تقارير
السعودية والإمارات تكملان السيطرة على ثاني الجزر اليمنية.. ماذا بعد؟
تُكمل السعودية، والإمارات، السيطرة والاستحواذ على جزيرتي سقطرى وميون، فبعد إنشاء أبو ظبي قاعدة عسكرية في جزيرة ميون الإستراتيجية، وتهجير سكان الجزيرة ظهر، قبيل أمس (الأحد) محافظ عدن، التابع لما يسمى بالمجلس الانتقالي - المدعوم من الإمارات - محتفيا بتوقيع اتفاقية إنشاء وحدات سكنية مع ما وصفه بشيخ الجزيرة، بدعم إماراتي، وهو ما يشير إلى سعي أبو ظبي لتوطين الموالين لها.
تأتي هذه الخطوة في سياق هيمنة الإمارات على الجزر اليمنية، وانتهاكها للسيادة الوطنية، لتكون ميون هي الجزيرة الثانية بعد أرخبيل جزيرة سقطرى، التي أصبحت خارج السيطرة اليمنية، بل وخارج سيطرة ما يسمى بالمجلس الانتقالي التابع لها، حيث تدشن أبو ظبي رحلات الطيران إلى سقطرى عبر شركة "رويال جيت" بتأشيرات صادرة من أبو ظبي فقط، دون ترتيب مع وزارة النقل في عدن، أو السلطة المحلية في الجزيرة.
- تقاسم نفوذ ومصالح خارجية
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحديدة، الدكتور فيصل الحذيفي: "نحن نتابع أنشطة الإمارات والسعودية بسياسة استقطاع الجغرافية لصالحهما، سواء تلك الجغرافيا المطلة على الموانئ والجزر البحرية التي استفردت بها الإمارات أو الجغرافيا الحدودية مع السعودية، التي تسعى الرياض لتغيير معالم الحدود، والدخول إلى عمق الجغرافيا اليمنية، كما هو حاصل في المهرة، بشكل واضح".
وأوضح أن "هذا الاستحداث ليس جديدا، وإنما اليوم هناك برامج تفضح تطوّراته، فمنذ اليوم الأول وضعت الإمارات أهدافها على ميناء المخا وحوّلته إلى موقع عسكري، وعطلت وظيفته المدنية، وكذلك استحوذت على الجزيرة بإنشاء قاعدة عسكرية وإخراج سكانها الأصليين منها، وعملت على إنشاء مدينة سكنية، كما عملت لطارق عفاش في الساحل الغربي بمديرية المخا، وهي في الحقيقة عملية استحداث معسكرات تسمى مدنا سكنية".
وأضاف: "هذه الترتيبات ليست إماراتية، وإنما تقف خلفها، بريطانيا وأمريكا، فبعد الحرب العالمية الأولى عقب إخراج العثمانيين من اليمن، سعت بريطانيا إلى سلخ سواحل اليمن شمالا وجنوبا لتبقى تحت سيطرتها، وتصبح مشرفة على الممرات الدولية، ولم تستطع، وتم مواجهتها، رغم دعمها لبعض القبائل في الساحل ضد الإمام إلا أنها وجدت مجابهة شرسة، باعتبار أن هذه السواحل هي المتنفس الوحيد، واليوم تعيد الكرة من جديد، ولكن بطريقة غير مباشرة، كون القوانين الدولية -بعد الحرب العالمية- جرَّمت الاستعمار".
وتابع: "بريطانيا اليوم استغلت وجود الإمارات في منظومة التحالف، الذي تم استدعاؤه بشكل شرعي من قِبل السلطة الشرعية، لتمارس هذه الدولة الإستراتيجيات الخفية للندن، وهذا ما هو حاصل".
وأشار إلى أن "اليمنيين، اليوم، على المستوى الاجتماعي والشعبي، لا يستطيع الصيادون أن يتصرفوا وأن يعيشوا ويبنوا حياتهم في هذه المناطق بكل حريّة، أما على المستوى الحكومي فالسلطات الحكومية قد سلّمت كل زمام السيادة والقرار لهذا المتدخل الخارجي".
