تقارير

التدخل السعودي في اليمن.. "طريق مسدود" أم إفلاس سياسي؟

21/11/2021, 17:42:15

قناة بلقيس - عبد السلام قائد - خاص

كانت تصريحات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، قبل أيام، التي قال فيها إن الوضع في اليمن وصل إلى "طريق مسدود" دبلوماسيا وعسكريا، بمثابة اعتراف بفشل الإستراتيجية السعودية في اليمن خلال السنوات السبع الماضية، وهو فشل مزمن سبق أن تكرر في حالات تدخل سابقة للسعودية في اليمن وفي مناطق صراع أخرى في العالم العربي، ويعد ذلك نتيجة طبيعية للإفلاس السياسي والأخلاقي الحاكم لتدخل السعودية في الدول الأخرى، خصوصا أنه ليس لديها مفهوم محدد لإدارة أزماتها مع جيرانها، حيث تطغى المؤامرات وصبغ كل القضايا بقوالب سياسية جامدة لا تفرق بين مصالح المملكة والأخطار التي تهددها.

أما ما تراه السعودية من "طرق مسدودة" أمامها دبلوماسيا وعسكريا، سواء في اليمن أو في أي بلد آخر تكون طرفا في صراعاته أو داعمة لأحد أطراف الصراع فيه، فإن ذلك ناتج عن استنادها في إدارة صراعاتها الخارجية إلى خيال عدمي وعبثي يقوم على "وهْم" أن كل التيارات والأيديولوجيات والثورات الشعبية والمطالبة بالديقمراطية ومحاولات البناء والتنمية والاستقرار إنما تهدد مصالحها بدرجة رئيسية، مما يدفعها إلى مواجهة تلك التهديدات المتخيّلة بأساليب تقوم أيضا على خيال عبثي وعدمي والاعتقاد بأنها ستؤدي إلى النتيجة المرجوة، ثم تصطدم بالواقع المرير بعد مضي سنوات عدة على خوضها تلك الصراعات، ورغم قساوة تلك الصدمات، إلا أن المملكة لم تفق من غفلتها كل مرة، وتعيد تجريب واختبار نفس السياسات والأساليب أملا في الحصول على نتائج مختلفة ولكن دون جدوى.

- كل الأهداف أمامها طرق مسدودة

تتعدد أوجه الإفلاس السياسي والأخلاقي للتدخل السعودي في اليمن، من بينها تهميش السلطة اليمنية الشرعية وعرقلة عودتها إلى البلاد، وفي المقابل إجراء حوارات سرية مع مليشيا الحوثيين لم يُكشف عن مضمونها والمطالب التي يطرحها كل طرف، وربما أن السعودية تحاول استمالة الحوثيين إلى جانبها وإبعادهم عن إيران، لكنها لم تتلقّ منهم ضمانات كافية، فضلا عن انعدام الثقة بين الطرفين، ولذلك فإن فشل السعودية في اليمن من أهم أسبابه الإفلاس السياسي والأخلاقي الذي جعلها تتخبط وتدير الأزمة اليمنية بدون هدف رئيسي محدد وواضح.

 

في البداية، كان التدخل العسكري السعودي في اليمن بذريعة القضاء على الانقلاب الحوثي وإعادة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء، لكن الإفلاس السياسي والأخلاقي جعل المملكة تنحرف عن تلك الأهداف لتتخذ من الانقلاب الحوثي ذريعة لتحقيق أهداف كثيرة دفعة واحدة، من أهمها: القضاء على ثورة 11 فبراير 2011 والقوى السياسية والعسكرية والاجتماعية المساندة لها، وإنهاك السلطة الشرعية وحلفائها، والقضاء على الأحزاب أو إضعافها وجعلها تحت رحمة المليشيات، وتطويع القبائل أو تهميشها وتفكيكها، والاستيلاء على الجزر والموانئ اليمنية وأهم المدن الحيوية بالشراكة مع الإمارات، والعمل على انفصال جنوب اليمن، وهدم ملامح الدولة، وغير ذلك من الأهداف التي وجدت المملكة أنها لن تحقق أيًّا منها بسهولة، ولهذا السبب فقد وصفت الوضع في اليمن بأنه وصل "إلى طريق مسدود"، والحقيقة هي أن أهدافها ومؤامراتها هي التي وصلت إلى "طريق مسدود".

