تقارير
المليشيات التابعة لإيران.. من الفوضى إلى البحث عن شرعية سياسية

ألقت المتغيرات الإقليمية بظلالها على المليشيات الطائفية التابعة لإيران في المنطقة، فبعد أن كانت هذه المليشيات تنشط في ساحات المعارك، مدفوعة بغرور القوة والدعم الإيراني السخي والتراخي الإقليمي في مواجهتها، وغير مبالية بالمؤسسات الرسمية في الدول التي تنشط فيها، أصبحت هذه المليشيات، وتحديدا الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، تسعى للعمل تحت مؤسسات الدولة، أو محاولة اكتساب طابع قانوني أو مؤسساتي، يجنبها المزيد من الخسائر، جراء ما تتعرض له من ضغوط سياسية وعسكرية.
فمليشيات الحشد الشعبي في العراق والأحزاب المتحالفة معها، تقدمت بمشروع قانون جديد يهدف إلى تعزيز الطابع المؤسسي لوجود "الحشد" العسكري والسياسي في بغداد، وتكريس مكانتها كذراع دائمة للدولة، وإضفاء الطابع الرسمي على هيكلها، وجعلها هيكلا عسكريا موازيا ومستقلا عن القوات المسلحة النظامية، مع خضوع نظري لرئيس الوزراء، علما بأن الإطار السياسي الداعم للقانون هو الإطار التنسيقي الموالي لإيران، الذي يعد الجناح السياسي لمليشيات الحشد الشعبي.
أما حزب الله اللبناني، فهو يرفض تسليم سلاحه بشكل كامل للدولة، لكنه يطرح فكرة "الإستراتيجية الدفاعية الوطنية"، بحيث يصبح سلاحه جزءا من منظومة الدفاع اللبنانية، بدل أن يكون قوة منفصلة تماما، والاكتفاء بإطار سياسي وخطابي يبرر بقاء سلاحه ويحاول ربطه بمفهوم الدفاع الوطني، بدلا من تسليمه للجيش الرسمي للدولة اللبنانية.
أما مليشيا الحوثيين في اليمن فتتمتع بوضع خاص يميزها عن غيرها من المليشيات التابعة لإيران، فهي تقدم نفسها للإقليم والعالم بأنها هي الممثلة للدولة في اليمن رغم عدم الاعتراف الدولي بها، وتتحدث في خطابها الموجه إلى الخارج باسم اليمن، وما زالت إلى الآن متحررة من الضغوط السياسية والعسكرية التي تواجهها بقية أذرع إيران في الإقليم، ومع ذلك فالمستقبل مفتوح أمام كل الاحتمالات.
- إعادة تموضع
تواجه مليشيات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان ضغوطا عدة بحصر السلاح في يد الدولة، وفي المقابل تحاول تلك المليشيات العمل على إعادة التموضع المؤسسي للتحايل على تلك الضغوط، فإعادة التموضع المؤسسي يعد حراكا ذكيا مع واقع متغير يصعب تجاهله، وسط مشهد إقليمي يتغير، ويدرك حلفاء إيران أن البقاء يتطلب تغييرات شبه جذرية، دون التنازل عن الجوهر.
وفي حال نجاح مساعي إعادة التموضع، فإن هذا النهج سيمنح المحور الإيراني، على المدى القصير، قدرة أفضل على التعايش مع الضغوط، وتعزيز نفوذه الخفي داخل المؤسسات. وأما في الأمد البعيد، فقد يؤدي إلى اندماج أعمق في هياكل الدولة، مع الحفاظ على قواعد قوة موازية تتيح لهم المناورة والسيطرة في الوقت ذاته.
يسعى حلفاء إيران لإعادة التموضع لإدراكهم بأن المواجهة المباشرة بالسلاح وحدها لم تعد تكفي، ولم يعد بالإمكان الاعتماد فقط على القوة العسكرية كوسيلة للمواجهة أو الضغط، خصوصا في ظل تغير المزاج السياسي والضغوط الدولية المتصاعدة، ولذلك اختار حلفاء إيران مسارا تكتيكيا أكثر دهاء، يتمثل في التسلل إلى المشهد عبر بوابات المؤسسات الرسمية، مما يمنحهم أكثر مرونة للتحرك والتمرد.
