تقارير

السلاح والمال والسياسة.. هل تغرق الإمارات في اليمن؟

السلاح والمال والسياسة.. هل تغرق الإمارات في اليمن؟
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد

تتكبد دولة الإمارات خسائر مالية باهظة للإنفاق على تدخلها العسكري في اليمن، ويشمل ذلك تشكيل مليشيات لا تخضع لوزارة الدفاع اليمنية، والإشراف على تدريبها، وتزويدها بالسلاح، وصرف رواتب أفرادها، والتغذية، وتكاليف وقود المركبات والمعدات العسكرية، وشراء ولاءات قيادات سياسية وشخصيات اجتماعية وإعلاميين ومنظمات حقوقية، بالإضافة إلى استقدام مرتزقة أجانب ومدربين وخبراء عسكريين غربيين برواتب مضاعفة ونمط عيش مغري، وغير ذلك من أوجه الإنفاق الذي لم يوافق عليه المجلس الوطني الاتحادي في الإمارات، ولم تتم مشاورة المجلس الأعلى للاتحاد بشأنه، والذي يذهب معظمه لصالح مليشيات غير خاضعة للمساءلة وتسليحها "بشكل متهور"، حسب وصف منظمة العفو الدولية، في تقرير لها صدر في فبراير 2019.
 
وخلال المدة من 2016 وحتى 2018، بلغ إجمالي إنفاق الإمارات في اليمن أكثر من ملياري دولار أمريكي، وفق تقرير سري للهلال الأحمر الإماراتي، حصلت عليه قناة "بلقيس" قبل أيام قليلة، وتوزعت النفقات، بحسب الوثائق، ما بين إنشاء تشكيلات عسكرية غير نظامية، وشراء معدات وآليات أمنية، وإنشاء معسكرات جديدة، وإنشاء معتقلات، وعمليات تجنيد لصحفيين، ودفع مبالغ مالية طائلة لمسؤولين أمنيين، وأيضا دفع رشاوى لمنظمات دولية من بينها منظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى إنشاء وتمويل وسائل إعلامية واستقطاب صحفيين وكُتاب لتحسين صورة الإمارات ومهاجمة مناهضي دورها في اليمن.
 
- إنفاق يتجاوز حدود العقل
 
إذا كانت دولة الإمارات قد أنفقت مبلغ ملياري دولار خلال ثلاثة أعوام فقط لتمويل تدخلها العسكري في اليمن والعبث في البلاد، فيا ترى كم مجموع الأموال التي أنفقتها طوال السنوات الثمان الماضية؟ وإذا استمرت الحرب والتدخل العسكري في اليمن عدة سنوات مقبلة، فكم من الأموال التي ستحتاجها الإمارات للإنفاق لمواصلة تدخلها؟ والسؤال الأهم: ما هي الجدوى أو المكاسب التي ستحصل عليها الإمارات مقابل نفقاتها الباهظة والتي تتجاوز حدود العقل؟
 
فالإنفاق ليس فقط ما تضمنته الوثائق المسربة من دهاليز ما يسمى "الهلال الأحمر الإماراتي" الذي يعد الغطاء الرسمي لجهاز المخابرات الإماراتي، وإنما أيضا ثمة نفقات أخرى كثيرة لم تتم عبر بوابة "الهلال الأحمر الإماراتي". ووفق دراسة بحثية أصدرها مركز "إيماسك"، في منتصف 2018، فإن الإمارات كانت تنفق في السنوات الأولى من الحرب قرابة 1.3 مليار دولار شهريا على أقل تقدير، أي ما يصل إلى 16 مليار دولار سنويا، في العمليات البرية والجوية ضمن عمليات التحالف بقيادة السعودية.
 
صحيح أن الإنفاق سيتقلص خلال السنوات الأخيرة، كون السنوات الأولى من الحرب شهدت طفرة في العمليات العسكرية والطلعات الجوية وفي إيجاد البنية التحتية للنفوذ الإماراتي في اليمن مثل تشكيل مليشيات وتزويدها بالمال والسلاح وتدريبها، لكن استمرار التدخل وطول أمد الحرب واستمرار العبث في البلاد واحتلال جزر وموانئ يمنية، لا شك أن كل ذلك يتطلب نفقات إضافية يومية دون انقطاع، ومن ذلك استمرار تدفق السلاح الحديث والنوعي، والذخائر، وصيانة المعدات العسكرية وإمدادها بالوقود.
 
علاوة على ذلك، فإن الإمارات مضطرة أيضا لدفع رواتب أفراد المليشيات والتشكيلات العسكرية التي أنشأتها، ودفع تكاليف التغذية، لضمان استمرار تلك المليشيات والتشكيلات غير النظامية في الولاء لأبو ظبي، بالإضافة إلى النفقات التي تتطلبها عملية توسع المجلس الانتقالي وسيطرته على محافظات جديدة، ومحاولاته لاستكمال السيطرة على ما بقي من محافظات جنوبية وشرقية لم يسيطر عليها بعد.
 
