تقارير
المجلس الرئاسي.. ارتهان كامل ومستقبل مجهول
تحوّلت محافظة شبوة، بعد سنوات من الاستقرار إلى بؤرة صراع، وساحة حرب، جراء اقتحامها من قِبل قوات موالية لدولة الإمارات، فأينما حلّت أبو ظبي حلّت الفوضى والاغتيالات والاقتتال الأهلي.
لم تقسّم أبو ظبي الشارع الشبواني فحسب، بل قسّمت حتى الشارع اليمني والحقل السياسي، حيث أصدر حزب الإصلاح بيانا أدان فيه ما حدث في شبوة، وطالب بإقالة محافظها "عوض العولقي"، وإحالته إلى التحقيق، فيما أصدر الحزب الاشتراكي والناصري بيانات تؤيّد فيه اقتحام القوات الموالية للإمارات لمحافظة شبوة.
تشهد الحياة السياسية في اليمن انقساما حادا وضعفا في القرار الوطني، وصل حد تشظّي المجلس الرئاسي، وتنافر مكوّناته وأعضائه، وانعكس ذلك في الموقف الرديء الذي قابل به المجلس الرئاسي انتهاك السيادة، واعتداء طائرات التحالف على القوات الحكومية في شبوة، فإلى متى يستمر هذا الصمت؟ وهل مشروع التقسيم، الذي تتبناه أبو ظبي والرياض، ماضٍ في اتجاه حضرموت ومأرب؟
- غطاء لتصفية الدولة
في هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحديدة، الدكتور فيصل الحذيفي: "إن الهدنة ليست سوى هدنة سياسية بين السعودية وإيران وهدنة عسكرية بين السعودية والحوثيين، أما نحن كيمنيين نجد هناك قصفا من دول التحالف لكل من به ذرة وطنية أو انتماء للدولة والهوية اليمنية".
وأضاف لبرنامج المساء اليمني، الذي بثته قناة بلقيس مساء أمس : "الهدنة بالنسبة لليمنيين كذبة، فيما تدخل التحالف من أجل اليمن أكذوبة كبرى".
وأوضح أنه "يفترض أن تشمل الهدنة الجميع، والأصل أن يستفيد الشعب اليمني منها أكثر من الحوثيين الذين يستعرضون قواتهم العسكرية في صنعاء جهارا نهارا"، مشيرا إلى أن هذه الدول لن تجْرؤُ على قصفهم، لأنها ستتعرض للقصف المضاد، ولن تكن قادرة على صده أو تفاديه".
ولفت إلى أن "المجلس الرئاسي كسلفه الرئيس هادي، مع الفرق أن هادي كان له بصيص من الشرعية، وهذا المجلس فاقد للشرعية"، مؤكدا أن كلاهما يمثلان أطرافا خارجية لتنفيذ أجندات تخصها في اليمن.
وتابع "اليوم لم نعد نجادل أي مواطن بسيط على ظاهرة تصفية الدولة اليمنية، وإعادة رسم ملامح خريطة سياسية جديدة في المستقبل، وسنصل إليها إذا لم يكن هناك تحرك شعبي وسياسي حقيقي لمجابهة هذه المؤامرة".
وبيّن أن "هناك استهدافا للتيار الوطني من الأفراد لقتلهم بشكل مباشر، وكذلك استهداف للمؤسسات بما فيها الجيش والأمن المحسوبة على الدولة اليمنية، وتكثيف الدعم للمكوّنات المليشياوية، التي سعت الإمارات والسعودية إلى تشكيلها وتكوينها، ودعمها بالمال والسلاح، الذي بإمكانها سحبه في أي وقت تريد، فهي بمأمن من الانحياز للولاء الزطني".
ولفت إلى أن "كل هذا الدعم لم تقدّمه للجيش اليمني الوطني بل أنها وضعت الفيتو، ومنعت الكثير من المحاولات لاستيراد السلاح لهذا الجيش من الموازنة اليمنية".
واختصر حديثه بقوله: "نحن أمام فهمين، الأول: هدنة سياسية وعسكرية تخص الخارج، فيما الآخر: سلطة شرعية لا تمثل الشعب اليمني، ولا تدافع عن حقوقه ومصالحه، وإنما مجرد قفاز وغطاء لتصفية الدولة والتيار الوطني، وإعادة المجتمع اليمني إلى ما قبل الدولة".
