تقارير

اللاسلم واللاحرب.. والوضع المربح للتحالف والمليشيات في اليمن

اللاسلم واللاحرب.. والوضع المربح للتحالف والمليشيات في اليمن
المصدر : خاص

مع اقتراب الأزمة اليمنية من دخول عامها التاسع، يبدو أن الأوضاع ستستمر على ما هي عليه الآن لسنوات عدة مقبلة، أي لا حرب حاسمة نتيجتها طرف مهزوم وآخر منتصر، ولا حل سياسي شامل تقبل به جميع الأطراف، فالحرب الحاسمة تقتضي تضحيات ستتبدد معها مكاسب بعض الأطراف وسيترتب عليها واقع جديد ليس مربحا لها، والحل السياسي يقتضي تقديم تنازلات من جميع الأطراف ليست مستعدة لتقديمها، وبالتالي فالأزمة بصيغتها الراهنة تمثل وضعا مربحا ومريحا للتحالف السعودي الإماراتي ولمختلف المليشيات والتشكيلات العسكرية غير النظامية في اليمن.

لقد انقضت ثماني سنوات منذ اندلاع عملية "عاصفة الحزم" دون أن يحقق أي طرف أهدافه كاملة، فلا مليشيا الحوثيين الانقلابية سيطرت على جميع المحافظات اليمنية ورسخت حكمها السلالي، ولا التحالف السعودي الإماراتي والسلطة اليمنية الشرعية استعادوا العاصمة صنعاء وأنهوا الانقلاب الحوثي، ولا المليشيات الانفصالية تمكنت من السيطرة على جميع المحافظات الجنوبية والشرقية وإعلان الانفصال، ولا نظام علي صالح لديه القابلية الكاملة لترميمه وتأهيله وإعادته لحكم البلاد، ولا يبدو أن أي طرف من الأطراف المذكورة لديه حاليا الاستعداد الكامل لتفجير الصراع وحسم الأمر لصالحه، باستثناء أن تتوحد مكونات الصف الجمهوري وتقود معركة استعادة الدولة بعيدا عن وصاية الرياض وأبوظبي.

- الوضع المربح بين كلفة السلام وخسائر الحرب

إن الحرب استنزاف فظيع للأموال والعتاد والبشر وجميع مقدرات الدول والشعوب، وهذا ما يتضح في حال جميع أطراف الصراع في اليمن، والتي وجدت في الحرب خسائر مادية وبشرية فظيعة لا تشجع أيا منها على المبادرة بإشعال معارك واسعة. ورغم تضاؤل فرص السلام والحل السياسي الشامل للأزمة، إلا أن المعارك العنيفة انحسرت في جميع الجبهات منذ سنة تقريبا، وفي السنوات السابقة كانت المعارك العنيفة محدودة باستثناء بداية الحرب عام 2015.

وخلال الأشهر الأخيرة اقتصر الأمر على هجمات متبادلة بين الجيش الوطني ومليشيا الحوثيين في بعض الجبهات، وهي مواجهات محدودة لا يترتب عليها نصر أو هزيمة، وتكون مليشيا الحوثيين عادة هي الطرف البادئ بها، ورأت فيها بديلا عن المعارك الكبيرة المعلنة خشية تكرار الانتكاسة التي منيت بها في معركتها التي هدفت منها للسيطرة على محافظة مأرب خلال العام 2021.

إذن يعد الوضع الحالي مربحا للتحالف السعودي الإماراتي ولمليشيا الحوثيين والمليشيات الانفصالية وغيرها من التشكيلات العسكرية غير النظامية، وفي المقابل فالخاسر الوحيد هو الشعب اليمني بمختلف فئاته ومكوناته، وتتمثل خسارته في غياب الدولة وغياب وظيفتها حيال مواطنيها، وغياب الأمن والاستقرار، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار الاقتصاد الوطني، وتدهور العملة المحلية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وتفشي الفقر والبطالة والمجاعة على نطاق واسع. وفي حين حمّلت مليشيا الحوثيين المواطنين في مناطق سيطرتها فاتورة الحرب كاملة، مضافا إليها فاتورة الثراء الشخصي لقياداتها، فإن السلطة الشرعية ما تزال عاجزة تماما عن تحقيق أي انفراجة في الأزمة المعيشية المتفاقمة.

وعلى وقع حراك سياسي ومحاولات إقليمية ودولية متعثرة لتحقيق السلام في اليمن أو تجديد الهدنة المنتهية في مطلع أكتوبر الماضي، تشهد بعض الجبهات في الداخل معارك محدودة شبه يومية تكون مليشيا الحوثيين هي الطرف البادئ بها. هذا الوضع السائد منذ مطلع أبريل 2022 وحتى اليوم، واستمر خلال الهدنة التي تم تمديدها 6 أشهر، لم يكن خيارا إجباريا لمختلف أطراف الصراع، وإنما يتعامل معه كل طرف من منظوره الخاص، وبالتالي فهو خيار مفضل للجميع، لأنه الأقل كلفة سياسيا وعسكريا وماديا، ويعكس الأهداف السياسية للفاعلين الأجانب في اليمن، وبنفس الوقت يمنح المليشيات والتشكيلات العسكرية غير النظامية فرصة لمراكمة مكاسبها.