وتشكل السيطرة على محافظات ومناطق جديدة أعباء إضافية على خزائن الإمارات، كونها تقتضي توسعا في مختلف الصفوف القيادية للمجلس الانتقالي لتولي إدارة المناطق المسيطر عليها حديثا، واستقطاب مجندين جدد وتدريبهم، وكل هؤلاء ستتولى الإمارات دفع رواتبهم، خصوصا بعد توقف تصدير النفط اليمني جراء تهديدات مليشيا الحوثيين، حيث كان التحالف يعول على عائدات النفط اليمني لدفع رواتب مختلف المليشيات والتشكيلات العسكرية بذريعة أن من يمثلونها أصبحوا جميعا أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي.
 
كما أن إنشاء قواعد عسكرية في بعض الجزر اليمنية بعد احتلالها، يتطلب نفقات هائلة، مثل نقل معدات عسكرية وأسلحة نوعية وإنشاء معسكرات ومخازن أسلحة والإمداد المستمر بالغذاء والوقود للجنود والضباط المرابطين في تلك القواعد العسكرية، وهذا الإسراف في الإنفاق والتبذير دون خطط واضحة وفي بلد لم يستقر على وضع محدد، سيؤثر بلا شك على اقتصاد الإمارات وسيضعفه بدرجة كبيرة، وسيؤثر ذلك على مواطني الدولة وعلى المقيمين فيها، لأن تبديد الموارد والإنفاق المتهور بهذا الشكل يفوق قدراتها المالية والعسكرية.
 
- ما دوافع الإنفاق المتهور؟
 
لا شك أن دولة الإمارات تطمح إلى أن يكون لها نفوذ إقليمي، وبنفس الوقت فهي تخشى من أن تؤثر الثورات الشعبية وموجات التغيير والمطالب بالديمقراطية والحرية والمساواة على وضعها الداخلي، فضلا عن مساعيها لمنافسة السعودية وقوى إقليمية أخرى على النفوذ في المنطقة، لكنها أخطأت التقدير باعتقادها أن دعم الفوضى والخراب يمثل البوابة لاكتساب ساحة نفوذ، وإذا بالنتيجة عكسية، حيث خلقت الإمارات لنفسها أعداء كثر في المنطقة، وشوهت سمعتها عالميا حيث بدت كدولة مراهقة سياسيا، تنشر الفوضى والتخريب ودعم مليشيات متمردة، فضلا عن سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان، ولن تفلح مساعيها لتجميل وجهها القبيح مهما أنفقت من أموال لاختراق منظمات حقوقية وشراء ذمم إعلاميين وناشطين لتجميل سجلها البشع في مجال حقوق الإنسان وتغذية الصراعات في المنطقة.
 
وبخصوص التدخل في اليمن تحديدا، فالهدف منه -كما يبدو- دعم انفصال جنوب اليمن، واحتلال جزر وموانئ يمنية، والقضاء على قوى ثورة 11 فبراير 2011 أو إضعافها، وإضعاف اليمن بشكل عام، وتعطيل دور موانئه، والزعم بالمشاركة في الحفاظ على أمن الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لكن مثل كل هذه الطموحات ستنهار فجأة في حال عودة اليمن إلى وضعه الطبيعي، فمرحلة التمزق والضعف الحالية هي حالة عارضة لها مسبباتها وستأخذ مداها الزمني المفترض ولن تظل قائمة إلى الأبد.
 
كما أن محاولة فرض انفصال جنوب اليمن عبر مليشيات مناطقية لن يكتب له النجاح، علما أن الانفصال لا يعني بالضرورة إضعاف اليمن، فقد يكون الانفصال إلى دولتين محفزا للتنافس بينهما في مختلف المجالات وبالتالي إثارة التوترات في المنطقة كما هو حال كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وقد يكون الانفصال في اليمن محفزا لحالات انفصال في دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات، التي توجد خلافات بين إماراتها السبع لم تظهر للعلن، وقد تعبر عن نفسها مستقبلا بسبب الإنفاق المتهور والعبثي في الصراعات الخارجية، دون أن يكون لذلك أي مردود إيجابي يلمسه المواطن الإماراتي.
 
وبشأن المخاوف من أن يؤثر أي تحول ديمقراطي في اليمن على الوضع الداخلي للإمارات أو السعودية وغيرهما، فهذه مخاوف تقليدية في وقت أصبح فيه العالم قرية صغيرة، فالأفكار البراقة التي تدغدغ الجماهير العربية هي تلك القادمة من الدول المتقدمة وليس من التجارب الوليدة والمتعثرة في المنطقة العربية، والمواطن الإماراتي الذي سيطمح إلى التغيير في بلاده فهو سيطمح بأقوى النماذج المغرية التي يراها في أوروبا وأمريكا، وليس تلك التجارب المتعثرة التي يراها في اليمن أو تونس أو مصر.
 