لا تصرح السعودية برغبتها في تحقيق الأهداف المذكورة، كونها جميعا تخالف القانون الدولي، وتثير الرأي العام اليمني، لكن أداءها السياسي والعسكري المثير للريبة يعكس طبيعة الأهداف التي تسعى لتحقيقها، وترى أن حالة الصراع القائمة تمثل فرصة تاريخية ثمينة لا تعوض لتحقيق أهدافها التخريبية في اليمن، خصوصا أن الانقسامات بين مختلف الأطراف اليمنية أصبحت أكثر من أي وقت مضى، وهي انقسامات مغرية بالفعل لتمرير أي مشاريع أجنبية لهدم البلاد، لكن السعودية لا تمتلك الأدوات والسياسات والخبرات التي تمكنها من تمرير مشاريعها المؤجلة والمتراكمة ضد اليمن، وفي مقدمتها مشروع الانفصال، رغم أن الوحدة اليمنية أصبحت اليوم في أضعف حالاتها، ومع ذلك ما زال من الصعب تحقيق مشروع انفصال جنوب اليمن عن شماله.

ومنذ بدء عملية "عاصفة الحزم"، كان واضحا أن هناك فشلا في إدارة المعركة حتى لو لم يتراجع هدف القضاء على الانقلاب الحوثي وتحل مكانه أهداف أخرى متعددة، ويتمثل ذلك الفشل في أن المعركة -منذ بدايتها- أديرت بغباء، حيث كان من المفترض أن تتركز المعركة في البداية على تحرير العاصمة صنعاء التي تتمركز فيها كل مؤسسات الدولة والبنوك وشركات الاتصالات وغيرها، والانطلاق منها لاستعادة السيطرة على المحافظات الأخرى، لأن السيطرة المبكرة على العاصمة صنعاء، عبر أقصر الطرق إليها، كانت ستصيب مليشيا الحوثيين بمقتل، وستنهار بسرعة غير متوقعة، وستكون كلفة تحرير العاصمة صنعاء أقل بكثير من كلفة تحرير مساحات واسعة ومدن صغيرة مترامية كانت ستتحرر تلقائيا وبدون خسائر في حال السيطرة المبكرة على العاصمة صنعاء.

- تدخل بلا مرجعية أخلاقية

 

في الحقيقة، كان إعلان السعودية عن عملية "عاصفة الحزم"، في مارس 2015، أول تدخل عسكري للمملكة في اليمن يستند إلى مرجعية أخلاقية، وفقا للأهداف المعلنة حينها حول ذلك التدخل، أي القضاء على الانقلاب الحوثي وإعادة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء، بعد عقود من التدخل السلبي للمملكة في مختلف أزمات اليمن ومحطات تحوله التاريخية، لكن ذلك لم يدُم طويلا، إذ سرعان ما عادت السعودية إلى نهجها القديم في التعامل مع اليمن، وبلغ إفلاسها السياسي والأخلاقي هذه المرة ذروته، بل فقد صارت تدفع ثمن ذلك من سمعتها، وسط تساؤلات يثيرها الإعلام الغربي حول أنه إذا كانت السعودية قد عجزت عن هزيمة مليشيا بدائية محدودة العدد والعدة، وهي أكبر دول الشرق الأوسط إنفاقا على التسليح، فكيف ستواجه إيران ذات الطبيعة الثورية العدوانية والتسليح الجيد.

تدخلت السعودية في اليمن عسكريا مرتين، الأولى بعد اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962، وكان تدخلها لمساندة الملكيين الإماميين ضد الجمهوريين، والثانية في العام 2015 تحت لافتة "عاصفة الحزم" لمساندة الجمهوريين ضد عودة الإماميين الملكيين (الحوثيين)، وقد فشلت السعودية في كلا التدخلين، وبتعبير أكثر دقة أنه في كلتا الحالتين وصلت إلى "طريق مسدود" بسبب إفلاسها السياسي والأخلاقي. 

كما أنها -أي السعودية- تورطت في الاستدراج إلى أزمات أو حروب يمنية داخلية مرتين، الأولى ما عرفت بـ"حرب الوديعة" عام 1969، التي استدرجها إليها التيار الماركسي في الجبهة القومية من أجل التخلص من اللواء الثلاثين الذي كان يسمى بجيش البادية في حضرموت، وكان قوة يخشاها الماركسيون، قبل أن يحوّلوا الشطر الجنوبي من اليمن إلى "كوبا" شبه الجزيرة العربية تتكدس فيه الأسلحة السوفيتية التي تهدد الخليج، والثانية عندما استدرجها الرئيس السابق علي صالح إلى الحرب في صعدة ضد الحوثيين عام 2009، وأراد من ذلك التخلص من الجنرال البارز علي محسن الأحمر بتقديم إحداثيات خاطئة للمملكة للتخلص منه، وفق ما كشفت عنه في وقت لاحق وثائق ويكيليكس.

وكانت السعودية قد خاضت حربا مع اليمن في عهد الإمام يحيى عام 1934، ونظرا لأن جيش الإمام كان ضعيفا وبدائيا، فقد مكّن ذلك السعودية من الاستيلاء على أراضٍ يمنية فرّط بها الإمام يحيى، ولم تعمل حكومات ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 على استعادة تلك الأراضي اليمنية، بل فقد تنازل الرئيس السابق علي صالح عن أراضٍ جديدة للمملكة خلال المفاوضات الحدودية التي انتهت بالتوقيع على اتفاقية جدة الحدودية عام 2000.