لا يعكس هذا التحول تراجعا عن النفوذ أو التخلي عن المشروع، وإنما هو إعادة صياغة ذكية للموقف، تهدف إلى امتصاص الخسائر العسكرية والصدمات السياسية، والانحناء أمام العواصف التي تجتاح المنطقة، بما يتيح للمحور الإيراني النهوض من جديد حين تستقر الأوضاع، فالسلاح لا يزال موجودا في الظل، بينما الواجهة أصبحت سياسية واجتماعية ومؤسسية.
- السعودية وسلاح حزب الله
في لبنان، قررت الحكومة تكليف الجيش بخطة لنزع السلاح من خارج مؤسسات الدولة قبل نهاية العام الجاري، أي سلاح حزب الله، في خطوة هي الأولى منذ اتفاق الطائف، وكان ذلك القرار نتيجة ضغوط دولية وعربية، خصوصا من جانب واشنطن والرياض، متزامنا مع عرض يتضمن انسحابا إسرائيليا من بعض المناطق، بعد تحرك سعودي مباشر لحث حلفاء حزب الله على دعم الخطة. وفي المقابل، أبدى حزب الله استعداده للحوار حول "إستراتيجية دفاع وطنية" حسب وصفه، في محاولة لإبقاء النقاش ضمن سقف الدولة وعدم التصعيد، رغم تصريحات بعض قيادات الحزب الرافضة لخطة تسليم السلاح للدولة.
اللافت في الأمر هو الدور السعودي الضاغط لحصر السلاح في يد الدولة في لبنان، بينما في اليمن يراكم الحوثيون ترسانتهم العسكرية أمام مرأى ومسمع السعودية، ويهددون بقصفها من حين لآخر، بينما حزب الله اللبناني لم يسبق له أن هدد السعودية أو شكل خطرا على أمنها، لكنها أدت دورا محوريا في الدفع نحو قرار حصر السلاح بيد الدولة هناك، إذ تحركت بشكل مباشر عبر المبعوث الخاص الأمير يزيد بن فرحان الذي التقى شخصيات تعد حليفة أو قريبة من حزب الله، مثل جبران باسيل، وسليمان فرنجية، وغيرهم، لإبداء مواقف علنية تؤيد تسليم السلاح للدولة ودعم القرار الحكومي.
وقد نجحت تلك الضغوط الدبلوماسية في خلق أرضية سياسية داخلية غير مسبوقة، إذ بدأت بالفعل تصريحات من بعض هؤلاء القادة تعكس هذا التوجه، خصوصا أن الدور السعودي لم يقتصر على الاتصالات، وإنما ارتكز على ضمانات بأن الحل لن يكون على شكل مواجهة أو إقصاء، وإنما ضمن صيغة وطنية تحفظ التوازنات الداخلية، كما أظهرت الرياض نفسها كضامن للاستقرار، وتسعى لجمع الأطراف اللبنانية تحت مظلة حل وطني جامع، وتحدثت مصادر عن ربط الدعم السعودي والأمريكي للبنان بضبط سلاح حزب الله.
ورغم أن حزب الله يرفض بشدة تسليم سلاحه للدولة، لكنه يبدي نوعا من المرونة في هذا الملف، كون التطورات الإقليمية لم تعد في صالحه، فضلا عن الضربات المؤلمة التي تلقاها من الكيان الإسرائيلي، وكذلك الضربات التي تلقتها إيران من الولايات المتحدة وإسرائيل، وسقوط نظام بشار الأسد، فهذه التحولات أضعفت البيئة التقليدية التي كان الحزب يتحرك في ظلها، وبالتالي ليس أمامه سوى الانحناء للعاصفة وتقديم التنازلات.
ولتجنب خسارة كل شيء دفعة واحدة، ورغم أن الحزب يرفض تسليم سلاحه للدولة، لكن في ظل الضغوط الدولية والإقليمية، بدأ يطرح نفسه كمكون وطني يمكنه التعايش مع الدولة من خلال فكرة الإستراتيجية الدفاعية الوطنية، بحيث يصبح سلاحه "جزءا من منظومة الدفاع اللبنانية" بدلا من أن يكون قوة منفصلة تماما.
أي أنه يبحث عن غطاء شرعي سياسي داخل الدولة لتحويل نفسه إلى مؤسسة عسكرية رسمية لكنه يحتفظ باستقلالها العسكري، ويظل تحقيق ذلك مرهونا بمواقف القوى الإقليمية والدولية وأيضا الأطراف اللبنانية التي تؤيد مشروع تسليم سلاح الحزب للدولة.
