تقارير
العداء الأجنبي للوحدة اليمنية.. الجذور والدوافع

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لاتفاقية تمديد فترة الإيداع للوديعة السعودية لليمن التي سبق تقديمها عام 2018 لدى البنك المركزي اليمني، وفيها تظهر لافتة كُتب عليها اسم شمال اليمن قبل الوحدة (الجمهورية العربية اليمنية)، ويظهر في الصورة طرفا التوقيع: من الجانب اليمني محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب أحمد، ومن الجانب السعودي وزير المالية للسياسات المالية والعلاقات الدولية عبد العزيز بن متعب الرشيد.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتعمد فيها السعودية جس نبض اليمنيين بشأن الوحدة والانفصال واستفزازهم، ففي أوقات سابقة، تداول ناشطون صور وثائق سعودية لمقيمين يمنيين في المملكة كُتبت فيها هوياتهم بمسميات انفصالية أو هوياتية صغيرة مثل: يمني شمالي، يمني جنوبي، حضرمي، وغير ذلك من المسميات، وهو ما يعكس عداء السعودية المتجذر للوحدة اليمنية، وتوافقها مع حليفتها الإمارات لاستغلال الأزمة الراهنة وإطالة أمدها لأجل تمزيق اليمن، وتحقيق رغبتها القديمة في جعل اليمن ممزقا ضعيفا إلى ما لا نهاية.
- الوحدة كمحور صراع متجدد
لم يعرف اليمن طوال تاريخه الانقسام إلى أقاليم سياسية، وكانت الحروب التي تنشب بين الممالك اليمنية القديمة ليس لأجل الاستقلال ولكن كانت كل واحدة منها تسعى لتحقيق وحدة البلاد من خلال محاولة السيطرة على المناطق التي تحكمها الممالك الأخرى، وظل الأمر هكذا لعدة قرون، ولم يعرف اليمن تجزئته سياسيا إلى شمال وجنوب إلا على يد فاعلين أجانب، وتكريس ذلك الانقسام بواسطة أدوات محلية عميلة للخارج.
ورغم إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، إلا أنها ما زالت محور صراع متجدد في علاقات اليمن الداخلية والخارجية، وتحظى باهتمام الفواعل والقوى المؤثرة في أزمات اليمن المختلفة، التي يعمل بعضها على تكريس تجزئة البلد الواحد وتدمير الامتدادات الجغرافية الطبيعية والثقافية والديموغرافية بين اليمنيين، لاعتقادها أن الوحدة اليمنية تمثل تحديا وتهديدا لمصالحها أو دورها أو مكانتها الإقليمية، والمؤسف أن رغبات بعض الدول الأجنبية في تقسيم اليمن وتمزيقه تلقى ترحيبا من قِبَل شخصيات ومكونات محلية لأجل مصالح أو مكاسب خاصة، غير عابئة بمصلحة البلاد أو اعتبار تقديمها خدمات للخارج لأجل تمزيق البلاد بمنزلة عمالة وارتزاق وخيانة عظمى للوطن.
- الجذور الأولى لتمزيق اليمن
الزمان: 30 أكتوبر 1918 (نهاية الحرب العالمية الأولى).
المكان: القرب من ميناء مودروس الواقع في جزيرة ليمينوس اليونانية.
الحدث: توقيع معاهدة مودروس لإنهاء العمليات القتالية في الشرق الأوسط بين الدولة العثمانية والحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، ووقعها من الجانب العثماني وزير الشؤون البحرية رؤوف أورباي بك، ومن جانب الحلفاء الأميرال البريطاني سومرست آرثر غوف، على متن السفينة "إتش إم إس أغاممنون" في ميناء مودروس في جزيرة ليمينوس اليونانية.