وبعد أيام قليلة ستدخل الحرب في البلاد عامها التاسع، وخلال كل هذه السنوات لم تتغير خريطة السيطرة على الأرض، ولم تتزحزح خطوط التماس إلا في مساحات محدودة، ولعل الشيء الوحيد الذي تغير هو رأس السلطة الشرعية، وهذا التغيير لم يكن له أي تأثير على مجريات الصراع، لأن صانع قرار السلطة الشرعية في الرياض وأبوظبي لم يغير من سياساته، بينما مليشيا الحوثيين عاجزة عن حسم المعركة لمصلحتها، وبنفس الوقت فهي تدور في فلك المواقف والمناورات السياسية لإيران، وتكون تلك المواقف عرضة للتغيّر بحسب تحولات الصراع في الإقليم وأزمة إيران مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي.

- شبح انتهاء الوضع المربح

لا شك أن جميع الأطراف المحلية والأجنبية الفاعلة في الأزمة اليمنية تخشى انقضاء الوضع الحالي المربح وانتقال البلاد إلى مرحلة جديدة لا تضمن الأطراف الحالية فيها أي مكاسب، فالمليشيات المختلفة لا مكان لها في الوضع الطبيعي للدولة، وزعماء المليشيات والكانتونات يخشون من عودة الدولة ومن العدالة الانتقالية ومن المحاكمة الشعبية لهم عبر صناديق الاقتراع، والتحالف السعودي الإماراتي يرى في الوضع الحالي الخيار المفضل لإنهاك اليمن وإفقارها والسيطرة على مواردها وإصابتها بالشلل التام، لاسيما أن هناك شخصيات وقيادات تتعاطى مع الدور التخريبي للتحالف في البلاد بإيجابية أو الصمت، ويهمها مراكمة مكاسبها الخاصة حتى وإن كان ثمن ذلك ضياع الدولة اليمنية وتقطيع أوصالها وإنهاك الشعب اليمني فقرا وتجويعا.

هذا الوضع المربح لجميع المليشيات والتشكيلات العسكرية غير النظامية وللتحالف السعودي الإماراتي، سيجعل المستفيدين منه يحافظون على استمراره ولو إلى ما لا نهاية، فالتحالف السعودي الإماراتي حتى وإن كان يدعم انفصال جنوب اليمن بوضوح، ولا يريد حسم المعركة ضد مليشيا الحوثيين واستعادة العاصمة صنعاء، لكنه في نفس الوقت لا يريد قيام دولة انفصالية قوية في جنوب اليمن، ولا يريد أن تحسم مليشيا الحوثيين المعركة لمصلحتها تماما.

كما أنه، أي التحالف السعودي الإماراتي، لا يرغب في ترميم وهيكلة السلطة الشرعية لتكون قوية وتتمكن من استعادة الدولة، لأن الوضع بصيغته الراهنة يمثل الخيار الوحيد والمفضل والمربح للتحالف، لذا فهو يُسخّر كل قدراته للعمل على ديمومته، فالأهم بالنسبة له أن تظل الدولة اليمنية مفككة وممزقة وضعيفة، وهذا لن يتحقق إلا في العمل على ديمومة الصراع، والحيلولة دون الحسم العسكري ضد مليشيا الحوثيين أو الحل السياسي الذي يفضي إلى استقرار البلاد على وضع معين.

وكذلك مليشيا الحوثيين فهي ترى أن استمرار الوضع الحالي كما هو عليه مربح لها، فهو بالنسبة لها يعد أفضل من خوض معركة خاسرة، كما حصل خلال عام 2021 بخسرانها معركة مأرب، ولو أن لديها القدرات العسكرية الكافية للسيطرة على جميع المحافظات اليمنية لفعلت ذلك، بل فهي غير قادرة على حماية مكاسبها الميدانية في حال اندلعت ضدها معركة شاملة في جميع الجبهات، علما أن معظم المحافظات والمناطق التي تحكمها حاليا كانت سيطرتها عليها من دون قتال.

ولذا فالوضع الحالي يبدو مربحا للمليشيا الحوثية لأنها من جهة لن تخسر شيئا، ومن جهة ثانية ستظل تراكم مكاسبها وقوتها وتهريب السلاح من إيران وتطوير بعض ما بحوزتها من أسلحة، وستظل تهدد بالتصعيد العسكري ليس لأنها قادرة على ذلك، ولكن للتغطية على عجزها ومحاولة لجني مزيد من المكاسب والتنازلات من خصومها، ويزيد من شهيتها للحصول على مزيد من المكاسب انحناء السعودية أمامها وتقديمها عروضا مغرية لها، مثل صرف رواتب مقاتليها، وتخفيف الحصار عليها، وغير ذلك من التنازلات والعروض السخية، التي ستمكن المليشيا من مراكمة قوتها استعدادا لتفجير الصراع بشكل أعنف مستقبلا. 

ولا يختلف الحال بالنسبة للمليشيات الأخرى والتشكيلات العسكرية غير النظامية التي ترى أن الوضع الحالي مربح لها أفضل من استعادة الدولة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ستطوي نتائجها قادة المليشيات والتشكيلات العسكرية غير النظامية وستنهي الكانتونات التي زرعها التحالف السعودي الإماراتي في الجغرافيا اليمنية، لتكون مخالبه لتفتيت البلاد وإضعافها والسيطرة على جزرها وموانئها ومطاراتها ومدنها الحيوية ونهب ثرواتها. 

وهكذا يتضح أن الأطراف المحلية والأجنبية ترى أن غياب الدولة واستمرار خيار اللاحرب واللاسلم هو الوضع المربح والمريح لها وتعمل للحفاظ عليه ولو إلى ما لا نهاية، والشعب اليمني هو الخاسر الوحيد جراء تغييب الدولة والافتقار لقيادات وطنية قوية وشجاعة تشكل حركة تحرر وطني وتقود الشعب لتضع حدا للعبث الدائر في البلاد واستعادة الدولة. 

عبدالسلام قائد
تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.