وقال: "لا نستغرب إذا ما أحيت النعرات القبلية والجهوية والقروية، وضاع مفهوم الهوية السياسية للدولة اليمنية، واضمحلت الشخصية القانونية كما هو حال الصومال".
وأضاف: "هناك وعي شديد لدى المواطن وهناك فرز كبير بين الجهات الموالية والمرتهنة للخارج، وينظر لها بريبة واحتقار، وكذلك سلطة لم يعد يعترف بها أحد".
وفي تعليقه عن استمرار استهداف القوات الحكومية، يرى الحذيفي أن "ما يجري من استمرار للقصف واستهداف للقوات العسكرية والأمنية التي لا توالي الإمارات والسعودية ومحسوبة على الدولة اليمنية، خلفها هدف واضح لم يعد خافيا"، مشيرا إلى أن "هناك إرادة واضحة بأن يتم تصفية المنطقة العسكرية الأولى التي فيها خليط من القيادات والأفراد المنتمين لجميع الجسد اليمني".
وبيّن أن "السعودية والإمارات لا ترغبان ببقاء هذا الجسد اليمني المكون عسكريا في هذه المنطقة، تريد أن تعمل عملية فصل نهائي، وتهيئ لمسألة الانفصال بشكل كأنه دَين عليها".
ولفت إلى أن "السعودية والإمارات لم تكونا راضيتين عن الوحدة، فعندما اندلعت حرب 94 دعمت الانفصال بشكل علني، وعندما هزم مشروع الانفصال كأنها كانت هزيمة لها، وبالتالي اليوم تثأر لنفسها".
وأضاف: "أيضا عندما قامت ثورة سبتمبر 1962 كانت هزيمة للسعودية أن تحدث ثورة ونظام جمهوري في خاصرتها، وبالتالي دعمت المشروع الإمامي لإسقاط الجمهورية، واستمرت الحرب 8 سنوات، لكنها فشلت بسبب وجود دعم مصر بعهد جمال عبدالناصر للثوار والجمهورية".
ويرى أن "السعودية معها ثأر مع الجمهورية اليمنية، لذا تسعى اليوم لتهيئة الانفصال من جهة، ولتصفية الهوية السياسية للجمهورية اليمنية وإعادة رسم ملامحها إلى دويلات من جهة أخرى".
- سُوء إدارة
في هذا السياق، يقول الخبير العسكري، محمد الكميم: "لا أظن بأن طيران التحالف العربي، يعمل في الأجواء حاليا، وإنما هناك طيران مسيّر ضمن التكوينات العضوية للوحدات العسكرية المقاتلة في شبوة للعمالقة وللتكوينات بشكل عام".
وأشار إلى أن "هناك صراعا مسلحا بين اليمنيين، وصراعا آخر ما بين التشكيلات القتالية التي كانت تتصارع ما قبل 7 أبريل، وأن هناك خلافات موجودة انعكست في الفترة الأخيرة بسبب سُوء إدارة محافظ شبوة للوضع، وتعامله المتهور مع المشكلة"، مؤكدا أن "المحافظ هو من يتحمل المسؤولية الكاملة فيما جرى".
وعبّر عن اتفاقه مع أن موضوع شبوة، تم التعامل معه برعونة شديدة وتهور من قِبل المحافظ ومن قِبل وزير الداخلية لعدم تدخله بشكل مباشر، إضافة إلى عدم تدخل اللجنة العسكرية والأمنية المعنية بإنهاء الاقتتال الداخلي، مؤكدا أن "ذلك من أهم مهامها الرئيسية".
وقال: "هناك لجنة أمنية وعسكرية، وهناك وزير دفاع ووزير داخلية، ولدينا مجلس قيادة رئاسي، وهم الآن أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لإنهاء ما خلّفته تلك المشكلات في شبوة".
وأوضح أن "جحدل ولعكب هما من أبناء شبوة، ومن القيادات العسكرية والأمنية التي قاتلت في شبوة مليشيا الحوثي، ولها رصيد وطني محترم، ووصول الخلافات إلى هذه المرحلة كان خيارا خاطئا".
وأضاف: "محافظ شبوة ارتكب خطأ كبيرا في إصدار الأمر القتالي لإنهاء المشكلة مع أن هناك قرارات حدث فيها ممانعة، واستمرت لأيام، وتم التعامل معها بشكل ودي وحلها"، متسائلا: "لماذا قرارات المجلس بشأن شبوة أصروا على تنفيذها عسكريا خلال 24 ساعة؟ وكأن هناك فصائل مسلحة وجدت الفرصة للانقباض على فصائل أخرى".
