تقارير
المهمشون في اليمن .. أعمال ثانوية شاقة وحقوق ضائعة

باكرا في ساعات النهار الأولى يتخذ علي فتيني من سوق بانافع الكائن في مديرية البريقة - غرب عدن مكانا لعمله اليومي في مهنة خرز ومسح الأحذية من أجل كسب قوته اليومي..
اضطر فتيني كغيره من المهمشين إلى التشبث بهذه المهنة كطوق نجاة من البطالة، وتردي الحالة المعيشية، فهو متقاعد في وزارة الزراعة براتب لا يتعدى 25 دولارا، الأمر الذي فرض عليه البحث عن مصدر عيش يساعده في تلبية احتياجاته..
يقول فتيني لموقع "بلقيس" إنه يعمل خلال ساعات الصباح، فيما يعاونه نجله في فترة ما بعد الظهيرة في مكانه أمام سوق بانافع - وسط البريقة في مهنة تكسبه بعضا من المال، ولو كان شحيحا، لكنه أفضل من سؤال الناس والتسول..
ويوضح فتيني أن مهنة خرز الأحذية عمل شاق يتطلب جهدا وتركيزا في وقت لا يجد العامل فيها تقديرا أو عائدا ماديا يقيه صعوبة العيش المتصاعد يوما بعد آخر من قِبل الزبائن، الذين يستكثرون حتى الألف الريال على العامل في هذه المهنة، إلا ما ندر من الزبائن.
وتابع: "المهمش العامل في مهنة خرز الأحذية يعتمد على تلك الخيوط، وخرزها من أجل الحصول على لقمة عيش لأسرته، وهي تكاد في اليوم أحيانا توفر مصاريف يومية، وفي بعض الأيام لا يجد العامل فيها ما يسد رمق يومه؛ كون مهنة خرز الأحذية ليست عملا متوفرا، وإنما بين الحين والاخر".
يؤكد نعمان الحذيفي - رئيس الاتحاد الوطني للمهمشين- لموقع "بلقيس"، أن "كل المهن، التي يعمل بها المهمشون، ليست مريحه لا على المستوي البدني أو الصحي، إذ أنها مهن شاقة، لا يتجاوز دخلها مقدار الحاجة الفعلية لتغطية نفقات المأكل والمشرب، وأيا من العوامل الاقتصادية القادرة على تأمين سُبل العيش الكريم للمهمشين العاملين بهذه المهن، التي عادة ما يفني المهمشون حياتهم، وهم يؤدونها".
وأشار إلى "عدم وجود الإحصائيات الدقيقة للعاملين بهذه المهن من فئة المهمشين، لكن هذه المهن يشتغل فيها المهمشون بصوره عامة، ناهيك عن غيرها من الأعمال الشاقة والأعمال، التي ينظر إليها على أنها مهن محتقرة في المجتمع اليمني".
تتعدد المهن والأعمال، التي يعمل بها غالبية المهمشين في المحافظات اليمنية.. ومن أمام سوق السيلة التجاري، ينتظر علي ناصر -من فئة المهمشين في لحج- دوره، ودعوة أحد تجارة الجملة له ليقوم بحمل البضائع الثقيلة على ظهره نحو المركبات، مقابل الحصول على مبالغ مالية زهيدة، يجمعها من خلال قيامه بحمل الأشياء الثقيلة، حيث لا يتعدى ما يكسبه نظير قيامه بهذه الأعمال الشاقة 10- 15 ألف ريال، منها أكله وشربه وقاته، ولا يعود إلى منزله في حوطة لحج يوميا أحيانا بمبلغ 4000، وأحيانا أقل من هذا المبلغ.
وتتمثل الصعاب، التي يواجهها المهمشون، في احتقار المجتمع للمهن التي يعملون بها، وعدم تقدير الزبائن لجهدهم، وبخسهم الحقوق المادية، وعدم النظر إلى المصاعب الحياتية الكبيرة من حيث ارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، وحاجتهم -مثل الآخرين- إلى العيش الكريم.
وبحسب ناصر، لا تقتصر المصاعب على ما سبق، فهناك مخاطر الإجهاد في مثل هذه الأعمال الشاقة، وبقاؤهم ساعات تحت الشمس الحارقة والرياح، وتقدم سن البعض منهم، وخطورة -نظير بعض الأعمال الشاقة- صحية على العمود الفقري وعلى النظر؛ وذلك في ظل صعوبة مقدرتهم على تحمل الإنفاق والتأمين الصحي.
يقدر الاتحاد الوطني للمهمشين عدد المهمشين في اليمن بثلاثة ملايين ونصف، وفق آخر تعداد سكاني لليمن في 2004، بما يعادل 12% من عدد السكان، حينها يعتمدون في العيش على بعض المهن؛ مثل خدمة ضرب الدفوف في الأعراس، وخرز ومسح الأحذية، وأعمال النظافة في المشافي الحكومية والخاصة، بأجور زهيدة..
يقول أحمد الزبيدي لموقع "بلقيس" إن "بعض المهمشين يعملون في أي مهن بهدف الحصول على لقمة العيش، في وقت يفضل طيف آخر التسول من أجل كسب المال"، مشيرا إلى أن "جميع المهن التي تعمل بها هذه الفئة ما تؤكل عيش، وعائدها لا يسمن ولا يغني من جوع"..
ونوه أن "الأعمال الحكومية، التي اقتصرت على فئة المهمشين، اعمال النظافة، وهي في الغالب عائدها متدنٍ يقبل بها المنتمون لهذه الفئة دون غيرهم، مع أن هناك توجها جديدا للمهمشين للالتحاق بالتعليم الجامعي، ومع محدوديتهم، وعدم حصولهم على الوظائف الحكومية، بات عاملا في عدم تحمس أعداد اخرى من الفئة المهمشة للالتحاق بالتعليم الجامعي..