- الحشد الشعبي.. حرس ثوري عراقي؟
يشهد العراق حراكا سياسيا وتشريعيا يهدف إلى تحويل مليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران من كيان طارئ إلى مؤسسة عسكرية راسخة في الدولة، بصلاحيات وامتيازات خاصة، لتكون شبيهة بقوات الحرس الثوري الإيراني، ويتجسد هذا التوجه في مشروع قانون جديد قدمته تلك المليشيات وحلفاؤها في البرلمان، يهدف إلى ترسيخ مكانة الحشد كذراع دائمة للدولة.
ويمنح القانون المقترح مليشيات الحشد الشعبي هيكلا رسميا متكاملا، يشمل تحديد مواقع الوحدات، ومسؤولياتها، ومزايا أفرادها، كما يتضمن إنشاء أكاديمية عسكرية مستقلة خاصة بها، ومنح قائد الحشد منصب وزير وعضوية في اللجنة الوزارية للأمن الوطني، مما يرفع مكانته داخل هرم السلطة الأمنية. وبهذا تصبح مليشيات الحشد الشعبي كيانا عسكريا موازيا للقوات النظامية، خاضعا شكليا لرئيس الوزراء على غرار وزارتي الدفاع والداخلية، لكنه يتمتع باستقلال فعلي في قراراته الميدانية.
لكن هذا المشروع يواجه اعتراضات قوية، أبرزها من الولايات المتحدة التي ترى أن دمج الحشد الشعبي في مؤسسات الدولة سيؤدي إلى "شرعنة النفوذ الإيراني والجماعات المسلحة" ويقوض سيادة العراق، وأدى الموقف الأمريكي إلى تأجيل التصويت على القانون إلى البرلمان المقبل، وسط ضغوط دولية بمصادرة سلاح مليشيات الحشد الشعبي أو تقليص نفوذها.
وهكذا تجد مليشيات الحشد الشعبي نفسها وهي تسير على خيط رفيع بين طموح المؤسسة الرسمية، والرغبة في الحفاظ على استقلاليتها الميدانية، وبين ضغوط داخلية وخارجية تسعى لتقييد سلاحها أو إخضاعه بالكامل لسلطة الدولة، وهو ما يجعل مستقبل تلك المليشيات السياسي والعسكري أحد أكثر الملفات حساسية في العراق اليوم.
- إشكالية الحوثيين الخاصة
لقد دفعت المتغيرات الإقليمية المليشيات الطائفية التابعة لإيران إلى تحصين وجودها عبر الأبواب الرسمية لا عبر السلاح فقط، فمليشيا الحشد الشعبي في العراق تسعى إلى تأطير نفسها كمكون رسمي ضمن الدولة، مع استقلال فعلي ميداني، كما أن حزب الله اللبناني، رغم رفضه تسليم سلاحه، يعرض ضمنيا الانخراط في "إستراتيجية دفاعية وطنية" تضفي شرعية سياسية على وجوده، بينما يُبقي على سلطة فعلية موزاية.
أما مليشيا الحوثيين في اليمن، فإنها تتمتع بوضع خاص، فهي لا تسعى إلى مهادنة أو تقنين وجودها كقوة مستقلة داخل الدولة، لأنها سلطة أمر واقع وتحكم مساحة كبيرة في شمال اليمن تتميز بكثافتها السكانية ونشاطها التجاري والزراعي، كما أنها تتحكم بمقدرات الدولة في مناطق سيطرتها، ولذلك فهي لا تشبه نظيراتها كالحشد الشعبي وحزب الله، الذين يسعون للاندماج المؤسسي تحت مظلة الدولة.
إن تواطؤ السعودية والإمارات مع الحوثيين، وتجنب حسم المعركة ضدهم، وتقييدهما للمكونات اليمنية الرافضة لهم، أسهم بشكل مباشر في ترسيخ سلطتهم وتحويلهم إلى سلطة أمر واقع، بخلاف بقية المليشيات التابعة لإيران التي تجد نفسها اليوم مضطرة للبحث عن شرعية سياسية أو إطار مؤسسي يضمن بقاءها في ظل الضغوط المتزايدة التي تهدد وجودها.
وقد وفر هذا الموقف لمليشيا الحوثيين فرصة استثنائية للبقاء خارج دائرة الضغوط الإقليمية والدولية التي طالت نظيراتها في العراق ولبنان، مما جعلها الكيان الأكثر تحررا وقدرة على المناورة في المشهد الإقليمي الراهن.



