تقارير
الحرب تدفع مزارعي مأرب نحو ترك الثمار في الأشجار

توقّف هدير شاحنة محمد بعيس (35 عاماً) في منتصف صحراء قاحلة بين محافظتي مأرب والجوف، حاملة على متنها 350 سلة برتقال مأربي جناها من مزرعته الوحيدة، متجّهاً بها نحو أسواق العاصمة صنعاء لبيعها، والكسب من ورائها لقمة عيش، واسترداد ما دفعه طوال عام في مزرعته، لكنّها لم تصل.
"فسدت البرتقال في وسط الصحراء بعد بقائها على متن دينّة لخمس أيام، ننتظر مهندس يأتي إلى الصحراء لإصلاح المركبة بعد تعطّلها".. يتحدّث المزارع "بعيس" بحزن وقد عاد إلى مزرعته مفرغ اليدين لا مال ولا برتقال، بعد أن صبّ منتوج السنة في الصحراء دون مقابل.
- خياران
يضطر المزارع "بعيس"، ومثله مزارعو محافظة مارب التي تشهد توقفا كاملا للطرق بينها وبين المحافظات الشمالية والجنوبية والغربية، بسبب الحرب منذ سبع سنوات، إلى السير ببضاعتهم
في طرق تُخيّرهم بين النجاة والفوز بنصف القيمة، أو الهلاك وفقدان حصاد عام بين ثنايا الرِّمال.
يقول بعيس ل"بلقيس" إن الكثير من أقرانه المزارعين منهم من يفقد مكينة مركبته، ومنهم من تغرق إطارات مركباتهم في رمال الصحراء وتلصيص ماكينة الشاحنة، وقليل ما ينجون إلى طريق سليم دون مشاكل في طرق أجبرتهم الحرب على السير فيها، لكسب لقمة عيش، اعتاد المزارعون عليها منذ زمن.
-خسائر كبيرة وبدائل مكلّفة
بحث المزارعون عن حل أكثر أمان لمرور حصاد زراعتهم نحو المحافظات لبيعها والكسب من ورائها، لكنهم وجدوا بدائل أكثر قسوةً.
وبحسب "بعيس" هناك طريق بديل نحو صنعاء، أكثر خسارةً ماديةً، أبعد من طريق الجوف الصحراوية.
حيث يسير من مأرب باتجاه العَبٔر شرقاً، ثم إلى عتق في شبوة، ومنها إلى البيضاء وذمار ثم إلى صنعاء، مشيراً
إلى أن هذه الطريق مكلّفة مادياً، لانعدام مادة الديزل، وارتفاع أثمانها في الأسواق
السوداء إذا ما توفّرت.
وقال إن خمسة أيام غير كافية لتصل إلى الأسواق المحددة، حيث يضطر الكثير من المزارعين إلى بيع منتجاتهم في سوق مأرب المحلية بثمن بخس، بسبب تكدّس الفاكهة الموسمية في سوق واحدة، لأن البرتقال أُنتج في موسم واحد في كل المزارع، وهذا يقلل من قيمتها، ومثلها الخضروات والفواكه الأخرى.
وقارن "بعيس" تكاليف نقل الخضروات والفواكه من مأرب إلى صنعاء، حيث يقول: "كان نقل الخضروات على متن دينة (شاحنة متوسطة) يكلّف -قبل الحرب- 50 إلى 100 ألف ريال، فيما اليوم تكلفة النقل بالدينة 500 ألف ريال، فلا المزارع مستفيد ولا البائع ولا ناقل الحمولة".
-الحرب تلغي الالتزام بموسم الحصاد
في العادة، تسير الزراعة على مواسم قطاف أو بذر محددة، لكن أوضاع الحرب وانقطاع الطرق دفعت المزارعين نحو التخلّي عن مواسمهم المعهودة، حفاظاً على منتجاتهم التي كلّفتهم الكثير خلال مراحل الإنتاج والزراعة.
يقول صديق المزارعين أحمد العزعزي - مدير الإنتاج الزراعي في مكتب الزراعة بمأرب- إنه عادةً ما يأتي شهر 11 وتكون أشجار البرتقال قد تم جنيها تماماً من الثمرة، وتبدأ في الشهر التالي (12) بعملية تعطيش خفيفة، وعملية استراحة، استعداداً لموسم زراعي جديد، حيث يأتي شهر فبراير من العام التالي وقد بدأت أشجار البرتقال تُزهر، عكس ما هو حاصل اليوم، حيث إن نسبة 8% من المَزارع لازالت تحمل ثمرة العام ولم تجنَ بعد، بسبب الحرب التي أدت إلى قطع الطُّرق بين مأرب والمحافظات الأخرى.
-مشكلات تثقل المُزارع
ويواجه المُزارع الكثير من المشاكل، أهمها مشكلة -أبرزتها الحرب الأخيرة- انقطاع الطرق نحو صنعاء وغيرها من المحافظات الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، حيث كانت ساعتان فقط كافية لنقل حمولة البرتقال من مأرب إلى صنعاء لبيعها، لكنها اليوم طالت إلى خمسة أو ستة أيام، وهذا يكلّف المُزارع الكثير من المال، أو قد يفقد كل منتجه الزراعي بسبب طول الطريق، أو بسبب التراب والرِّمال، عبر طريق الصحراء، بحسب العزعزي.
ويقول العزعزي ل"بلقيس" إن 250 ريالاً كانت تكلفة نقل سلة البرتقال من مأرب إلى صنعاء، فيما صارت اليوم 3 آلاف ريال، إضافة إلى تكاليف أخرى قد يتحمّلها المُزارع، تتمثل في تعطّل المركبة مثلاً، أو قد تنتهي الحمولة وتعطب، بسبب الطريق الطويل والأتربة.
ويشير العزعزي إلى أنه من المفترض أن تعمل السلطات على فتح منافذ أخرى للمُزارعين لتصدير منتجاتهم نحو دول الجوار، حيث إن الأقرب حالياً للمُزارع السعودية، أو عُمان، وليس صنعاء.
-عزوف عن الزراعة
ويؤكد العزعزي أن كل تلك المشكلات أدت إلى عزوف الكثير من المواطنين عن زراعة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، فيما عدد من المُزارعين توقفوا تماماً عن الزراعة خلال الأشهر الأخيرة، بالإضافة إلى أنهم عزفوا عن زراعة بعض الخضروات، التي تكلّفهم خسائر كبيرة في إنتاجها، فيما لا تُباع بسعر مناسب، ولو بنسبة 50٪ ممّا كلّفته.
وتشير إحصائيات مكتب الزراعة في المحافظة إلى أن الإنتاج الزراعي -خلال العام الجاري (2021)- تراجع في مأرب بنسبة 30% عن العام الفائت (2020م).