وفي تلك المعاهدة، والتي توصف أيضا بـ"الهدنة"، استسلم العثمانيون في مواقعهم المتبقية خارج الأناضول، ومن الشروط التي أملتها بريطانيا على الدولة العثمانية: استسلام القوات العثمانية في الولايات العربية (اليمن، العراق، سوريا، الحجاز)، ومن هنا تبدأ الجذور الأولى لتقسيم اليمن إلى شمال وجنوب، وكان خطأ العثمانيين أنهم سلموا شمال اليمن للإمام يحيى حميد الدين، الذي أعلن "المملكة المتوكلية" في شمال البلاد وترك الجنوب للاحتلال البريطاني، بينما منعت بريطانيا اليمنيين في جنوب البلاد من إقامة أي شكل من أشكال الحكم بموازاة ظهور دولة في الشمال لتتكامل نشأة الدولة اليمنية الحديثة، وظلت على تجزئتها لجنوب اليمن إلى أشكال قبلية من الحكم تسمى "المحميات".
وهكذا كانت بداية تجسيد التقسيم الثنائي لليمن بعد قبول الدولة العثمانية التوقيع على اتفاقية مودروس عام 1918 تحت وطأة خسائرها في الحرب العالمية الأولى، وحرمت تلك الاتفاقية اليمنيين من التوحد في إطار دولة مستقلة ذات سيادة على كامل إقليمها وشعبها، كما أن تلك الاتفاقية أنهت الوجود العثماني في اليمن، وأسست مرحلة جديدة من الصراع بين دولة يمنية حديثة النشأة في الشمال يحكمها الإمام يحيى حميد الدين، ومحتل بريطاني في الجنوب، إلى جانب صراع بعض الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، الذين انقسموا في مواقفهم ودعمهم بين الطرفين المذكورين آنفا، ومن أبرز الفاعلين المحليين والأجانب حينها في الأزمة: المكون الإدريسي، والنظام السعودي، ومصر، وإيطاليا.
وقبل ذلك، كانت مدينة عدن بأهميتها الإستراتيجية قد خلقت صراعا بين القوى الكبرى (بريطانيا، والدولة العثمانية، وفرنسا، وإيطاليا، ومصر أثناء حكم محمد علي باشا) حسمت نتيجته بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 لمصلحة بريطانيا، والتي بدورها تمكنت من السيطرة على المدينة لمدة زمنية طويلة نتيجة لنجاح سياستها في استقطاب بعض الزعامات المحلية التقليدية، ومن أمثلة ذلك ما فعلته مع الزعيم المحلي لمنطقة لحج، السلطان محسن العبدلي، الذي أدى دورا مهما في مساعدة بريطانيا على السيطرة على مدينة عدن، مقابل حصوله على العطايا والمنح المالية التي لم تتجاوز سبعة آلاف دولار أمريكي، وهو ما يتكرر اليوم من خلال وجوه وشخصيات جديدة مشابهة للسلطان محسن العبدلي، والتي تؤدي دورا مهما في مساعدة دولة الإمارات والسعودية على السيطرة على مدن وجزر وموانئ ومطارات في جنوبي البلاد والعمل على تمزيق اليمن مقابل هبات مالية ووعود بالتمكين والحكم.
ولم تكن معاهدة مودروس، التي تأسست بموجبها الدولة اليمنية الحديثة في الشمال، الأولى والأخيرة مع المحتل البريطاني، فقد سبقتها اتفاقيتان الأولى عام 1904 والثانية عام 1914، لكن تبع تلك الاتفاقيات أخطر اتفاق لتكريس تجزئة اليمن ورسم الحدود بين شطريه، وهو الاتفاق الذي تم التوقيع عليه عام 1934 بين طرفي الحكم في اليمن: بريطانيا من جهة، والإمام يحيى حميد الدين مؤسس نظام الحكم السلالي الملكي في الشمال (1918-1962) من جهة أخرى.
