تقارير
النشاط التجاري.. نافذة جديدة للصحفيين في صنعاء!!

خلال الفترة الماضية، توجّه صحفيون في صنعاء، الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي، نحو ممارسة النشاط التجاري في محاولة للهروب من دائرة الفراغ والفاقة.
فمنذ اندلاع الحرب 2015، حدث تدهور كبير للأوضاع الاقتصادية، وتراكم للديون وإيجارات السكن على مستوى الأفراد.
يترك البعض المهنة، التي عاشها سنوات بل عقود، ويذهب باتجاه المشاريع التجارية الصغيرة، كمصدر للدخل وكسب لقمة العيش.
يحدث ذلك بعد ضيق مساحة الحرية، وتزايد أعداد الدُّخلاء على مهنة المتاعب، واقتصار معايير التوظيف على المحسوبية من ذوي التوجّه السياسي للجماعة، ومن له ولاء مُطلق لسلطة الأمر الواقع.
الصحفي الأربعيني، صادق غانم، فتح مطعماً صغيراً قبل قرابة عام في "شارع هائل"، وسط صنعاء، يقدّم فيه لحوم الأسماك.
اعتاد غانم، فيما مضى، على تقديم وجبات صحفية متنوّعة للقراء، لكنّه اليوم يتفانى في تقديم أنواع متعددة من أطباق السمك، التي تحظى بإقبال من قِبل الزبائن.
يتوشّح مدخل مطعمه لافتةً تتضمّن قائمة أبرز المأكولات المتوفّرة: السمك المشوي والمقلي، والبروست، والشوربة، والأرز، والربيس، والصانونة، والصيّادية، والمطفاية.
يتحفّظ غانم حول التفاصيل المتعلّقة بمشروعه الوليد، والشوط الذي قطعه، والأسباب التي دفعته لخوض هذه التجربة البعيدة عن ميوله، والقريبة من واقعه المعيشي، ويؤجّل الإجابة عن تساؤلات موقع "بلقيس" إلى أن يتمكّن من الوقوف على قدميه.
-المشهد العام
يُعد الصحفيون من الشرائح الأكثر تضرراً بفعل الأوضاع الراهنة، إذْ فقدوا أعمالهم ومرتباتهم، ولم يتمكّنوا من العثور على وظائف بديلة، كما تعرّضوا للمضايقات، والملاحقات، والسجن، والتعذيب، والاختطافات، وغيرها من الانتهاكات، التي جعلت من البلاد أسوأ بيئة لممارسة العمل الصحفي، حسب تقارير دولية.
كما تعرّضت وسائل الإعلام للنّهب، والإغلاق، والتهجّم، والعبث، والاعتداءات، والتهجير إلى خارج البلاد، الأمر الذي ألقى بعشرات الصحفيين والإعلاميين في رصيف البطالة.
كما يقبع ستة صحفيين في السجن منذ سبع سنوات، حكم عليهم بالإعدام، وتعرّض صحفيون آخرون للاعتقال والنفي، بل والقتل، والاستهداف، ليس آخر ذلك إغلاق خمس إذاعات في صنعاء، ورمي عشرات الصحفيين نحو الفراغ.
الكثير من الصحفيين ذهب نحو البحث عن مصادر للرزق، وكسب لقمة العيش، وأجبروا على مزاولة العديد من المهن والأعمال، بما فيها الأشغال الشاقة، حسب مصادر نقابية.
خلال سنوات الحرب الماضية، توجّه صحفيون في صنعاء وغيرها نحو العمل في قيادة الدراجات النارية، وغسيل السيارات، وبيع الثلج والخضروات، وجمع المخلّفات المعدنية والبلاستيكية، ولجأ آخرون إلى بدائل أخرى.
الصحفي السابق وعضو نقابة الصحفيين اليمنيين، محمد شمسان (47 عاماً)، هو الآخر افتتح -مطلع العام 2018- في شارع الرقاص، وسط صنعاء، محلاً تجارياً أطلق عليه "البيت السعيد"، يبيع فيه بنظام الجملة والتجزئة المستلزمات الصحية والبلاستيك والمنظّفات.