ولفت إلى أن "السعودية والإمارات ليس من مصلحتهما أن تسلم شمال اليمن للحوثي، ويظل شوكة في خاصرتها".
وزاد: "بالنسبة لموضوع الانفصال ليس بيد الانتقالي فمازالت هناك أصوات في الجنوب مع الوحدة، ومازالت هناك أصوات في الجنوب مثل في محافظة حضرموت تقول في حال كان هناك انفصال نحن نريد دولة منفصلة عن الشمال والجنوب، وبالتالي موضوع الانفصال ليس كما يتصوّره البعض بهذه السهولة".
- بيانات مخيبة
في هذا السياق، يعلق الدكتور الحذيفي على بيان المجلس الرئاسي الأخير قائلا: "بيان المجلس يقول إنه لن يسمح باستهداف أو الإساءة للسعودية والإمارات!"، مضيفا: "لكنه يسمح بقتل واستهداف اليمنيين وانتهاك سيادة اليمن ويسمح بإيداع الإيرادات اليمنية في البنك الأهلي السعودي، ويسمح بحصار اليمن"، متسائلًا: "هل هؤلاء يمثلون الشعب اليمني؟".
وفي قراءته لبيان حزب الإصلاح، وصف البيان بأنه كان خجولا، ويرى أن "الإصلاح أراد -من خلاله- قياس نبض الأحزاب السياسية إلى أي مدى ممكن أن تتحرك في هذه المسألة"، مشيرا إلى "أنه لم يتجرأ بالذهاب بعيدا ووقع بنفس الفخ الذي وقع فيه المجلس الرئاسي في تقديم الشكر للسعودية".
وقال: "الأحزاب السياسية والسلطة الفاقدة للمشروعية يتحدثون عن الأخوّة السعودية الإماراتية في اليمن، ويبذلون جهدا في شتم وتحقير المشروع الإيران، مع أن المفاضلة بين جريمتين من نفس النوع، والقبح يعتبر غير منطقي".
وأضاف: "المشروع الإيراني أو السعودي الإماراتي كلاهما دخيلين على المجتمع اليمني وعدائيين لليمن"، متسائلا: "ما الفرق بين القتل الإيراني في اليمن والقتل السعودي أو الإماراتي في اليمن؟".
-مستقبل المجلس الرئاسي
من جهته، يقول الصحفي أحمد عايض إن "شعبية المجلس الرئاسي انهارت كثيرا بعد تفاؤل كبير، لذلك هو في أول امتحان حقيقي في الميدان"، مشيرا إلى أن "الكثير من الأوراق السياسية التي قدّمها المجلس الرئاسي، انكشفت بل أن البيان الأخير تسبب بخلافات كبيرة داخل المجلس ورفض الكثير التوقيع عليه".
وأفاد بأن "المعلومات الأخيرة التي لديه بأن هناك محاولات من قِبل المجلس الرئاسي للملمة بعض الأخطاء التي حصلت، وهناك اجتماع بالقصر الجمهوري في سيئون للقيادات الأمنية والعسكرية بمحافظة شبوة، وفي مقدمتهم العميد عبدربه لعكب وغيره مجتمعون بوزيري الدفاع والداخلية، وأن هناك الكثير من الأوراق الهامة التي هي على طاولة الحوار بين الطرفين".
وأوضح أن "هناك مؤشرين لكي نستطيع أن نحكم من خلالهما على مستقبل المجلس الرئاسي، إما أن اليمن قادما على كارثة أو أن هناك مبشرات إيجابية".
وأضاف: "المؤشر الأول: نتائج الاجتماع الحاصل في سيئون التي ستصدر خلال الأيام القادمة، فيما المؤشر الآخر: نتائج التحقيق التي سيعلن عنها وزير الدفاع، حول ما أصر عليه محافظ شبوة بأنه كان هناك تمرد من قِبل مدير الأمن وقائد محور عتق، والذي أصدر على ضوئه المجلس الرئاسي بأن هناك تمردا، ويرى عايض بأن كلمة وزير الدفاع يوم أمس نسفت هذه المعطيات التي بنى عليها المحافظ لاستخدام القوة المفرطة".