- لماذا لا تراجع السعودية أخطاءها؟

تدرك السعودية جيدا أنها تسلك في اليمن سياسات خاطئة، وأنها بذلك لا تراعي الجوار ولا المصير المشترك، لكن لا يبدو أن المملكة ستراجع تلك الأخطاء، ولا تريد التمييز بين المصالح المشتركة والأمور السيادية، كما أن تعاملها مع مختلف أزمات اليمن يعكس سياسة متخبطة لم تتم وفقا لدراسات أو رؤى ثاقبة، وإنما الثابت الوحيد الذي يوجه سياستها تجاه جارتها الجنوبية الهواجس الأمنية والخشية من تداعيات أي حراك سياسي عليها، بالإضافة إلى المخاوف من تطور اليمن وازدهاره حتى لا يصبح قوة ذات وزن وتأثير إقليمي منافس للسعودية.

ورغم خطورة المرحلة الراهنة، التي أصبح فيها "الهلال الشيعي" يطوق السعودية من جهات عدة، لكن يبدو وكأنها مطمئنة إلى عدم وجود مخاطر وجودية تهددها، بدليل تهاونها في الصراع مع مليشيا الحوثيين، مع أنه لديها من القوة العسكرية والأسلحة الحديثة، إذا أحسنت استخدامها، ما يكفي لإبادة تلك المليشيا عدة مرات، لكنها تتعمد تدليل الحوثيين والصبر على إيذائهم لها، لاعتقادها -أي السعودية- بأن هناك خطرا في اليمن يكمن ضدها أشد من خطر الحوثيين، ويالتالي فهي تدير الأزمة اليمنية وفقا لتلك الهواجس الأمنية المتخيّلة والمبالغ فيها.

تقارير

الأزمة اليمنية.. تصعيد عسكري بلا قرار سياسي

ازدادت وتيرة التصعيد والعمليات العسكرية في جبهات عدة في اليمن خلال الأيام الأخيرة، كما عاودت السعودية شن غارات جوية مكثفة على مواقع لمليشيا الحوثيين في العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى. وفي حين تواصل مليشيا الحوثيين مغامرتها بمحاولة السيطرة على مدينة مأرب ومنابع النفط والغاز في المحافظة، بدون أي اعتبار للخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها على تخوم المحافظة منذ 10 أشهر، فإن التصعيد من قِبَل القوات الحكومية والسعودية بلا قرار سياسي معلن، أو على الأقل بدون حديث عن هدف محدد يُراد تحقيقه من خلال التصعيد الأخير، باستثناء حديث السعودية عن أن الهدف من عودة الغارات الجوية بكثافة على صنعاء وغيرها هو تدمير القدرات العسكرية للحوثيين، وهو نفس الهدف الذي يتكرر الحديث عنه منذ سنوات.

تقارير

تسريح العمال .. صناعة للفراغ ومعانات الأسر في تعز

تسريح الشاب هاشم يحيي (35 عاماً) من عمله في إحدى وكالات بيع الجوّالات في مدينة تعز جعله يتجرّع مرارة الفراغ والفقر، ويكافح من أجل البقاء وتوفير أدنى المستلزمات لأسرته، التي أثخنتها المعانات والبؤس والشقاء والعوز وقسوة الحياة وصعوبة الظروف وتردّي الأوضاع المادية والمعيشية وشدة الحاجة للغذاء والدواء، وغيرها من المتطلبات التي يصعب عليه اليوم تأمينها، خصوصاً بعد فقدانه وظيفته الخاصة، وراتبه الذي يعد مصدر دخله الوحيد مع عائلته.

تقارير

هل تنجح إدارة البنك المركزي الجديدة في وقف نزيف العملة؟

قرارت جديدة قضت بتشكيل مجلس إدارة جديد للبنك المركزي، بتعيين أحمد بن أحمد غالب المعبقي محافظا للبنك، ومحمد عمر باناجة نائبا له، بالإضافة إلى تعيين 5 أعضاء في مجلس إدارة البنك، عقب أيام من تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدد من المحافظات المحررة.

تقارير

بدعم إيراني مُعلن.. ثمة ما هو أشد فتكا باليمنيين من البارود

تشهد العملية التعليمية في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية، المدعومة من إيران شمالي اليمن، تحولا جذريا خطيرا مشحونا بالصبغة الطائفية، ويطمس التاريخ الحقيقي للبلاد، ويعجل بإغراق شمالها في الصبغة الطائفية، والتسليم للمشروع الإيراني.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.