وقال: "إن هناك تقاسم نفوذ بين كل من السعودية والإمارات، ولا يوجد أي تعارض بينهما، وكل منهما تؤدي دورا يكمل الأخرى، فالإمارات دخلت تحت مظلة التحالف الذي أنشأته وتقوده السعودية، والفرق فقط هو أن هناك يدا خشنة فيما تقوم به الإمارات في اليمن، ويدا ناعمة فيما تقوم به السعودية".
وأضاف: "السعودية تركت السواحل والجزر والموانئ للإمارات، لأنها أكثر اهتماما بالموانئ الدولية، والممرات التجارية، وتسعى لتعطيل أي نشاط تجاري أو استقرار يؤثر على حركتها التجارية وموانئها في الشرق الأوسط، بينما السعودية تسعى للتغلغل الجغرافي في المناطق المتاخمة لها كالجوف وحضرموت والمهرة وشبوة".
وتابع: "السعودية هي الجارة الحدودية مع اليمن، لذا لا تريد أن تنعكس مثل هذه الأفعال البشعة على العلاقة بين البلدين، حتى وإن كانت السلطة راضية عن هذا السلوك الخشن والاستعماري، فهم يحسبون ألف حساب لأي استفزاز للمشاعر اليمنية، والكراهية اليوم تزداد، والفضح لمشاريعهما التوسعية داخل اليمن أصبح معلومة لكافة الناس، سواء مثقفين أو غير مثقفين ومتعلمين، أو غير ذلك من البسطاء، وسقط الخطاب الأخوي والشعارات والأهداف الزائفة"
ويرى أن "أكبر ضربة تواجهها دول التحالف اليوم هو تصاعد الوعي لدى اليمنيين بأنهم تحوّلوا بنظرهم إلى أعداء مثلهم، مثل إيران ومثل أي دولة طامعة بالتدخل في الشؤون اليمنية".
وفي تعليقه على الدور الحكومي والبرلماني، قال الدكتور الحذيفي: "عندما تشكّلت حكومة معين عبدالملك الأولى أو الثانية أشرنا إلى أن هذه الحكومة لا تخص اليمنيين وإنما تخص الجهة التي سعت إلى تشكيلها على هذا النحو برئاسة هذا الشخص الرخو، الذي يمرر مصالح المتدخل الخارجي على حساب الشعب اليمني".
وأضاف: "نحن ننظر إلى مجلس النواب باعتباره مجلسا معطلا بإرادة ذاتية من قِبل الهيئة، واللجان الذاتية في البرلمان، ومن جهات خارجية تسعى إلى عدم انعقاده، ومعطل من قِبل الحكومة حتى لا يمارس الرقابة على أدائها، لذا تعتبر رقابة مجلس النواب حتى اليوم رقابة صفرية، وقلة من أعضائه يتحمّسون بشكل فردي، كما كان الحال في صنعاء قبل الحرب".
واعتبر أن "اليمن أمام معضلتين، المعضلة الأولى: الحكومة التي تنفذ أجندات خارجية ولا تهمها مصالح اليمنيين، والمعضلة الأخرى: غياب الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب".
- نظرة اقتصادية
يقول الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، الدكتور علي الذهب: "إن الجزر تمثل أحد المدعمات والأعمدة الأساسية للأمن البحري، لكن النظرة الإستراتيجية والجيوسياسية للإمارات وغيرها من الدول، ترى أن هذه الجزر ملائمة لإنشاء قواعد عسكرية أو لوجستية عسكرية ومدنية في خدمة النقل البحري، لا سيما وأن هذه الجزر تقع على طرق تدفق النفط وسلاسل الإمداد، وهي أماكن حساسة تتحكم بحركة السفن، سواء كانت مدنية أو عسكرية".