عمل، منذ العام 2002، في عدد من الصحف والمجلات المحلية، بينها صحيفة "الوحدوي"، الناطقة باسم "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري"، التي شغل فيها محررا للأخبار والقضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية، ثم عمل على مدى 5 سنوات سكرتيراً للتحرير.
-بين تجربتين
شغل شمسان، أيضاً، وخلال سنوات متفرّقة، مديراً للتحرير في "مجلة نداء الوطن" الأهلية، وسكرتير تحرير لمجلة "الجذوة" الفصلية، كما انفتح -خلال فترة نشاطه الصحفي- على العديد من المواقع الإلكترونية، والصحف الحكومية والحزبية والمستقلة، ونشر فيها الكثير من الكتابات ومقالات الرأي.
غادر شمسان العمل الصحفي في منتصف العام 2016، وذلك عقب تعرّضه في صنعاء للإعتقال من قِبل مليشيا الحوثي، وذلك إثر وشاية كاذبة.
يقول لموقع "بلقيس": "غادرت العمل الصحفي نظراً لتفاقم المخاطر والصعوبات التي تحاصر الصحفيين، وتعترض نشاطهم".
ومع انقطاع المرتّبات، وندرة مصادر الدخل، عاش أياماً صعبة، وعجز عن توفير أبسط المتطلّبات المعيشية لعائلته، كما تراكمت عليه إيجارات السكن الخاص، وداهمه الخوف والقلق على مصير أطفاله.
بعد عامين من المعانات، فكّر بالبحث عن عمل لكسب لقمة العيش، وتوفير متطلبات واحتياجات أسرته، قاده تفكيره نحو افتتاح مشروع تجاري، والتواصل مع عدد من أقاربه وأصدقائه من أجل توفير المال اللازم لذلك.
يذكر لموقع "بلقيس": "أن فكرة بيع المنظّفات والمستلزمات الصحية والبلاستيك كانت خطوة أولى، نظراً لندرة هذه الخدمة، وعدم انتشارها، كما أنها تلبِّي احتياجات الناس".
ويضيف: "بدأت بمبلغ بسيط، وكان رأس مالي الوفاء والأمانة مع الشركات والمؤسسات التجارية، التي منحتني تسهيلات كبيرة، وزوّدتني ببضائع مقابل الدّفع على مراحل".
-وجهة نظر نقابية
رافق سنوات الحرب الماضية استهداف مُمنهج للصحفيين، وذلك من قِبل سلطات الأمر الواقع، التي -إن اختلفت نسبة انتهاكاتها في صنعاء أو عدن أو غيرها- ترغب في وجود صوت إعلامي واحد في مناطق سيطرتها، حسب نقابة الصحفيين اليمنيين.
القيادي في النقابة، نبيل الأسيدي، أرجع -في حديثه لموقع "بلقيس"- مغادرة الصحفيين في صنعاء العمل الصحفي إلى ضيق مساحة الحُريات بشكل كبير لدى مليشيا الحوثي القمعية، وانقطاع الرواتب بالنسبة للصحفيين، الذين مازالوا تحت ما يشبه الإقامة الجبرية، كما تخلّت عنهم الحكومة الشرعية، ولم تسلِّم لهم مرتباتهم منذ ست سنوات، ما جعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة لهم.
ويوضّح: "الصحفيون في صنعاء باعوا مدّخراتهم، وفقدوا وظائفهم، في حين سطا دُخلاء المهنة على الوظائف، وبدعم من المليشيات، وهناك صحفيون مازالوا يعملون دون مقابل، أو بمقابل زهيد جداً، وبالتالي أصبح البحث عمّا يسد رمقهم مع أسرهم أمرا مهما جداً، وبالتالي اتجهوا نحو الأعمال اليدوية، ومزاولة مهن وأنشطة أخرى".