وقد كرس ذلك الاتفاق التجزئة بين شطري اليمن، وشرعن الاحتلال البريطاني، ودمّر الامتدادات الطبيعية والديموغرافية والثقافية بين أبناء الشعب اليمني الواحد، وكان التوقيع على ذلك الاتفاق أكبر خطأ إستراتيجي ارتكبه نظام الحكم الإمامي السلالي، بعد خطئه الإستراتيجي المتمثل في التوقيع على اتفاقية الطائف، والتي بموجبها تنازل عن أراضٍ يمنية للسعودية، أي أن الإمامة كانت شريكا رئيسيا في تجزئة اليمن، وتنازلت عن أراض يمنية للسعودية وفتحت أطماعها للسيطرة على مزيد من الأراضي اليمنية في سنوات لاحقة.
ثم حدثت أخطاء أخرى أسهمت في استمرار تمزيق اليمن ربما كانت عفوية أو غير مقصودة، لكنها تمثل امتدادا للأخطاء السابقة، وتتمثل تلك الأخطاء في الإعلان عن دولة في الشمال بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 لم تشمل الشطر الجنوبي، ثم إعلان دولة أخرى في الجنوب بعد ثورة 14 أكتوبر 1963 تختلف عن الدولة في الشطر الشمالي من حيث نظام الحكم والأيديولوجيا ونمط العلاقات الدولية، لكن كانت الوحدة اليمنية حاضرة في أهداف الثورتين، وظل الشطران يعملان على إعادة تحقيقها رغم المعوقات والخلافات، حتى تم الإعلان عن إعادة تحقيق وحدة البلاد عام 1990.
- التدخلات الخارجية قبل وبعد قيام الوحدة
كانت السعودية من أبرز الدول المعترضة على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وبعد توحد اليمن عام 1990 كانت من أبرز الداعمين لإعادة اليمن إلى زمن التشطير، واللافت في هذا السياق أن السعودية كانت قبل الوحدة تدعم الشطر الشمالي من اليمن لمواجهة "الشيوعيين" في الجنوب، وبعد الوحدة كانت تدعم "الشيوعيين" في الجنوب ضد القوى الوحدوية بعد إعلانهم الانفصال واندلاع حرب صيف 1994 الأهلية، كما دعمت المحاولة الانفصالية حينذاك جميع دول الخليج باستثناء دولة قطر.
وإذا كانت الوحدة اليمنية قد تحققت بعد مسار تاريخي وسياسي شديد التعقيد والتأزم في علاقات اليمن الداخلية والخارجية، وتزامن تحقيقها مع مستجدات ومتغيرات سياسية شهدتها الساحتان الإقليمية والدولية، مثل بوادر تجدد الأزمة العراقية - الكويتية التي كان لها خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي ارتدادات على استقرار اليمن ووحدته، وأيضا انتهاء الحرب الباردة لمصلحة الولايات المتحدة بسقوط الحليف التقليدي لجنوب اليمن، الاتحاد السوفيتي، إلا أن الأزمة في علاقات اليمن الداخلية والخارجية ظلت قائمة منذ تحقيق الوحدة عام 1990 وحتى اليوم، والسبب في ذلك أن قوى إقليمية ترى في الوحدة اليمنية تحديا وتهديدا لدورها أو مكانتها أو مصالحها أو استقرارها، وهذا ما جعلها تستمر في أداء دور سلبي تجاه اليمن دولة وشعبا وتعمل على تمزيق البلاد.
وكان من أبرز تلك القوى السعودية ودولة الإمارات، وحاليا تسعى الدولتان إلى دعم مشروع انفصال جنوب اليمن وإنهاء الوحدة اليمنية تجنبا لنتائجها المحتملة عليهما، مثل نشوء دولة قوية في جنوب الجزيرة العربية لها مكانتها الإقليمية والدولية بفضل موقعها الإستراتيجي، وتقدم اليمن في اتجاه الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة مما قد يؤثر على وضعهما الداخلي، وإعادة الترسيم الحدودي الذي فرضته السعودية على اليمن عام 1934، والتوجه اليمني المحتمل نحو إقامة نظام حكم فيدرالي ديمقراطي مستقر ومغاير للأنظمة السائدة في الخليج العربي، وغير ذلك من المخاوف النابعة من عدم الثقة بالذات ومن أحقاد قديمة لم يمحها الزمن.



