تقارير
الحرب في تعز .. سنوات الاستنزاف الخفي لمدّخرات المواطنين

قناة بلقيس - هشام سرحان
يدرأ المواطنون في تعز عن أنفسهم تبعات سنوات الحرب السبع الكارثية، وقسوة الظروف، ومرارة الحياة، وتردّي الأوضاع المادية والمعيشية والاقتصادية، وانقطاع الرواتب، وندرة المساعدات والأعمال، وشحّة مصادر الدخل، وعجزهم عن إطعام أسرهم، وتوفير الماء والدواء والكسوة ونفقات التعليم لها، ببيع مدّخراتهم المتنوعة، وممتلكاتهم وإرث آبائهم، وأجدادهم، واستنفدوا -منذ العام 2015- ما بحوزتهم من مقتنيات، كما فقدوا الأمل في انتصارهم على الأوضاع الراهنة، التي جرّدتهم من كل شيء، وجعلتهم فقراء وجوعى، وشديدي الاحتياج، وخائفين من القادم المجهول.
أضحت أيديهم خالية، ومنازلهم خاوية، إلا من الحيرة، والصمت، وطول الترقب، والتطلع في الأفق القاتم، آملين حدوث انفراجة قريبة، وحين لا يلمحون أي بوادر لها ينكفئون على أنفسهم، ويغرقون في شرودهم، والتفكير بسُبل أخرى كفيلة بإنقاذهم من الارتماء في أحضان العوز، والبؤس، والشقاء، وشظف العيش.
لم تكتفِ الحرب المزمِنة بما خلّفته من خراب، وضحايا، ونزوح، وتشرّد، وحرمان من التعليم، والخدمات، ودمار الممتلكات، والمنازل، ونسف البنية التحتية، وفقدان الوظائف، والرواتب، والمهن، ومصادر الدخل، وانهيار العُملة المحلية، وغلاء المعيشة، وغياب الخدمات، وإرتفاع الإيجارات، ومعدلات الفقر والبطالة، والجوع، والاحتياج للمساعدات الإنسانية العاجلة، بل ألحقت تشوهاً بليغاً في نفوس المواطنين، ومجمل حياتهم، وكشفت عن وجهها الخفي، وتداعياتها المرعبة وغير الملحوظة، وعلى رأسها الاستنزاف البطيء لمدخرات المواطنين، مايفتح مأساة جديدة، وفصلاً آخر من فصول المعانات، التي ستكتوي بها آلاف الأسر.
ويفصح استنفاد اليمنيين ممتلكاتهم عن مدى التردّي الخطير في أوضاعهم، وسُوء حالهم، وقلّة حيلتهم، وضعفهم الشديد، وعجزهم عن مقاومة تبعات الحرب، والتعاطي معها، فضلاً عن فقدانهم لآخر مصادر القوة، والصمود في وجه الظروف الصعبة، ومتغيّرات الحياة القاسية.
* استنزاف الممتلكات
وتتجاوز مخاطر ذلك وآثاره السلبية على المستوى الشخصي والأسري والمجتمعي إلى الوطني، الذي يفقد آخر عوامل القوة والصمود في وجه التحدّيات الاقتصادية، ويُشارف على الدخول في منعطف خطير، يصبح فيه التعافي والنموء -في قادم الأيام- أمراً مستبعداً.
يقول المواطن، المُقيم وسط مدينة تعز، محمد العزي (50 عاماً)، لموقع "بلقيس": "خلال سنوات الحرب، بعت كل شيء أملكه، ولم يتبقَّ لديّ سوى جنبية (خنجر يمني) ثمينة، أعطاني إياها والدي المتوفي قبيل سنوات".
ويضيف: "بعد أن فقدت وظيفتي وراتبي ومصادر دخلي، وعجزت عن إطعام أولادي وبناتي، وكسوتهم وتعليمهم وتأمين احتياجاتهم، وتوفير الدواء لهم، ضطررت إلى بيع مدّخراتي وذهب زوجتي، ومقتنيات وممتلكات ورثتها عن والدي ووالدتي".
استنفد العزّي ممتلكاته بالتدريج، وباع أسلحته الشخصية، وعقود مرجان، وذهبا وفضة، وقطعتي أرض، وسيارة صالون، وفيما يُشارف اليوم على بيع جنبيته، وهي آخر وأثمن ما لديه، يُواسي نفسه بعبارة متداولة مفادها "في وجود العافية كل شيء يُعوّض".
وتتشابه مُدّخراته، التي باعها، مع مقتنيات الرجل الستيني علي عبدالله، الذي يعضّ أصابع الندم، ويتحسّر على ممتلكاته التي باعها، بما فيها باصه الذي كان يعمل به في نقل الرّكاب بين شوارع مدينة تعز، التي يبحث فيها اليوم عمّن يُقرضه مبلغا كافيا لشراء باص بديل، علّه يخرجه من حالة الفراغ، ويمكّنه من إطعام أسرته، وتأمين احتياجاتها.
وأوضحت دراسة تحليلية -نشرتها مؤخراً صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية تحت عنوان "الآثار العميقة للصراع على الأسر اليمنية"- أن اليمنيين تكيّفوا مع فقدان الدّخل ببيع الممتلكات، حيث استنفد 62 بالمائة منهم مُدّخراتهم منذ بداية الحرب، وباعوا المجوهرات، والموروثات العائلية، من أجل دفع ثمن الطعام والماء، وتوفير متطلبات العيش، ونفقات التعليم، وغيرها.
* تداعيات خطيرة
ويثير ذلك قلق ومخاوف الخبراء والباحثين، الذين حذّروا من مغبّة المشكلة، التي ستضاعف من أعداد المعدَمين والمحتاجين والجوعى، وستؤدي إلى المزيد من الانهيار الاقتصادي والإنساني في بلد يشهد أسوأ وأخطر أزمة إنسانية عالمياً.
وينعكس سلباً على معظم الأسر اليمنية، التي ستتخلّى في وجباتها الغذائية عن قطع اللحوم والجبن والحلويات بالكامل، وذلك من أجل توفير تكاليف متطلبات الحياة الضرورية والأساسية، كما سيلجأ بعضها إلى اتخاذ العديد من التدابير، بينها التقشّف، وخفض الاستهلاك اليومي، والتوجّه نحو تقاسم وجبتين فقط في اليوم الواحد.
ورجّح الخبير الاقتصادي عبد الواحد العوبلي أن استنفاد المدخرات سيُعرض المواطنين لمجموعة مختلفة من المشاكل، وسيدفعهم نحو خفض معدل الاستهلاك، وخفض التغذية، وإخراج الأطفال من المدارس، وبيع الأصول المنتجة، التي يعتمدون عليها للحصول على دخلهم اليومي، كما سيؤدي إلى زيادة حدّة الفقر، وسيصعّب من إمكانية استعادة التعافي الاقتصادي للبلاد مستقبلا، وسيحرمها -بشكل عام- من عوامل الإنتاج والدّخل والتنمية.
وشدد على أهمية المدّخرات الشخصية على مستوى الفرد والأسرة وعلى المستوى الوطني، موضحاً "عندما يكون معدّل المدخرات الشخصية مرتفعاً، يتجه الاقتصاد نحو التعافي والنموء بشكل أسرع".