وأوضح أن "نظرة الإمارات في سيطرتها على هذه الجزر نظرة اقتصادية، لكنها ترى أنه يجب عليها أن تعزز ذلك بالجانب العسكري والأمني لحماية مشروعها الاقتصادي في جبل علي، لا سيما وأنها لم تستطع الصمود عسكريا واقتصاديا في جيبوتي، وأخذت تركّز على الحلفاء الخاضعين لنفوذها في اليمن أو في الصومال، لذا هي تركز أيضا على الموانئ الصغيرة المطلة على خليج عدن في جمهورية الصومال".
وأضاف: "تعطيل الإمارات لميناء عدن خدمة لميناء جبل علي، وتركيزها على جزيرة ميون باعتبارها عنصر تحكم اقتصادي وعسكري وتجاري في قلب باب المندب، وفي طريق التجارة الدولية، ولا ننسى، في نفس الوقت، التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل، الذي يحفّز حول هذا الأمر، حيث سبق في العام 2021م أن أجريت مناورة بين الإمارات والبحرين وإسرائيل في قلب البحر الأحمر بإشراف إسرائيل والأسطول الخامس الأمريكي".
وتابع: "مثل هذه الاستحداثات العسكرية الإماراتية في الجزر اليمنية الإستراتيجية تشكّل بؤر توتر، كون منطقة جنوبي البحر الأحمر، وخصوصا جيبوتي ومضيق باب المندب، أشبه بمعسكر كبير، أي أنه في لحظة صراع معين ستتحول المنطقة إلى بؤرة عنف دولية وإقليمية تتقطب فيها جميع القوى".
وأردف: "قاعدة عسكرية إستراتيجية في جزيرة ميون ستكون مناوئة للقواعد العسكرية الموجودة في جيبوتي، التي عددها عشر قواعد، من أكبر هذه القواعد القاعدتان الأمريكية والصينية، وهاتان الدولتان معلوم التنافس العسكري بينهما في هذه المنطقة".
وزاد: "تواجد الإمارات في المنطقة قد يكون مدعاة لصراع دولي وإقليمي في هذه المنطقة الحساسة، التي قد تتسبب بإغلاق قناة السويس، أو ستهدد حركة الملاحة، وتعزف السفن التجارية عن المرور في هذه المناطق وتُعطّل، وتتحول السفن إلى مرور في رأس الرجاء الصالح، وسترتفع الخسائر وأسعار الشحن وغير ذلك".
- رضا حكومي
يقول الصحفي صلاح السقلدي: "صحيح أن السلطات اليمنية لا تعلم بوجود رحلات من جزيرة سقطرى إلى القرن الأفريقي تحديدا، ولكن يبقى اللوم على الطرف المعني الذي يسمح بذلك، فلا نلقي اللوم على الإمارات فقط، فسقطرى أُهملت وتم تجاهلها في الكثير من الخدمات، وعندما جاءت الإمارات قدمت الخدمات في مختلف المجالات، وحتى في الرحلات الجوية".
وأضاف: "فيما يتعلق بالأمور التي فيها مآخذ على الإمارات تحدثنا عنها، منها الجانب السمكي وجانب الثروات، بالرغم ما تبذله وزارة الثروة السمكية في هذا الأمر".
وأشار إلى أن "الجميع يعرف أن هناك الكثير من القوى الدولية والإقليمية، التي لديها أطماع في جزيرة سقطرى، لما لها من موقع إستراتيجي، لذا يجب أن تأخذ مكانتها لدى الحكومة والمجلس الرئاسي أولا، وهم من يتحملون مسؤولية ما يحدث فيها".
وقال: "إن السلطة المحلية في جزيرة سقطرى تشكو شحة الإمكانات، وكلما طالبت بتوفير الإمكانات والدعم من الحكومة اليمنية ترفض الحكومة التجاوب بذريعة أن الجزيرة تتسلم دعما هائلا من الإمارات".