تقارير
"الحِدادة".. مهنة تراثية في صنعاء مهددة بالاندثار

في أحد أزقّة سوق الملح المتعرّجة بقلب صنعاء القديمة، ترتصّ عدد من الحوانيت الصغيرة بصورة متفرِّعة، تُعرف بـ"سوق الحدادين"، منذ مئات السنين، يعمل فيها أشخاص مهرة، ورثوا مِهنة الحدادة عن الآباء والأجداد، باعتبارها المصدر الوحيد للرزق والتكسّب لدى عدد من الأجيال المتعاقبة وحتى اليوم.
يقول الحداد محمد الهندي لموقع "بلقيس": "نحن أسرة تعمل بهذه المِهرة من قبل 400 سنة، نتعيّش بها من أيام أجدادي الأولين، جدّي ورَّثها لأبي، وأنا ورِثتها منه، ونقلتها لأولادي، وهكذا، ما معي وظيفة ولا شيء غير الحدادة".
يحرص العاملون في هذه المِهنة العتيقة على التميّز في صناعة الأدوات التقليدية، من خلال استمرارهم بالحفاظ على الآلية القديمة في إعادة تشكيل مصنوعاتهم الحِرفية، التي يتم استخدامها في أعمال الزراعة، كـ "الفؤوس، المحاريث، المجارف، وسلاسل المحاريث"،
وغيرها، مثل مواقد الفحم، وأوتاد الخيام، وبعض الأدوات الأخرى، حيث تتمتع بمتانة وقوة كبيرة، كون تشكيلها يتم داخل أفران "الكِير" تحت درجة حرارة عالية.
علي الروضي -ابن عائلة تمتهن الحِدادة- قال لموقع "بلقيس": "أسرتي جيل بعد جيل يعملون فيها، أنا حداد منذ أكثر من 35 سنة، نحافظ على الطريقة القديمة للمصنوعات التي ننتجها، ويجعلها تدوم في الخدمة".
- مهددة بالاندثار
تخلّى العديد من الحدادين -خلال السنوات الأخيرة- عن مهنتهم الأصلية بشكلٍ فعلي، وتحوّل بعضهم إلى العمل في بيع أغراض منزلية من داخل تلك الدكاكين الصغيرة في سوق الحدادين، الأمر الذي يهدد هذه الحِرفة التقليدية بالاندثار، ويعرِّضها للانقراض خلال العقود القادِمة، في حال استمرار غياب الدعم والتشجيع الرسمي للعاملين بمهنة الحِدادة.
عبد الناصر القدسي -أحد العاملين في الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية- يقول لموقع "بلقيس": "هناك صعوبات كثيرة تواجه الحدادين -منها المعدات الزراعية التي تأتي من الصين- أضعفت الإقبال على شراء الأدوات التقليدية، لأنها رخيصة، لكن جودتها رديئة مقارنةً بالمحلي".
يتوجّب على الجهات المعنية توفير الإسناد اللازم للحدادين، وتشجيع الصناعات المحلية مهما كانت طُرق إنتاجها بدائية، حتى لا تتعرّض المهنة للتلاشي والاندثار.
يضيف الهندي -بقوله لموقع "بلقيس"-: " كثير من المزارعين تحوّلوا لشراء معدات صينية في السنوات الأخيرة، عملنا تراجع، البعض أقفل محْدادته، والبعض منتظر، ويفكّر بإغلاقها، لأن العمل ما عاد يخارج، والناس قاطعوا الشراء".
- بين الحاضر والماضي
كان هذا السوق ملاذ الفلاحين والمزارعين خلال سنوات مديدة فيما مضى من الزمن، بهدف الحصول على المعدات الزراعية البدائية لحراثة أراضيهم، وما يزال يحتفظ بالقليل منهم في الوقت الحاضر، حرصاً على شراء الأدوات المحلية ذات القوة والجودة.
يقول المزارع منصر الرحبي، لموقع "بلقيس": "هنا الأدوات أفضل من الخارجي، نحن ما نعرف نشتري معدات الزراعة إلا من هذا السوق، لأنها قويّة، أدخل عاني من البلاد لسوق الحدادين".
ورغم حدوث الطفرة الصناعية المتنوّعة، وتقدُّمها في مختلف المجالات خلال الوقت الحاضر، الا أن ما تبقّى من الحدادين في هذا السوق العتيق، مستمرين في صون الخطوات التقليدية لمصنوعاتهم الحِرفية، ويبقى أداء الماضي عابقاً بروح الحاضر.
أكد ذلك (الهندي) في حديثه لموقع "بلقيس: "العمل عندنا كله بالطُّرق القديمة، التي يفضلها المزارعون، لكن ورشات اللّحام الحديثة والمعدات الثانية ضربت علينا السوق، وأصبح ضعيفا، نحن ما نقدر على العمل إلا مثل الذي اكتسبناه من آبائنا".
ويتميَّز الحدادون في هذا المكان بإعادة تشكيل الحديد بأشكال مختلفة وبديعة المظهر، حيث يتم إذابته بأفران ذات حرارة عالية، ومن ثم قولبته بالضرب، كما جرت العادة لهذه الحِرفة التقليدية.
- شعبية
تعتبر مهنة الحِدادة واسعة الانتشار في مناطق مختلفة من اليمن، ولم يقتصر تواجدها على مكان أو مدينة بعينها، لكن العاملين فيها بكثرة يتركز انتشارهم في سوق الملح، كون صنعاء القديمة من أقدم المدن على المستوى العالمي.
يؤكد الباحث القدسي سبب انتشار مِهنة الحِدادة سابقاً بقوله لموقع "بلقيس": "اليمن كانت بلدا زراعيا، والأرض تحتاج لأدوات ومعدات زراعية، لا مصانع حديثة ولا أدوات مستوردة، ما جعل الناس يحترفون هذه المِهنة".
لا زالت الحِدادة المِهنة الوحيدة التي تعيدك إلى العصور القديمة، حين تسمع طنين الحديد أثناء تشكيله بدائياً، وتبهرك طريقة العرض لدى الأشخاص الذين يعيشون من عائدات مهمتهم الشاقة.



