تقارير
المرشدي.. جندي جريح يتطلع لإكمال دراسته الجامعية!

قناة بلقيس - هشام سرحان
انخراط عزام أحمد المرشدي (24 عاماً) في صفوف الجيش الوطني بتعز، منذ العام 2015، لم يجعله ينسى حظّه من التعليم الجامعي، ويوزّع أوقاته بين مقعده الدراسي في الجامعة والمذاكرة في المنزل والقتال في المواقع الأمامية، التي تعرّض فيها قبل شهرين ونصف -تقريباً- لإصابات متعددة وبليغة.
يستعيد اليوم عافيته ببطء، ويصعب عليه الوقوف على قدميه، لكن إصراره الكبير على تحقيق حلمه المتواضع وإكمال تعليمه الجامعي يدفعه إلى مغادرة فراشه ولملمة جسده المُجهد، محاولاً الوقوف على قدميه، فيتكئ على عكازتين، ويستعين بهما للوصول إلى قاعات الدراسة في الجامعة.
يتسلّح بالأمل، والإرادة، والعزيمة في محاولته للتغلّب على جراحه البليغة، وآلامه الشديدة، واليأس الذي انتاب قلوب المحيطين به، والأطباء الذين أجروا له عددا من العمليات الجراحية، وتوقعوا فشلها في إنقاذ هذا الجندي الشاب، كما استبعدوا تماثله للشفاء من إصاباته المتعددة والخطرة.
إيمانه بواجبه تجاه مدينته، ووطنه، وفلسفته في الحياة والسياسة دفعته -في فتوته- إلى قلب المواجهات العسكرية، وذلك فور تخرّجه من مرحلة الثانوية العامة، الذي تزامن مع حدوث الانقلاب الحوثي على السلطة الشرعية، واجتياح مختلف المحافظات بمن فيها تعز.
المئات من الشباب، في تعز وغيرها، التحقوا بصفوف المقاتلين، وسقط الكثيرون منهم بين قتيل وجريح، في حرب طال أمدها، وتفاقمت خسائرها وضحاياها، خصوصاً في أوساط الشباب.
* من المدرسة إلى المعركة
لم يأخذ المرشدي بعد إكماله الثانوية العامة استراحة طالب، ولم ينعم بعطلة صيفية هانئة، فبين المدرسة والمعركة أيام معدودات، اضطر بعدها إلى حمل سلاح لم يبارح كتفه، خلال ست سنوات من عمر الحرب والمواجهات، في مدينة تنقّل بين مختلف جبهاتها، ورابط في عدد من المواقع، معظم الليالي، وواجه الخوف، وجحيم الاشتباكات، وتقلّبات الفصول، والتغيّرات المناخية، بما فيها برد الشتاء.
يقول عزام المرشدي لموقع 'بلقيس': "شاءت الأقدار أن نحمل السلاح، وندافع عن مدينتنا، وثقافتنا، وحريّتنا، ونظامنا الجمهوري، وحقوقنا المكفولة في الدستور والقانون".
ويضيف "اندفعت للمشاركة في المقاومة الشعبية بقناعة كبيرة، منذ الأيام الأولى، لإدراكي مدى خطورة هذه الجماعة السلالية، وتاريخها المليء بالظلام، والجهل، والاستعباد، والقهر، والاضطهاد، والإذلال، والانتقام".
متابعته لمجريات الأحداث في مناطق 'دماج' و'عمران' وغيرها، إلى جانب الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا، ولّدت لديه قناعة تامة للمشاركة في مقاومة هذا الخصم، والقتال في أغلب الجبهات والمواقع، حسب المرشدي الذي لفت إلى حكايات صنعتها الأيام الصعبة، والتضاريس الوعرة، والإمكانيات الشحيحة، ومجريات المعارك، وتعدد المخاطر، والمشاهد المرعبة، التي تجاوزها مع الكثيرين من رفاقه، وأضحت بالنسبة لهم ذكريات لا تُنسى.
أشغلته الحرب عن مواصلة التعليم الجامعي، ومرت ثلاث سنوات على تخرّجه من الثانوية العامة، دون أن يلتحق بالجامعة، لكنه بحلول العام الدراسي 2017-2018 فعل ذلك، وانضم إلى قسم "التاريخ والعلوم السياسية" في كلية "الآداب" بجامعة "تعز"، ودرس فيه حتى وصل اليوم إلى المستوى الدراسي الثالث.
* قلم وبندقّية
تتفاوت حياته بين "قلم" و"بندقية"، إذ يدرس صباحاً في الجامعة ويعود منها في الظهيرة إلى المنزل، فيتناول وجبة الغذاء، ويذاكر حتى قبل المغرب، وبعدها يحمل بندقيّته وجُعبته، ويتّجه إلى مواقع القتال. ويذكر: "لست مرتبطاً بموقع معيّن، أناوب أحياناً في أحد المكاتب، وأمضي معظم الليالي مع رفاق دربي في الجبهات".
يتفوّق في دراسته، محرزاً علامات يصفها بالجيدة، مضيفاً "لديّ ارتباطات بأعمال كثيرة، بعضها واجبة عليّ، وأخرى أبادر إلى القيام بها من تلقاء نفسي، لعدم توفّر من يقوم بها".
استمرت حياته على هذا المنوال حتى 25 ديسمبر من العام 2020، وتعرّض حينها لإصابات متفرّقة في الظَّهر والرجلين واليد اليمنى، وذلك بشظايا قذيفة 'هاون'، سقطت على مقربة منه ومن زملائه، أثناء هجومهم على مواقع الحوثيين في جبهة 'الأربعين'، شمالي تعز.
كانت الإصابة بليغة، وبعثت اليأس لدى الكثيرين من الأهل والزملاء، والكوادر الطبية، التي استقبلت الحالة، وتباينت توقعاتها بين الإعاقة أو طول مدة العلاج، وهو ما يشير إليه المرشدي.. مضيفاً "عانيت من الإصابة، وزيادة الجروح، وآثار الشظايا المتفرّقة على معظم جسدي، وخضعت لأكثر من خمس عمليات جراحية، شعرت بعدها بتعافٍ نسبي، وقُدرة بسيطة على الحركة".
لم يفقد الأمل في الشفاء، والعودة إلى سابق عهده، كما لم تغادره آماله وتطلعاته لإكمال دراسته الجامعية، ومواصلة القتال في الجبهات،
لاعتقاده بأن القتال واجب على كل شخص، قادر على حمل السلاح، للدفاع عن الأرض، والإنسان، والنظام الجمهوري، كما يقول.
يتأهّب للعودة إلى القتال، ويبدي استعداداً كبيراً لذلك، مؤكداً أن المعركة ضد مليشيا الحوثي معركة الجميع، وتتطلّب تكاتفاً واصطفافاً جماعياً، ما لم ستكون عواقب التخاذل وخيمة على مختلف الأجيال، ومستقبل البلاد.



