العظمى من مدن وقرى مناطق سيطرتها بثارات وأحقاد لن تمحى بسهولة، وأسست علاقات زبائنية وشبكة كبيرة من ذوي المصالح، وربطت تلك المصالح باستمرار الحرب والانقلاب، لتجعل من مسألة الدفاع عن المصالح المرتبطة بالحرب سببا في استمرار تغذية الحرب وإطالة أمدها.

لقد تركت مليشيا الحوثيين ندوبا غائرة وجراحات عميقة في الجسد اليمني ستظل حاضرة في ذاكرة الألم الجمعي للشعب، ولها تداعياتها الآنية والمؤجّلة، فذاكرة الألم تعد أقوى ذاكرة ولا يمكن محوها أو نسيانها، وقد تستمر تلك التداعيات لعقود أو لقرون عديدة، خصوصا أن كل مظلوم يعرف ظالمه جيدا، يعرف اسمه وصفته ومكان سكنه، وستصبح الفئة الهاشمية السلالية فئة منبوذة ومحتقرة باستثناء من ساندوا الجمهورية ضد الإمامة الكهنوتية ودافعوا عنها في الميدان أو عبر وسائل الإعلام.

وكذلك سيصبح المتحوثون الذين أخلصوا في خدمة الإمامة الكهنوتية فئة منبوذة ومكروهة، وفي هذه الحال سيصبح النسب الهاشمي مجرد "لعنة" تلاحق صاحبه، وقد تختفي الألقاب السلالية تدريجيا، كما حدث بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بحكم الإمامة الكهنوتية، وليس مستبعدا أنه ما لم تتحقق العدالة الانتقالية أن تتعرّض السلالة الهاشمية لأعمال انتقامية ليس بإمكانها مواجهتها، وقد تطال تلك الأعمال حتى بعض الأسر السلالية التي بقيت على الحياد ولم تشارك مليشيا الحوثيين في القتل ونهب الممتلكات ومصادرة الحقوق.

- نبذ مليشيا المجلس الانتقالي

ومثلما أن مليشيا الحوثيين وخلفيّتها السلالية (العنصرية) تُواجه بمخزون كبير من الكراهية في شمال البلاد بشكل خاص وفي جميع أنحاء اليمن بشكل عام، فإن مليشيا المجلس الانتقالي وخلفيّتها المناطقية (العنصرية) تُواجه أيضا بمخزون كبير من الكراهية في شمال البلاد وجنوبها على حد سواء، فمليشيا المجلس الانتقالي تعد الوجه الآخر لمليشيا الحوثيين من حيث مصادرة الأملاك بدوافع عنصرية، ونهب الحقوق والاغتيالات السياسية، وإنشاء السجون السرية، وتعذيب المعتقلين من دون محاكمات أو تهم أو أحكام قضائية غير مسيّسة.

وبالتالي، فإن مخزون الكراهية المتراكم في صدور المواطنين في عموما أنحاء اليمن ضد مليشيا الحوثيين ومليشيا المجلس الانتقالي سيحوّل تلك المليشيات إلى فئات منبوذة اجتماعيا ومهمّشة سياسيا، وهذا أمر حتمي لا محالة مهما طالت مدة الصراع أو حققت المليشيات مكاسب ميدانية، لكنها ستظل مكاسب آنية محكومة بلحظة انقسام محلي وهندسة وحماية أجنبية، فعودة الأوضاع إلى طبيعتها أمر محسوم بقانون التدافع والبقاء للأصلح وجرف حركة التاريخ للشوائب العالقة في طريق الشعوب الحية والحرة.

- علاقات مضطربة مع السعودية والإمارات

عندما اندلعت عملية "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية ضد انقلاب مليشيا الحوثيين بذريعة مساندة السلطة اليمنية الشرعية، ظنّ كثيرون أن زمن الانقسام العربي قد ولّى، وأن عهدا جديدا من التضامن العربي قد بدأ لمواجهة الأخطار التي تهدد الأمّة العربية، وفي مقدّمتها الخطر الفارسي ومخالبه الطائفية في العالم العربي، لكن مع مرور الوقت مثّلت النتائج السلبية لتدخل التحالف السعودي - الإماراتي تجربة كابوسية ستظل آلامها مغروسة في الذاكرة الجمعية لليمنيين، وستلقي بتأثيرها على علاقة اليمن بكل من السعودية والإمارات لعقود وقرون مقبلة، وستعيد صياغة العلاقة وفق معطيات الواقع الراهن ومآلاته.