وفيما يتعلق بأهداف دولة الإمارات في المشاركة في أمن الملاحة الدولية والنفوذ البحري واستمرار تعطيل الموانئ اليمنية، فالحقيقة هي أن الإمارات ليست مؤهلة للقيام بأي دور من الأدوار المذكورة، فأمن البحار والمحيطات من مهام القوى العظمى في العالم التي لها مصالح في جميع البلدان والقارات، وتأمين صادرات النفط الإماراتية من بين مهام القوى العظمى التي تستورد النفط من منطقة الخليج، والأولى بالإمارات أن تكرس جهودها لحفظ أمن مضيق هرمز الذي تهدد إيران بإغلاقه من حين لآخر، وليس ترك ذلك المضيق لتحدد إيران مصيره والذهاب بعيدا للمشاركة في تأمين مضيق باب المندب، كما أن احتلال الإمارات لبعض الجزر اليمنية لا يعني أنها قد حصلت بذلك على "صك نفوذ" سيعترف به العالم أجمع، لا سيما أنها لم تستطع حتى مجرد الحديث عن جزرها الثلاث التي تحتلها إيران.
 
أما بخصوص مخاوف الإمارات من أن استقرار اليمن قد يمنحه الفرصة لتطوير موانئه واستثمار موقعه الإستراتيجي، والخشية من أن يؤثر ذلك على وضع موانئ الإمارات، فهذه مخاوف لم يعد لها أي مبرر إذا كانت السعودية قد بدأت بالضرب على "الوتر الحساس" للإمارات من خلال البدء في مشاريع عملاقة مثل مدينة "نيوم" التي ستكون في حال الانتهاء منها بمنزلة ضربة قاصمة لمدينة دبي كمركز تجاري إقليمي، مع احتمال تصاعد المنافسة في هذا السياق مستقبلا ودخول سلطنة عمان ودولة قطر على خط المنافسة بتأهيل بعض موانئها، علما أن اتجاه التنافس الدولي نحو قارة إفريقيا البكر في الثروات، سيضعف من مكانة منطقة الخليج العربي دوليا في المستقبل كون ثرواتها النفطية آيلة للنضوب.
 
في المحصلة، لن يكتب للإمارات أي نجاح في اليمن، وتدخلها مصيره الفشل كما هو حال مصير تدخلها في ليبيا، ففي النهاية سيحسم اليمنيون أمرهم، بينما الإنفاق المتهور الذي تتكبده الإمارات في اليمن سيذهب هباء منثورا، ولن يعود عليها بالنفع، فصادراتها النفطية ومركزها التجاري الإقليمي يأتيه الخطر المباشر من إيران وليس من اليمن، كما أن دعم الفوضى في اليمن سيزيد من المخاطر على أمن الملاحة الدولية وليس العكس.
 
- ارتدادات عكسية
 
لا شك أن تدخل الإمارات عسكريا في اليمن ودعم مليشيات متمردة واحتلال جزر وموانئ يمنية وما يرافق ذلك من إنفاق متهور، سيكون له نتائج سلبية على دولة الإمارات، فهي ليست مؤهلة للقيام بدور فوق طاقتها، والأسوأ من ذلك أنها خلقت لنفسها مجموعة كبيرة من الأعداء في اليمن والمنطقة سيكونون لها بالمرصاد، ومن الصعب أن تنتصر في أي صراع تتدخل فيه.
 
ففي ليبيا انتهى تدخلها بالفشل، وفي اليمن لم تستطع المليشيات التي دعمتها بالمال والسلاح تحقيق أي انتصار ما لم يكن مسنودا بغطاء جوي، وهو في هذه الحالة انتصار هش ومزيف ومعرض للانتكاسة في أي لحظة، كما أن احتلال جزر وموانئ يمنية سينتهي حتما في حال حسم اليمنيون أمرهم وعادت البلاد إلى وضعها الطبيعي، بل فإن أي طموح عسكري إماراتي في اليمن أو المنطقة سينكمش فورا في حال تعرضت مدنها الزجاجية لغارات محدودة بالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية وغيرها، وبالإمكان تعطيل تدخلها الجوي من خلال شراء منظومات دفاع جوي حديثة وفعالة.
 
وكذلك فإن استمرار الإمارات في الإنفاق المتهور على المليشيات المتمردة والبحث عن دور عسكري أكبر من قدراتها، سيؤثر حتما على وضعها الداخلي، فالإمارات السبع المنضوية في الاتحاد تشهد تباينا كبيرا في مستواها الاقتصادي والمعيشي، واستمرار التدخل العبثي في اليمن وغيره قد يتسبب بخلافات فيما بينها، كما حدث أثناء الحرب بين العراق وإيران، حيث ساندت بعض تلك الإمارات العراق والبعض الآخر ساندت إيران، واليوم تتكبد الإمارات نفقات هائلة في اليمن، تشمل تمويل مليشيات موالية لها بالمال والسلاح، وشراء ولاءات سياسية، وغير ذلك من أوجه الإنفاق الكفيلة بإغراق الإمارات في المستنقع اليمني، من دون ضمان تحقيق عوائد مقابل تلك النفقات المتهورة.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.