بل فطبيعة تدخل الدولتين في اليمن ومؤامراتهما ومكائدهما ضد بلد مزّقته الحرب تحت لافتة مساعدته، ستخصم من مصداقيتهما، وستحط من مكانتهما في الإقليم والعالم كحكومات مارقة تدعم الفوضى والتخريب، وليس لديها مرجعيات أخلاقية تهذب سلوكها أو تبرره، وسيظل الحذر قائما من تدخلهما في أي بلد عربي إذا نشبت فيه حروب وصراعات أهلية، لا سيما أن النظام الإقليمي العربي يمر بحالة سيولة من الأزمات السياسية والاقتصادية وغيرها، ويشهد تفاعلات مكثفة تجعل التغيير أو نشوب صراع في جزء منه يؤثّر على بقية الأجزاء، قبل أن تتفجر الملكيات من داخلها بسبب أزمة انتقال السلطة من جيل الآباء إلى جيل الأبناء والأحفاد.

- احتراق مستقبل الطبقة السياسية الحالية

من أبرز مساوئ المرحلة الحالية أنه اجتمعت فيها أسوأ المصادفات دفعة واحدة، فهناك أسوأ انقلاب في تاريخ الانقلابات العسكرية، انقلاب يغزو المدن الواحدة تلو الأخرى ليسيطر عليها وكأنه احتلال أجنبي، ويريد إقصاء جميع الأحزاب والفئات والمكوّنات من المشاركة السياسية وحق المواطنة والحق في الحياة، يقابله أسوأ تدخل عسكري أجنبي يغدر بالحلفاء ويحاور الأعداء، وبالوقت نفسه وصلت إلى هرم السلطة الشرعية نخبة سياسية فاشلة وانتهازية ومستهترة وبلا عقيدة وطنية صلبة، وتتماهى أو تصمت على مشاريع تفتيت البلاد وإضعافها إرضاء للحليف والممول الأجنبي، أو خوفا منه أو خوفا من فقدان المصالح الذاتية، ولذلك فهذه الطبقة السياسية أصبحت ممقوتة ولا تحظى بثقة الشعب، أي أنها أحرقت مستقبلها السياسي وليس لها رصيد وطني مُشرِّف تستند عليه في حال تجاوزت البلاد محنتها وأجريت انتخابات رئاسية وبرلمانية.

- اهتزاز الثقة بالمكوّنات السياسة

رغم خطورة المرحلة الحالية والتهديدات المصيرية التي لن ينجو منها أحد، لكن ما زالت المكوّنات السياسية اليمنية تميل إلى الانقسامات وتحويل أي خلاف في مجال محدد إلى خلاف شامل في كل المجالات حتى وإن كان ثمن ذلك تحويل البلاد إلى رماد، وما تزال بعض المكوّنات على استعداد للإضرار ببعضها البعض بدلا من توحيد الجهود ضد أعداء البلاد، فأصبحت العداوات متعددة، مع التحلل من الالتزامات التي يتوجّب على كل مكوّن سياسي أو اجتماعي أو عسكري أو أيديولوجي تنفيذها، لا سيما المتعلقة بالمصير المشترك للجميع (مصير البلاد)، والنتيجة أن المكوّنات السياسية خسرت ظهيرها الشعبي، مما قد يفسح المجال لظهور أحزاب ومكوّنات سياسية جديدة على أنقاض المكونات الحالية في مرحلة ما بعد الحرب.

وأخيرا، ليس مستبعدا أن التداعيات المؤجلة للحرب والصراع تثير مخاوف معظم الأطراف التي تفضّل إطالة أمد الحرب لتتفرغ لإدارة مصالحها ومراكمة مكاسبها، وخوفا من فقدان الامتيازات التي حصلت عليها خلال الأزمة، فهي تدرك أن الأزمة الحالية ستكون لها تداعيات مؤجلة عنوانها استرداد الحقوق وتصفية الحسابات والثأر والانتقام، وستتحول المليشيات السلالية والمناطقية إلى فئات منبوذة ومهمشة، وستتأثر علاقة اليمن بدول الجوار التي كان لها دور سلبي في الأزمة، أما الطبقة السياسية الحالية سيحترق مستقبلها السياسي بسبب تواطؤها مع مشاريع تمزيق البلاد وعدم الالتحام بالشعب وحشد الطاقات للقضاء على المليشيات الانقلابية واستعادة الدولة.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.